هنيئاً لك يا أخى تنقلك بين مصايف لبنان المرتفعة منها والمنخفضة، بين الجبال الشاهقة والأودية السحيقة، بعيداً عما نعانيه من حر مضن ورطوبة قاتلة ونزلة وافدة. ولعلك بعد أن تتم طوافك فى لبنان لا تنسي أن تزور دمشق لأنه لا بد لكل من يصطاف بلبنان من أن ينتهى بزيارة الفيحاء، أو كما قال شاعرنا العربى
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام
ولدمشق سحر خاص تتميز به عن غيرها من البلدان العربية الكبرى. ولا أصف لك الحدائق الغناء التى تحيط بها، وهى نفحة من نفحات الجنان، ولا الآثار البديعة القائمة فيها وبعضها من الروعة بمكان. فإنك ستزورها وستشهد هذا جميعه وتعجب به وزائرو دمشق يكتفون عادة من آثارها بالجامع الأموى ودار المجمع العلمى والمكتبة وبعض القصور القديمة وبعض المصانع الوطنية؛ وقليل منهم من يفكر فى زيارة ضريح الشيخ محيى الدين ابن عربى، أو يفطن إلى أن (بحر المعارف الإلهية، وترجمان العلوم الربانية، الشيخ الأكبر، والقطب الأفخر) كما يلقبه الشيخ عبد الغنى النابلسى، مدفون فيها
ولقد زرت دمشق أكثر من مرة، وكنت فى كل مرة أتردد على الأماكن التى تعود الناس زيارتها. ولم أفطن مرة إلى ضريح (الشيخ الأكبر) كما يلقب علماء الصوفية ابن العربى بالرغم من أنى ركبت أكثر من مرة (تراماً) يعرف خطه باسم (الشيخ محى الدين) فى غدوى ورواحى إلى حى الصالحية حيث كنت أقيم
ولم يخطر ببالى فى زياراتى الأولى أن أسأل من هو محيى الدين هذا. ولا أخفى عنك أنى لو سألت يومئذ عنه وقيل لى أنه
ابن العربى لما نبه فى ذهنى خاطراً بعيداً، أو بعث فى نفسى شوقاً مزيداً إلى زيارة ضريحه، لأنى لم أكن أعرف عنه أكثر من أنه إمام من أئمة الصوفية وأنه صاحب هذه الأبيات الجميلة التى كنت أحفظها من غير أن ألتفت إلى معناها الصوفى وهى:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبى ... إذا لم يكن دينى إلى دينه دان
وقد صار قلبى قابلاً كل صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لنيران ومعبد طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ... ركائبه، فالحب دينى وإيمانى
ولم أكن أعرف ابن العربى، كما وصفه الشيخ صفى الدين ابن أبى منصور فى تعابير صوفية رائقة، فقال إنه (الشيخ الإمام المحقق، رأس أجلاء العارفين والمقربين، صاحب الإشارات الملكوتية، والنفحات القدسية، والأنفاس الروحانية، والفتح الموثق، والكشف المشرق، والبصائر الخارقة، والسرائر الصادقة، والمعارف الباهرة، والحقائق الزاهرة، والمحل الأرفع من مراتب القرب فى منازل الأنس، والمورد العذب فى مناهل الوصل، والطول الأعلى فى معارج الدنو، والقدم الراسخ فى التمكين من أحوال النهاية، والباع الطويل فى التصريف فى أحكام الولاية. وهو أحد أركان هذا الطريق )
أو كما وصفه الذهبى: (وله توسيع فى الكلام، وذكاء وقوة خاطر وحافظة وتدقيق فى التصوف، وتآليف جمة فى العرفان. ولولا شطحه فى الكلام لم يكن به بأس. ولعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته)
أو كما وصفه المسدى: (كان ابن العربى ظاهرى المذهب فى العبادات، باطنى النظر فى الاعتقادات، خاض بحار تلك العبادات، وتحقق بمحيا تلك الإشارات، وتصانيفه تشهد له عند أولى البصر بالتقدم والإقدام، ومواقف الغايات فى مزالق الأقدام)
أو كما قال أيضاً: (وكان جميل الجملة والتفصيل، محصلاً لفنون العلم أخص تحصيل، وله فى الأدب الشأو الذى لا يلحق) أجل لم أكن أعرف هذا جميعه عن ابن العربى، بل لم أكن أعرف كثيراً أو قليلاً عن أئمة المتصوفين لأني وصلت إلى دراسة
