يستغرب الملاحظ عن منطقة الشرق الاوسط هذا التسارع المدهش فى احداثه ، وتصيبه الحيرة تجاه ما يرتسم في الافق من علامات الاستفهام . وقد يلجأ البعض الى قواميس العلم السياسي او التاريخ او الجغرافية ، ليحل هذه الرموز والاستفهامات ، ولكنه لا يجد ما يشفى الغليل وقليلون هم الذين درسوا المشكلة في موضعها ، او على الاقل اخذوا بعين الاعتبار معطيات وافتراضات نابعة من موقع المشكلة نفسه لا من اذهان وبلدان بعيدة عنه عقلا ومكانا ، فما هي المشكله فى اساسها ، ما هو السرفى تقلباتها ووجوهها المتناقضة ؟
كان الشرق الاوسط عبر التاريخ موطن حضارات عريقة ومهبط الاديان الموحدة وعقدة مواصلات بين القارات والبحار الرئيسية التقليدية . ولكن العهد العثماني الكافر بالعلم ، المتجرد من رسالة الحضارة من جهة ، وياس اوربة من السيطرة على الشرق بعد فشل الحروب الصليبية وتحول الاهتمام الى العالم الجديد وراس الرجاء الصالح ، من جهة اخرى ، عزل الشرق الاوسط الى حين وجمده في قوالبه الفكرية والاجتماعية بينما كان الغرب يندفع قدما في التحرر الفكرى والاجتماعي على هدى منهج ديكارت وتجربة باكون وفلسفة القرن الثامن عشر .
وجاءت حملة نابليون على مصر تخرج الشرق الاوسط من سكون العزلة وتوقظ جراح الرجل المريض . وكان الحل الوحيد الذي تفتقت عنه الدبلوماسية الاوربية لمنع اصطراع المطامع الدولية على تركة الدولة العثمانية ، هو اطالة عمر المريض ، وابقاء القديم على قدمه (statuquo) ، غير ان ذلك الحل كان حيلة بارعة لاكتساب الوقت وتحين الظروف .
فقد اخذ الحكم البريطاني للهند شكل استعمار مباشر وصار من ضرورات الستراتيجية البريطانية الحفاظ على طريق الهند ؛ خصوصا وهذه الطريق غنية
بمواردها الخاصة واماكنها المقدسة ذات القيمة السياسية . وكانت فرنسة تزاحم بريطانيا وتحسدها لسيطرتها على جبل طارق منذ ١٧١٣ وعدن منذ ١٨٣٦ اما الروسيا فكانت تطمح الى منفذ على البحر المتوسط عبر المضايق التركية .
وما ان اعلن غليوم الثانى ان مستقبل المانيا على سطح البحار ، حتى التهبت الحرب الكونية الاولى وانحلت الدولة العثمانية فوقعت اشلاء ، وقد اشتعل الروس بالثورة البلشفية فتخلوا عن احلام القياصرة فى عرش القسطنطنية اما المانيا فقد هيض جناحها بالهزيمة ولبثت امريكا متشغلة فى تحقيق سياسة مونرو بالتوسع فى القارة الامريكية والتملص من مشاكل العالم القديم . فبقى للندن وباريس وحدهما ان تشهدا انفجار الشرق الاوسط ، وان تتفرغا لمشاكله ومشاكلهما فيه ، فتقاسم الفرنسيون والأنكليز المنطقة وقبض هؤلاء على مصر وفلسطين اى على قناة السويس ، وعلى الاردن والعراق . وانصرف الفرنسيون الى اخضاع سوريا ولبنان . وبذلك تكون واقع جديد يتلخص بما يلى :
شعوب تتخبط بين الجهل القار والاضواء القليلة المتواردة من الخارج ، وتنوء بحمل الفلسفات والمذاهب القديمة الجامدة الموروثة ، وتتململ للخلاص من النير العثمانى ، حتى اذا زال حل مكانه نير اثقل وازخر بالظلم . وتنهض هذه الشعوب للكفاح من اجل اثبات وجودها ومصالحها ولكن تنقصها النظرية السياسية الملائمة والتجربة الكفاحية الوافية . فتتخبط ؛ وتنزو جروحها الكثيرة دماء غريزة لو توحدت ، وسالت فى وقت مناسب . لفاضت عن القدر اللازم لتحقيق الحرية . فثارت قبائل العراق منعزلة . وثارت الجموع السورية بعد اخماد الثورة العراقية ، وتراوح الصدى فى لبنان حسب المد والجزر في الكفاح ، ومصر لم تستطع كسب شىء كثير سوى وعود بالدستور والمعاهدة واخيرا توطد الانتداب الفرنسى والانكليزى بالشرق العربى فوق البارود .
