الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

جواب الاستاذ, حسين رشيد خريس

Share

١ بالرغم من ان كلا من الثقافة والتعليم معرفة ، الا انهما يختلفان في كون التعليم يرتبط بسن معينة وظروف خاصة ، فهو مرحلة يمر بها كل انسان متعلم في حين ان الثقافة ليست ترتبط بسن او ظروف ، وليست هي وقفا على معهد بعينه ، ليتوسل اليها بما يتوسل الى التعليم عادة الطلاب والدارسون ، فهي تمتد مع الانسان الى نهاية حياته .

ونستنتج من هذا ان الثقافة ترتبط ارتباطيا مباشرا بالانسان في مجتمعه ، في حين ان التعليم يقوم على مواد مدروسة مكتوبة ، لا يشترط في تعليمها هذا الشمول الذي تمتد اليه وسائل الثقافة وأدواتها .

٢ لو اننى سئلت : من هو المثقف على وجه

العموم عندك لأجبت : انه الانسان الذي تكونت لديه حلول سليمة لكل ما يجري حوله . . وبقدر ما تتسع دائرة هذه الحلول ، وبقدر شمولها لمشاكل الحياة والمجتمع من حوله بقدر ما يكون قريبا الى الانسان المثقف ...! واما العالم فهو الانسان الذي توفر على علم بعينه فاتقنه ووعى اسراره وقد يوجد المثقف غير العالم ، اما العالم غير المثقف فربما كان لوجوده ، في مجتمعنا العربي ، اسباب تستدعى الحزن .. يقف على رأسها سوء التوجيه .

ويكفي في هذا المجال ان اشير الى ظاهرة لمستها في حياتي - ولعلها ما زالت - لمستها طالبا ومدرسا وموظفا ، تلك هي مفاخرة بعض الدارسين لمادة بعينها ، بجهلهم ببقية المواد الاخرى ، فطالب الادب قد يجد في قوله بانه لا يفهم ولن يستطيع

ان يفهم موضوعا كالرياضة او الفيزيا ، ما يقوى " ادبيته " وقل مثل ذلك في غيره .. وعلى هذا فلعله اتضح اني اقصد بالثقافة المعرفة الواعية لمشاكل الحياة ومؤثراتها العامة ، مادية كانت او معنوية ..

٣ للثقافة الغربية ، عندي ، مفهوم أراه يتمثل في اسلوب حياة القوم . وفي هذا الاسلوب بقوامية الروحى والمادى . والذي هو مزاج خلص من عدة مؤثرات وعوامل ، تتضح الشخصية الغربية التي أعتقد وجودها في النشاط الفكرى ( العلم والفلسفة ) والفكر الوجداني ( الادب والفن عامة ) وفي النشاط العملي . وعلى هذا فالثقافة الغربية تتناول الادب والفلسفة والفن كما تتناول العلم والفنون التطبيقية الاخرى . ذلك ان مقومات الشخصية الغربية لا يستاثر بها الادب الفن مثلا من دون العلم ، انما هي جميعا وسائل حياتية ، كل منها يقوم بدوره عاملا ومؤثرا وموجها ..

٤ مفهوم " الشرقية " ما زال غامضا عند كثير من الناس ، او هو مختلط مضطرب في اذهان الكثيرين من ابناء العروبة ، فمرة نعني بالشرقية البلاد الاسلامية واخرى البلاد العربية وثالثة الشرق كله حتى اليابان ..

فادا كان هذا الاخير ( ولعلى استوحيه من السؤال التالي ) فليس من شك والبلاد الشرقية لا تزال في فجر نهضتها ، وعلى ابواب مستقبلها ، وهي ذات تاريخ عريق وحاضر ما زال لسوء الحظ عالة على الغير ، وامجادها ذكريات قديمة ، غابرها خير من حاضرها ، وثقافتها الحاضرة لم تصل بعد الى المستوى الذي نستطيع ان نقول عنده : ههنا الشخصية الشرقية ، هنا الروح الشرقي ، هنا المثال الصادق لعقل هذا الشرق وقلبه معا .. كل هذا جعلنا حين نتناول موضوعا خطيرا كالثقافة نعود الى ذلك القديم

فالثقافة الشرقية عندي ، هي هذا التراث الذي تحدر عبر العصور من الاسلاف الى الابناء من فلسفة واديان وآداب وقنون .