التصوف متأخراً ... بل إنى لم أكن أتذوق كما يجب أشعار ابن الفارض لأنى لم أكن افطن إلى كل معانيها الصوفية. وأذكر اليوم فى شىء من الخزى أن كبيرة أديباتنا العربيات زارت منذ سنين ضريح ابن الفارض بالقاهرة بسفح المقطم، أو كما قال حفيده الشيخ على فى رثائه المعروف (بالقرافة تحت ذيل العارض) ثم كتبت عنه مقالاً كله إطراء وثناء؛ وكان أن لقيتها بعد ذلك بالإسكندرية حيث كانت تصطاف وقلت لها: إنى لا أشاطرها إعجابها به. فأجابتنى بأنه يجب أن أحاول فهم شعر ابن الفارض من الناحية الصوفية قبل أن أتحدث عنه كشاعر
ولعل هذا كان أول حافز لى لدرس الصوفية على قدر اجتهادى ولا شك أن لابن الفارض مكانة خاصة فى شعرنا العربى لأنه يكاد يكون الوحيد الذى عالج شعر الصوفية على النحو الذى نحاه شعراء الفرص والترك الصوفيون المبتدعون أمثال العطار وجلال الدين الرومى وسعدى حافظ. ولا يدانيه فى هذا الباب غير ابن العربى، وإن يكن قد قصر عنه. فابن الفارض إذن فارس هذه الحلبة فى لغتنا العربية وبطلها الفرد، وقد قال فيه نيكلسون: (إن أشعار ابن الفارض غاية فى اللطف) .
ولا أذكر الآن من قال فى وصف ديوانه إنه (معجزة فى عالم الأدب) والصوفية فى شعر ابن الفارض مراتب من حيث الوضوح والغموض. ولعل (خمريته) تحسب وسطاً بين شعره الغنائى الغزلى وبين (التائية الكبرى) المعروفة بنظم السلوك
وهل أروى لك للدلالة على تشعب معاني هذه القصيدة الأخيرة ما ذكروا من أن أحدهم قصد ابن الفارض يستأذنه فى شرحها، فسأله عن مقدار الشرح، فقال: إنه سيقع فى مجلدين. فضحك الشاعر الصوفى وقال: (لو أردت لكتبت مجلدين تفسيراً لكل بيت فيها)
على أن المقريزى ذكر فى ترجمة عمر بن الفارض أن محيى الدين ابن العربى بعث إليه فى شرح التائية الكبرى فرد عليه الشاعر: (كتابك المسمى بالفتوحات شرح لها) إشارة إلى كتاب ابن العربى (الفتوحات المكية) الذى جمع فيه شتات العلوم الصوفية فى خمسمائة وستين باباً
وبين ابن العربى وابن الفارض بعض الشبه. كانا متعاصرين فكلاهما من رجال القرن السابع للهجرة، أى القرن الثالث عشر للمسيح، فقد توفى ابن الفارض سنة ٦٣٢هـ (١٢٣٥م) وتوفى ابن العربى سنة ٦٣٨هـ (١٢٤٠م). وكان ابن الفارض يصاب بدورة إغماء وغيبوبة فإذا أفاق منها أملى أشعاره؛ وكان ابن العربى يعتقد أن ما يكتبه يتحول إليه بطريق الوحى فى حالة الغيبوبة والمجاهدة. وكلاهما من أئمة الصوفية، ولكن بينما هى غامضة بعض الغموض عند ابن الفارض لأنه يرمز إليها فى صور شعرية، نجدها واضحة عند ابن العربى لأنه يبحثها نثراً. وكان ابن الفارض ينظم غزلاً يرمز به إلى الله فى غير حبيب مجهول، ويكثر فيه من أنواع البديع بينما نجد ابن العربى ينظم شعره من غير أن يتعمد أنواع البديع فى فتاة مكية
أما من حيث المحسنات البديعية فلعل الفرق ناتج عن المحيط الذى نشأ فيه كل واحد من الشاعرين. فقد ولد ابن الفارض فى القاهرة ونشأ فى محيط شرقى فاكتسب شعره المميزات التى كانت بارزة فى بيئته بين معاصريه. أما ابن العربى فقد ولد بمرسية (فى ١٧ رمضان سنة ٦٥٠هـ. أى ٢٨ يوليو سنة ١١٦٥م.) ونشأ وتأدب فى بلدان الأندلس بين أشبيلية وسبتة، وقد استقر فى الأولى ما يقارب الثلاثين عاماً، ولم ينزح إلى المشرق إلا عندما شارف الأربعين سنة ٥٩٨هـ (١٢٠١ - ١٢٠٢) فاكتسب شعره مميزات مواطنيه، وكانوا أقل عناية بالمحسنات اللفظية من شعراء مصر والشام والعراق