ذاك كان اساس المشكلة - فالحضارة المتدفقة الى امام فى مجاريها المتنوعة عبر بلاد اوربة وامريكا والعالم ، تدعو الشرق الاوسط الى دور ما فى الحلبة العالمية والشعب العربى فى مختلف اصقاعه يتشوق لتلبية النداء ولكنه يتميز حقدا على الاصفاد التى تضبطه وتشل فعاليته . فيشك المفكرون العرب يشكون شكا منهجيا وبكل شئ . يشك طه حسين بالادب الجاهلى كله ، ويشك جبران خليل جبران بالدين والاخلاق كليهما ، ويشك صبرى العسلى بعصبة العمل القومي التى يرئسها
بعد ان ارسى اسسها فيصل الاول نهجا لتحرير العروبة وتوحيدها ، وتنتشر المبادئ السياسية الشعوبية كالفرعونية بمصر والفنيقية بلبنان والفاشتية بسوريا ولبنان والاردن ، والاشورية بالعراق . وتتسرب الشيوعية لتداعب امانى بعض الطبقات المضطهدة اجتماعيا وسياسيا فتلهب بوعود المساواة الاجتماعية والقومية الكثير من المشاعر الانسانية والاجتماعية .
وتخلي الازمة السياسية المكان موقتا لازمة فكرية ضارية تتجاذب الشرق الاوسط خلالها ، ما بين الحربين العالميتين نوازع متنافية لا يربطها الا صفة واحدة هي انتهازيتها وعدم ملاءمتها لمجموع المشكلة . فالتيارات السياسية الشعوبية تعبر عن بعض المصالح والحقائق المحلية ولكن بصورة شوهاء ، ولا ترتفع الى مستوى المشكلة الكبرى . والشك المنهجى لا يستطيع ان يتواصل دون بلوغ حد يبدأ منه اليقين ؛ حتى اذا اتضح للجبرانيين ان الدين والاخلاق كضابط اجتماعى وكمحرك انساني ، شىء مستقل عن القوالب والاشكال التى ياخذانها حسب الزمان والمكان ، وتجلي لانصار " الادب الجاهلى " ان نقد التراث يعنى غربلته لا نسفة ، وان هذا التراث يستعصى بدوره على النسف ، وانه عنصر خير وانشائي اذا احسن تحقيقه وفهمه واعطاؤه للناس . واقتنع القوميون العرب بالتجربة ان العمل الجماهيرى ، القومى ، الصبور ، الواعى ، الحكيم ، ليس ضلالا و لا وهما ، بل هو مفتاح الاهتداء الى الحل . لصنع المستقبل السياسى والاجتماعى
عند ذاك فقط بدأت الازمة تحل . فاخذت الازمة الفكرية تخلى المكان بدورها للعمل السياسى لقد بدأت الطريق تتضخ ، وتتكشف خطوطها من بعيد وهكذا اندفع العالم العربى فى غليان ما بعد الحرب العالمية الثانية يشق طريقة الى الحرية والغد الباسم عبر التيارات المتصارعة والمصالح المتناقضة والوقائع القاهرة . فادا طريق الحل لكل المشاكل يبدا فى السيادة الوطنية وفى وضع اليد على مفاتيح الدولة والادارة . وفى حسن استعمال هذه المفاتيح .
لقد اقتنع العرب ان التحرر السياسي هو حجر الزاوية فى بناء التحرر العام . فبدأ لبنان وسوريا معركتهما بجبهة الاستقلال سنة ١٩٤٣ حتى حققا الجلاء سنة ١٩٤٧ واشهرا معركة الاقتصاد والثقافة منذئذ . وقامت الثورة المصرية تمسك
بزمام الحكم فتطهر الجهاز السياسى وتعقد معاهدة الجلاء وتبدأ بذلك الجولة التالية لاعادة الصهر الاجتماعى والبناء الاقتصادى . اما تونس فقد ادرك قائدها الحكيم الحبيب بورقيبة منذ البدء ان الجلاء والخبز والعلم . جميعا ، تبدأ فى ساحة السيادة الوطنية وهذه مسألة ساقية سيدى يوسف وحرب الجزائر ، مصداق للنظرية القائلة ان رأس الافعى انما يقطعه سيف السيادة الوطنية والتحرر السياسى
اجل ، فالوعى السياسي قد تبلور بشكل صحيح ومتين وانتشر الى درجة خارقة بين اوسع فئات الشعب العربى . وجاءت الصحافة والاداعة والنوادى والاحزاب تنمى هذا الوعى وتصقلة ، لتجند كل طاقات الامة العربية في جيش واحد من العزم والكفاح والتصميم على النصر ، يدل على صحة هذا الاستنتاج المدى البالغ الذي يحدثه التجاوب بين الاحداث الهامة ووجدان الناس ، بين مشاكل الساعة واهتمام الجماهير ، اهتمام الامة باسرها ، وهذا الزحف الكبير الذي تنفذه شعوب المغرب العربى لتحقق استكمال الحرية واقامة المغرب الكبير ، وشعوب المشرق العربى لتبنى عمارة الحرية والوحدة فى ما بين الفرات والنيل حتى اذا استقام جناحا العروبة فى الشرق الاوسط وشمال افريقيا صفق النسر العربى بكلا جناحية ، وطار بكل قوته وطاقته ونشر الرسالة العربية صافية رخية
وبعد هذا يكون كل حديث عن ازمة ما فى العالم العربى خارجا عن الموضوع ، لان عالما يحيا ، يجوس الظلمات بقدم ثابتة ويبنى المستقبل بتصميم وبلا وجل ، لا يشكو الازمة ولا التأزم ، انه في انطلاق خلاق لا يحير الا من لم يفهموه ؛ انه في طور العمل وصنع التاريخ