٥ الثقافة العربية عندي هي : العربية اللسان ، العربية التاريخ ، العربية الشخصية ..

حقيقة يقع الشطر الاعظم منها ، بعد الاسلام ، ولكن جذورها سابقة عليه ، وهي بعده ( الاسلام ) رفدتها روافد متعددة قد لا يمت الكثير منها بصلة الى العروبة ، ولكنها بقديمها ( الاصيل ) وجديدها ( الغريب ) امتزجت في ظل هذا الدين الجديد ، فالتقت العناصر المختلفة وتآلفت ثم نشأت ثقافة جديدة ليست هي القديمة بعينها ولا هي جديدة بغربتها ، لكنها كانت مزاجا احتفظت للقديم منها باصالته وللجديد بطرافته ، فكانت اخيرا تعبيرا صادقا عن روح الامة العربية الجديدة التي حطمت اسوار الصحراء لتمتد من المحيط الاطلسي .. الى الخليج العربي .

فالثقافة العربية ، عربية اولا واخيرا ، ولكنها تشارك في جزء كبير من الثقافة الاسلامية ، ليست هي الثقافة الاسلامية بعينها ؛ وان كانت هذه تلتقي معها في جوانب كثيرة . . ولا تناقض في المسألة ، وانما هناك تمايز ..

والاسلام بعد .. ألم ينزل كتابه الكريم باللغة العربية ، على نبي عربي ، ليعالج مشاكل المجتمع العربى حينئذ ..! وهو رسالة ذات شقين : الاول قومي ( خاص ) والثاني انساني ( عام ) . وكل من الشقين مؤثر ومتأثر بالآخر ٠٠ ولم تبدا المباشرة بالشق الثاني الا بعد تحقيق الشق الاول ، وهو توحيد الجزيرة العربية وجعل القبائل العربية المتنافرة امة واحدة ، وحين تحقق الشق الثاني اتسع مفهوم الشق الاول ، فلم تعد الامة العربية تعنى هذه القبائل التي توحدت داخل اسوار جزيرتها وانما امتدت - كما ذكرنا آنفا - من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي .

ومنذ انطلق الصوت الجهير : " الله اكبر " حتى يومنا هذا ، وبين جزر التاريخ ومده ، وفي تقلب الاحداث وتطور الامور ، والامة العربية سواء يوم كانت في جزيرتها قبائل متناحرة ، او في امتداد دولتها من الاندلس حتى مشارق الصين . او بعد ان توزعتها عظائم الامور ، فانفصمت عرى هذه الامراطورية وداخلتها عناصر الفرقة والتسلط والطغيان ...، منذ انطلق ذلك الصوت الالمعي ، والامة العربية متميزة الروح والشخصية والمزاج واخيرا ذات ثقافة عربية خاصة .

٦ هذه الثقافة ليست ضربا واحدا فان هذا مخالف لطبيعة الامور ، ولكنها على

تعددها باختلاف بيئاتها ، سواء في فلسفتها او صوفيتها او ادبها تكون مزاجا واحدا تألفت جميع مفرداته في ظل مفهوم واحد هو الثقافة العربية كالاسرة الواحدة يتمايز افرادها من حيث الاشكال والالوان ، ولكنهم في مجموعهم اقرباء بنتمون الى فصيلة واحدة واصل واحد ، ويسهم جميعهم في بناء واحد هو : الاسرة

٧ و ٨ اذا كانت ثقافة امة من الامم ، هي التعبير الصادق عن روحها ، وعقلها ، عن آمالها وآلاماها وعن مضطربها في هذه الحياة ، بحيث نستطيع من خلال هذه الثقافة ، اذا ما رصدنا حركة في هذه الامة ان يكون حكمنا عليها سليما صحيحا .. اذا كانت الثقافة كذلك فاني اعتقد ان الثقافة العربية الحديثة لم تصل بعد الى مستوى هذا التعبير . . ولست متشائما ، ولكني ، وانا الحظ ما تطلع به علينا دور النشر من صحف ومجلات وكتب ، أرى ان هذه الثقافة تتطور سريعا مدهشا لدرجة قد يكون معها اصدار حكم اليوم مخالف آخر قد يصدر بعد فترة تعد بالسنوات القليلة

ونحن ادا كنا نعتبر ان السنوات التي سبقت الحرب الاخيرة ضمن هذه الفترة الزمنية التي رسمناها بالحديثة ، فان السنوات التي اعقبت تلك الحرب نفسها قد شهدت تطورات فكرية حديدة ، كانت استجابة صادقة للاحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ألمت بالامة العربية .