أما معشوقته ففتاة مكية تسمى (نظاماً) وتعرف بلقب (عين الشمس). وكان والدها من علماء فارس الذين نزحوا من بلادهم وأقاموا فى مكة. وكانت لما عرفها ابن العربى فى الرابعة عشرة من عمرها على كثير من العلم والمعرفة، بليغة الخطابة، جيدة الكلام، بارعة الجمال. وقد لقيها أثناء إقامته بمكة عام ٥٩٨ أى غب رحلته من بلاد الأندلس. ثم نأى عن مكة زمناً حتى إذا عاد إليها سنة ٦١١ نظم فيها بعض القصائد فوصف جمالها الفتان وعلمها الواسع وذكر ما كان بينه وبينها من حب. ثم رأى بعد ذلك
أن يتبع هذا الديوان الصغير بشرح صوفى
بعد بنا هذا جميعه عن ضريح ابن العربى وزيارته وهنا يجب أن أذكر شيخنا التفتازانى رحمه الله. سألته مرة أين قبر ابن العربى؟ فقال بأسلوبه العذب الذى تذكره: كيف لا تعرف ضريح ابن العربى؟ وكيف تزور دمشق ولا تزوره؟ إنه فيها بعد (الجسر) وتصل إليه بخط ترام معروف باسمه (الشيخ محيى الدين). ألم تقرأ فى الشعرانى قوله: (وقبر ابن عربى (1) فى الشام، وقد بنيت عليه قبة عظيمة وتكية وفيها طعام وخيرات) قلت ولكنى أعرف أنه توفى بدمشق ولكنه نقل إلى جبل قاسيون ودفن بسفحه. قال: وقاسيون هو الجبل المطل على دمشق والذى بنيت فى سفحه فى شكل مدرج المدينة الجديدة والحى الذى يعرفونه اليوم باسم المهاجرين
وكان أنى زرت دمشق بعد ذلك ولآخر مرة فى صيف سنة ١٩٣٥، وأقمت فيها أياماً ضيفاً على أحد أقاربى، ولما كان يقيم بالصالحية، وهى فى أول مرقى الجبل قبل المهاجرين، كنا نركب الترام فى الغدو والرواح. وهناك خطان أحدهما يعرف باسم (المهاجرين) ، والآخر باسم (الشيخ محيى الدين). والحق أنى كنت نسيت ابن العربى ووصية الشيخ التفتازانى. وساقنى الفضول مرة فسألت قريبى من يكون الشيخ محيى الدين هذا. فقال: إنه عالم صوفى يعرف بابن العربى، وأن له ضريحاً ومسجداً فى آخر خط الترام فدعوه باسمه. وهنا تذكرت الماضى وقلت: أجل يجب أن نزوره
وبعد ظهر ذلك اليوم أقلتنا عربة أخذت ترقى بنا الجبل حتى وصلنا إلى حيث المسجد بعد أن اجتزنا حياً وسوقاً تختلف أبنيتهما جدة وقدماً، وأكثرها قديم. وكان جماعة من الفقراء يزدحمون بباب المسجد؛ فإذا تجاوزت الباب استقبلك بهو واسع
تتوسطه بركة ماء كبيرة، وفى آخر البهو إلى الشمال الضريح، وهى غرفة حسنة الاتساع طفت بها فإذا على حائطها كثير من الشعر المنقوش على رخام قائم فى الحائط. وحاولت أن أقرأ بعض الشعر فوجدته باللغة التركية. وقبل أن أستطيع الإلمام ببقيته تقدم إلينا الشيخ وقال: قد أزفت صلاة العصر فهلما نصلى ثم تتابعان زيارتكما بعد ذلك
ولا أذكر الآن كيف تخلصت من الشيخ ودعوته إلى الصلاة، ولكنى وجدت وقتئذ أننا فى موقف حرج لأنى أجهل ماذا يكون شعوره لو عرف أننا مسيحيان. وأشرت إلى صاحبى أن من الخير أن نغادر المكان على أن نعود فى فرصة أخرى أكثر ملائمة من هذه، فخرجنا. ولم تتح لى فرصة أخرى للعودة
كانت العربة تهبط من الجبل، ونحن نستشرف تارة الحقول المنبسطة، وأخرى دمشق بقبابها اللامعة ومآذنها العالية تتخللها الأشجار الباسقة وتكتنفها الرياض والبساتين، ونستجلى هذا المنتشر فى الأفق الحانى والطبيعة الساهمة والمدينة المنبسطة. وكنت لا أزل تحت تأثير زيارة الضريح أفكر فى الأندلسى الذى طاف البلاد العربية فكان فى كل مكان يحله كأنه بين أهله وإخوانه يتقرب إليه الناس ويجرى عليه الحكام الأرزاق فيوزعها على الفقراء والمعوزين. أليس دينه الحب كما قال فى أبياته التى ذكرها.
