الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

جواب الاستاذ, محمود المسعدي

Share

١

ان من آفات الفكر الشبهة والتقريب ، لذلك أرى - بالرغم عن ان سؤالكم هذا قد يستغرب واني استغربته فعلا لاول وهلة - أرى انه لا يخلو من الفائدة ، بين يدي الحديث عن الثقافة - ان يقع رفع بعض اللبس والاشتباه ، وان يفرق بين الثقافة وغيرها مما قد يتصل بها على وجه من الوجوه وجلي أن بين الثقافة

والتعليم صلة قريبة لعلها هي السب في اشتباه هذا بذاك وذاك بهذا . على ان الحقيقة ان الامرين يختلفان جوهرا وماهية ، فالتعليم ليس الا بعض عوامل تكوين الثقافة او بعض وسائلها . وليس من الحتم ان يفضى اليها : فقد يكون تعليم وتعلم ولا تكون ثقافة . ذلك ان الثقافة ليست في رأيي نتاج التعلم فقط ، بل هي في اغلب الاحيان نتاج عوامل شتى منها التعليم بدون شك ، ومنها

خاصة التجربة الوجودية الشخصية ومنها الذوق الفطري ومنها مؤاتاة الطبع ومرونة الطينة وجد الظروف الخ . وعلى هذا فالفرق بين الثقافة والتعليم هو الفرق بين النتيجة واحدى وسائلها ، واذا استقر ان التعليم وحده لا يكفي في الثقافة فقد اتضح ان المستفيد من التعليم قد يصبح عالما ولكنه لا يصح في شانه النعت بالثقافة الا اذا زاد على العلم ما لا يفيده تعليم قط ، أعني خصلتين تمتاز بهما الثقافة : هما الشمول وقوة الخلق فالتعليم وكذلك العلم محدود خاص ، والثقافة شاملة مطلقة الآفاق . والتعليم وكذلك العلم نقل ووراثة وبحث ، والثقافة إنشاء وخلق وهي ما يحقق به الانسان كمال انسانيته .

٢

أراني قد سبقت سؤالكم هذا ببعض الجواب عنه فيما قلته آنفا . فان صح ان الثقافة خلق مستمر فقد يحتار في تحديد مفهومها الانسان ، اذ لا يمكن حصر

مفهوم الكائن الناشىء المتجدد الكيان في معنى قار ولا مادة معينة ، لان معنى الثقافة تبع لسلم قيم ومحتوياتها تبع للمنشآت والابتكارات والاستنباطات ، وكل ما يمكن ان يقال فيها على وجه التحديد لما وقفنا عليه في عصرنا هذا من مفهوم لها انما هو ضبط لمعطياتها وعناصرها الجوهرية كما يتصوره عصرنا ، فهو تحديد لا يعدو النسبة التاريخية :

الثقافة هي ما ورثناه واقررناه وما نخلقه ولا نزال نخلقه من قيم روحية وفكرية وفنية وما نجسمه من إيمان بتلك القيم في اشكال الطفوس والشعائر والآداب والعلوم والمؤلفات والآثار والفنون .

على انه ينبغي التنبيه الى ان الثقافة في مفهومها " العامي " تكاد تنحصر في الآداب والعلوم ، وقلما يتصور المتحدث عنها غير الأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء الخ ... بينما هي تشمل ايضا ما خلقه الرسامون والنحاتون والموسيقيون والمعماريون الخ ...

٣

الثقافة الغربية ؟ واى غرب تعنون ؟ ان الغرب عديد ككل حي ... ومع ذلك في آود ان اقول ان ثقافات البلدان والعصور الغربية ( الاوربية ) يجمعها روح عام ورثته عن يونان هو ما سموه بالفرنسية " Humanisme " ولست ادري هل يكفي فيه التعبير عنه بالروح الانساني . وقد يطول الكلام في تحليله وليس هذا مقامه .

وينبغي ان نتنبه الى ان هذه الثقافة الغربية لا يتجلى روحها الخاص في " ديكارت " و " كانت " و " راسين " و " فولتير " و " فكتور هيجو " و " جوته " و " شوبنهاور " و " هاين " و " نيتشة " و " إبسان " و " شكسبير " وهكسلي " الخ فقط ، بل ايضا في " بيتوفن " و " قريق " و " موزار " و " فاقنر " و " تشايكوفسكي " من الموسيقيين ، و " دي لاكروا " و " قوقان " و " رينوار " و " روبانس " و " ليونارد دي فانشي " وغيرهم من الرسامين والفنانين وفي الموسيقى السمفونية وفي الفن المعماري الفوطي وفن النهضة ومتاحف رومة وفيرنزة والبندقية وقصور " فرساي " ونهر " لالوار " الخ ...