على اني لم أجب عن السؤال ولعلي قصدت الى هذا ، فأنا أعتقد ان ثقافتنا الحديثة لا تزال في طور التأسيس ، وانما اعني بهذه الثقافة ، ثقافة امة في القرن العشرين ، وربما كان من تبيين الاتجاهات التي تتنازع قضيتنا هذه والقوى الناتجة عنها بعض الاجابة لا كلها .

أما هذه الاتجاهات فأرى انها : ١ ) الاتجاه الثوري . والثورة مهما تكن ، ضعيفة ام قوية ، هدامة او بناءة وعلى اختلاف نصيب كل اقليم عربي منها ، أراها الخط الذي تسير فيه اليوم المجتمعات العربية ؛ ثورة على الاستعمار ، وثورة على التقاليد ، وثورة على مفاهيم وقيم لم تعد قادرة على الصمود امام تيار الحياة الجديدة ، على ان هذا الاتجاه الثوري ما زال وللبدا ، ولم يصل بعد الى درجة الخلق الايجابى الكثير . . فما تزال ثورتنا في مهدها ..

أما القوة الناتج عنها هذا الاتجاه ، فانما هي قوة الحرية ، سواء كانت هذه الحرية مستتمتعا بها ، وحقيقة واقعة ام انها أمل نصبو الى تحقيقه .

٢ ) الاتجاه الواقعي . وهو اتجاه يحاول درس واقعنا بمباذله وفضائله ، بسموه وانحطاطه كما يجري الكشف عن قيمه ومعالجة هذه القيم التي ظلت مهملة زمنا طويلا ، في كثير مما نتج في الادب . وقد اتخذت الواقعية في ادبنا المعاصر اسلوبا لا يخلو من بعض المغالاة من ذلك جعل واقع اداة التفاهم " اللغة " هو المشكل الذي تعالج به تجاربنا الفكرية الوجدانية ، ويبدو هذا حليا في استخدام بعض الادباء للهجات العامية لا في إدارة الحوار فحسب بل في القصة والرواية ، وفي دواوين الشعر ايضا ، حتى صرنا نسمع بمحاولة درس ادب العامة ، بل والتقدم نقبل الدرجات العالية فيها ، من الكليات الجامعية .

وأرى ان القوة التي انتجت هذا الاتجاه ، انما هي قوة الديمقراطية وامتدادها في هذا العصر ، لا على العالم العربي فحسب بل على العالم اجمع ، ذلك ان هذه القوة إنما تعني قوة الشعب اولا واخيرا ، وعصرنا عصر الشعوب ، فكان طبيعيا ان يكون الاتجاه الى هذه الشعوب ينهل الكتاب من تراثها الكامن في اعماقها ، ومما تحتفظ به على مر العصور .

٣ ) الاتجاه القومي . ولا شك في ان استشعار العرب ذواتهم ، وواقع الامة العربية الاليم ، من استعمار وتوزع وضعف ، جعل الشعور القومي حادا عنيفا يذهل له المستعمرون اليوم . فالامة العربية التي طال بها زمن الظلم والجهل والغفوة تنهض اليوم كعملاق جبار . ولقد شهدت البلاد العربية ، ما بعد الحرب مأساة فلسطين وهي ترقب اليوم تحرر المغرب العربي الحبيب ، وتسمع بصيحات الاحرار من جنوب الجزيرة ومن الاردن ، ومن العراق ، ومن كل مكان تتردد فيه لغة العروبة . . فتجتمع على ان المصير واحد ؛ والشعب واحد ، والمعركة واحدة . .

وهذا الاتجاه القومي يحاول ان يضع فلسفة جديدة لمفهوم الامة والتاريخ والمجتمع بل . . والدين . وله نتاجه الفكري من تاريخ وأدب وروايات أخرى سياسية واجتماعية . وقد ظهرت دواوين شعرية نعرف فيها هذا الاتجاه بوضوح وجلاء . (١)      (القاهرة)

اشترك في نشرتنا البريدية