وهذا الجمال الذى نشرف عليه ونستجليه فى هذه المناظر الخلابة، أليس من صنع الله، وما دام من صنعه فهل هو قائم فيه حقاً. وهل صحيح ما قاله ابن العربى (سبحان من خلق الأشياء وهو عينها) أو ما نظمه شعراً:
يا خالق الأشياء فى نفسه ... أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهى كونه ... فيك فأنت الضيق الواسع
وذكرت هذه الفلسفة الشمولية التى نادى بها العربى والقائمة على مذهب وحدة الوجود. ولا عجب فقد كنت (مسافراً) على حد تعبير ابن العربى الذى قال إن (السفر) عبارة عن القلب إذا أخذ فى التوجه إلى الحق تعالى. ولا شىء أدعى إلى هذا التوجه مثل التأمل بجمال الطبيعة.
وفهمت وقتئذ كيف شذ ابن العربى لاعن أشياع نظرية واحدة الوجود المادية فتوجه بها إلى عبادة الخالق والشعور بالافتقار إليه تعالى، وهى عبادة الضعيف للقوى والفقير للغنى. وفهمت كيف أنه بالرغم من شعوره الدينى الإسلامى العميق قال بوحدة الأديان لأنها جميعاً تدعو إلى عبادة الواحد المتجلى فى صورهم وصور جميع المعبودات
والحق أننى اليوم وأنا أكتب إليك بين جداران حجرتى أجد من الصعب أن أذكر كل هذه الخواطر التى مرت بذهنى بينما كنت أنحدر من جبل (قاسيون) إلى دمشق.
وبعد فإنى أرجو ألا تجد فى هذه الرسالة صورة كاملة لابن العربى، ولكنها خواطر جالت بفكرى عندما أردت أن أنبهك إلى ضرورة زيارة ضريحه. وأنت تجد أنى لم أحدثك عن حياته وآرائه ومؤلفاته وما قام حول مذهبه من جدل حمل بعضهم على رميه بالكفر وما كان من أثره بين أهل الشرق والغرب وخاصة ما وجده المستشرق الإسبانى (ميجل اسين) من شبه بينه وبين (دانتى) فألف كتاباً قرر فيه أن الشاعر الإيطالى أخذ كثيراً عن المتصوف العربى وتأثر به فى نظم قصيدته الخالدة (الكوميديا الإلهية) أو كما قال البحاثة الإنكليزى (ألفريد جيوم) إن ابن العربى كان من الذين (أخرجوا للناس النماذج المدهشة الأولى للكوميديا الإلهية)
على أننى لا أريد أن أختم رسالتى إليك قبل أن أروى لك قصة ذات دلالة كبيرة على طريقة هؤلاء الصوفيين ومنازعهم الفكرية والتأملية. فقد رووا أن ابن العربى اجتمع بالشهاب السهروردى فأطرق كل واحد منهما ساعة ثم افترقا من غير كلام. فقيل لابن العربى ما تقول فى السهروردى؟ فقال: (مملوء سنة من قرنه إلى قدمه) وقيل للسهروردى ما تقول فى الشيخ محيى الدين؟ فأجاب: (بحر حقائق)
ولعلك تكون يا أخى أكثر توفيقاً منى عند زيارة ضريح ابن العربى وأعمق شعوراً بما يطوف بك من جمال. (الإسكندرية)