٤

رغم كرهي للتكرار اقول ايضا : الثقافة الشرقية ؟ واي شرق تعنون ؟ الادنى ام الاوسط ام الاقصى ؟

الثقافة الشرقية ثقافات عديدة منشورة على الزمان والمكان . من القديم المصري الفرعوني والاسكندري ، ومن الفارسي القديم ، ومن الاديان المنزلة من موسوية وعيسوية ومحمدية ، ومن الثقافة الصينية على وجه الدهر ، ومن الهندية باديانها وعماراتها ، الخ ... ولست اجسر على الجزم بان الجامع بينها جميعا هي جملة قيم روحانية " غيبية " توقف " الانسانية " موقفا خاصا من الوجود ، وتنزل " ايقاعها " منزلة نغمية غير ما ينزل فيه " الروح الانساني " الغربى .

على انه قد يكون من خطل الراي ان احدثكم عن " الثقافة الشرقية " كما تقولون ، اذا كنت اعتقد ان هذه العبارة اسم لمسميات وكنت الى ذلك اعلم اني الا اعرف منها بعض المعرفة الا مسمى واحدا هو الثقافة العربية الاسلامية . فليكن كلامي اذن فيها وحدها من بين جميع الثقافات الشرقية المختلفة التي تشملها عباراتكم . . .

٥ لا شك ان الثقافة العربية لا تصح تسميتها بهذا الاسم الا على احد وجهين : ان تكون عربية باعتبار اللسان او عربية باعتبار جنس اصحابها ومنشئيها ، ومن البين ان هناك ثقافة عرفها التاريخ ولا تزال حية الى اليوم ايما حياة هي الثقافة العربية الاسلامية . وهي عربية باعتبار اللسان لا باعتبار الجنس لانها لم تكن من خلق العرب وحدهم ولم يكن لجنس العرب فيها الا بعض الشان في بعض العصور ثم هي اسلامية باعتبارين : اولهما ان الشعوب التي شاركت في تكوين وتشييد معالمها على الدهر شعوب مختلفة الاجناس لا يجمع بينها الا الاسلام ، وثانيهما ان هذه الثقافة انطبعت في مختلف العصور بروح الدين الاسلامي وقامت في عامة عصورها على اساس القيم الفكرية الاسلامية ( لا استثني من ذلك الا القليل الموروث عن الجاهلية العربية وهو لا يكاد بعد اذا اعتبرنا ما انطوى عليه من قيم غير اسلامية ) .

وعلى ان نعت هذه الثقافة بالعربية والاسلامية معا صحيح تاريخيا في الجملة ومنطبق عليها في معظمها فليس من الوفاء للحقيقة ان نجعل الصفتين ملتزمتين . فقد تكون وقد كانت فعلا هذه الثقافة عربية غير اسلامية في بعض عصورها كالجاهلية او بعض مظاهرها كادب النصارى من العرب في القديم وفي الحديث . وقد تكون اسلامية غير عربية في بعض عصورها وبعض مواطنها وبعض

مظاهرها ، فالادب الفارسي الاسلامي غير عربي اللسان ، وشعر إقبال في العصر الحديث اسلامي غير عربي ، والفن المعماري الاسلامي في مختلف عصوره ومواطنه اسلامي ولا معنى لنعته بالعربي .

٦ اسمحوا لي بان اقول في اجمال انها وحدة في كثرة او كثرة في وحدة ، لم فتح لثقافة غيرها ما اتيح لها من طول البقاء وتعدد العصور وتقلب الاطوار ، ولم تتهيأ لثقافة غيرها ما تهيا لها من الازدهار على ايدي شعوب مختلفة وفي مواطن متبانية . ولا اظن مثل هذه الحقيقة المعروفة فى حاجة الى فضل بيان .

٧ الحق أني اتساءل احيانا عن حقيقة وجود ثقافة عربية اسلامية في العصر الحديث ولا شك ان هناك انتاجا ادبيا وفكريا عربيا واسلاميا عرفته البلدان الاسلامية منذ قرن ونيف . لكن ضعف روح هذا الانتاج وخانوه من كل قيمة حقيقة بالقياس الى انتاج الثقافات الحديثة الاخرى يجعلانه بمثابة المعدوم .

وهل لمحاولات محمد إقبال وحدها وزن يعد في هذا الباب ؟ وهل لمجهود السلفية وجميع اصناف " حماة الاسلام " قيمة غير دلالتها على نوع من " الرجعية " والتعلق باطراف الماضي والوفاء الى قيمه القارة دون تجديد ولا زيادة ولا إحياء ؟ وهل الشعر او الادب العربي الحديث مع قلة ما فيه من فحول وكثرة ما فيه من تقليد للادب الغربي او تأثر بالادب الغربي وقيمه وانواعه الا مظهر آخر من مظاهر ضعف الروح الذي اشرت اليه آنفا ؟ اما في الفلسفة وفي مذاهب العلم والادب وفي الفنون بانواعها فهل للعالم العربي الاسلامي الحديث ما يباهي به غيره او يقدمه لغيره ؟

يبدو لي ان العصر الحديث كان عصرا عني فيه المسلمون قبل كل شيء بالمحافظة على تراثهم الثقافي وصونه من التلاشي والتلف والنسيان ، ولا اراهم قد بلغوا بعد العهد الذي سيجددون فيه هذا التراث ويزيدون عليه وينموه . بل أرى عهد المحافظة والدفاع ، وعهد التقليد والتلمذة والاقتباس ، وعهد القصور عن " الاجتهاد " والجرأة والخلق ، لا يزال ممتددا ، على اختلاف في اللون ، من القرن التاسع عشر الى اليوم .

٨ ان مسألة كهذه لمن جنس ما يؤلف فيه التآليف وقد ألفت فعلا مؤلفات

عديدة في اتجاهات الادب العربي الحديث ، والادب والشعر ليسا كما قلت الا جزءا من الثقافة ، وقد يقال ان اهم ما تحتويه الثقافة العربية الاسلامية في العصر الحديث هما الادب والشعر . وعلى هذا الوجه فما كشفته هذه المؤلفات من اتجاهات في الادب الحديث يصح ان يتخذ معيارا لاتجاهات الثقافة نفسها . ولا ارى فائدة في تبيينة هنا ، فهو متعارف بين المعنيين بمصير الادب العربي في العصر الحاضر او هو على الاقل يسير التعرف في مظانه من تلك المؤلفات .

على انه لا شك ان هناك تيارات واتجاهات فكرية تمتاز بها الحركة الثقافية العامة في الشرق العربي الاسلامي الحديث وقد لا يكشفها ولا يعبر عنها الادب وحده كشفا وتعبيرا كافيين . منها اتجاه كان قويا في بعض العهود إلى " إحياء الدين " وبعث قيمة الثقافية ونفخ روحها في هيكل العالم الاسلامي لدى بقطته ونهضته الحديثة وقد كان ناتجا عن ارادة دفاع عن الاسلام وعن كيانه في حين كان العالم الاسلامي وحضارته الموروثة وكيانه الثقافي هدفا لغزو الامم الغربية واستعمارها وحضارتها . لذلك لم يكن فيه كثير طرافة ولا ابتكار ؛ ولا اظن ان جميع ما كتب امثال الافغاني وعبده ولا حتى ما ردده شعر محمد إقبال فيه غير التذكير والترديد لما انتجته الثقافة العربية الاسلامية من قيم في عصورها الخالية ، وانا موقن بان الاسلام وثقافته لا يزالان يترقبان ظهور غزالى حديث . واني لهما بمثله ؟ .

والى جانب هذا ينبغي ان نذكر تيار التقليد والتاثر بالثقافات الغربية . وهذا مجال واسع للقول ، خال من كل مغنم مع ذلك . ولعل اغرب ما يذكر منه اتجاه طهر عند بعض الكتاب والمفكرين وفي بعض طبقات " المثقفين " ثقافة غريبة هو الاتجاه اللايكي ، ولست اعرف مهزلة ادعي الى الهزء ولا أناسا احق بالازدراء من اضحوكة اللايكية في العالم الاسلامي وممن يدعونها من مسلمي العصر الحديث ، فقد تكون اللايكية القائمة على اسس قيم " الروح الانساني الغربي " (Humanisme) من المقومات الصميمة لنوع من الثقافة . وقد تكون لها قيمها الاخلاقية وفلسفتها الوجودية الصحيحة . ولا اعرف للايكية المزيفة التي يتغنى بها بعضهم في العالم الاسلامي غير وجه الزيف والتقليد الظاهري والقلب المشوه : لان هؤلاء ظنوا ان في انصرافهم عن شعائر الاسلام وعن بعض طقوس الزماتة والتعبد بالجوارح لايكية وهم لا يزال تفكيرهم وشعورهم وضمائرهم يصدرون عن الثقافة الاسلامية وقيمها الاخلاقية وفلسفتها الوجودية .

وفيما بين الاتجاه الى الدفاع ومحاولة البعث والاحياء والاتجاه الى التقليد السطحي لا ارى في الثقافة العربية الاسلامية الحديثة الا . . العدم ، فنحن لا نزال نترقب ظهور تفكير عربي اسلامي حديث ، وفن اسلامي حديث ، وشعر عربي حديث ، وفلسفة وجودية اسلامية مجددة ، الخ ...

٩ و ١٠ اني ارغب في الامساك عن الجواب عن هذين السؤالين وارجوكم عذري . لا لسبب غير اني لا ازال منذ زمن اعالج هذه المشكلة واقلب فيها الفكر وانوي تحصيل ما افضيت اليه بعد من نتائج وما لا يزال بصدد التمخض منها في شكل مقالات او كتاب ان شاء الله .

وليس اكره عندي - اذا كنت بصدد معالجة مسألة ما بالتفكير - ان اقف عند بعض النتائج او اقر بعض النتائج قبل ان استتم المعالجة والتفكير . لان ذلك يؤول الى تجزئة الحقيقة وتقطيع النتائج الكلية وهو ما يشوهها من ناحية ويكون من دواعي الخطأ والتغليط من ناحية اخرى . وكل ما يمكنني ان اقول هو ان هذه المسألة ينبغي ان تكون بالنسبة الينا نحن التونسيين في عهدنا الجديد الذي نستقبله ام المسائل الحيوية . قد نخطيء فيها سواء السيل فنمسخ مصيرنا كامة ؛ وقد نصيب فنسلم ونحيا .

اشترك في نشرتنا البريدية