الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 332الرجوع إلى "الثقافة"

حول مراحل التعليم :، ، ، تعقيب

Share

فى العدد الماضى من محلة الثقافة مقال عن مراحل التعليم ومراحل النمو فى نظر علم النفس ، للأستاذ الدكتور عبد العزيز القوصى استدعى نظرنا فيه ماذ كره من أن " أهم ما وصل إليه علم النفس هو التداخل الشديد بين ما يسمونه مراحل النمو المختلفة ، فمن العسير جدا ان نعرف متى تنتهى مرحلة ومتى تبدأ مرحلة أخرى . فعملية النمو عملية تدريجية لا نستطيع أن نميز فيها حدودا فاصلة .  ، ونحن معه فى هذا الرأى الذى أيده بملاحظات طريفة عديدة فى مختلف ميادين الحياة سواء منها ما كان خاصا بالنمو العقلى أو بالنمو فى الحياة النباتية والحيوانية .

لكننا مع الأسف لانتفق معه فى الاستنتاج الذى وصل إليه ، وكان على ما يظهر غرضه الأول من المقال ،ألا وهو أن " من السليم أن يكون هناك للتعليم العام ثلاث مراحل : اثنتان بينهما مرحلة متوسطة . أما المرحلتان فاحداهما قبل العاشرة وأخرى بعد الرابعة عشرة . والمرحلة المتوسطة واقعة بينهما " .

وهذا الرأى ليس بجديد ، فقد نادى به من قبل الأستاذ اسماعيل القبانى العميد السابق لمعهد التربية والمستشار الفنى المساعد لوزارة المعارف حاليا ، وكانت لنا عليه اعتراضات أثبتناها عقب أن ألقى الأستاذ القبابى محاضرته " التى نادى فيها بهذا الرأى ، وما كنا لنعيد الكلام فى هذا الموضوع لولا أننا علمنا أن الوزارة على وشك الأخذ به ، ولعل المقال الذى نحن بصدده كتب بهذه المناسبة . ولما كانت لهذه المسألة خطورة كبرى فى نظرنا فقد رأينا أن نفصل وجهة نظرنا فيها.

ونرجو كل من يهمه أمر التعليم فى هذا البلد ومستقبل النشء ، فيه أن يدلى برأيه أيضا ، حتى نناقش كل هذه

الآراء مناقشة دقيقة قبل أن تبت وزارة المعارف فيها بصورة نهائية ، وتحدث هذا الانقلاب الكبير المرتقب .

وأول ما نلاحظه أننا إذا استطعنا أن نضمن ، من طريق هذا الاقتراح الجديد ، شيئا من التجانس فى الفرق الدراسية التى تضم من هم دون العاشرة ، وذلك فى الفرق الدراسية التى تضم من يتجاوزون سن الرابعة عشرة ، فاننا سنضع مجموعة من التلاميذ ، أبعد ما تكون عن التجانس فى هذه المرحلة المتوسطة التى ستضم بغير شك أفرادا من المرحلة الأولى وكذلك آخرين مقطوع بنسبتهم إلى المرحلة الثانية

ولئن صح أن هناك معايب وأخطارا متصلة بالمرحلتين التعليميتين الحاليتين ( الابتدائية والثانوية ) فان المعايب والأخطار التى ينتظر أن تنشأ فى هذه المرحلة المتوسطة الجديدة أشد وأضر ، وأعمق فى الأثر السيء من تلك المعايب والأخطار ، وستكون مشكلاتها أشد تعقيدا وأصعب فى الحل بسبب أن فرصة التجانس فيها ستكون قليلة جدا .

فالدكتور القوصى والأستاذ القبانى يصوران هذه المرحلة محدودة بالنسبة للسن فيها بين العاشرة والرابعة عشرة . ونحن نرى ان لا مناص ، عند التطبيق العملى ، من أن يكون الحد الأدنى لمن يوجدون فيها هو التاسعة علي الأقل والحد الأقصى هو السادسة عشرة على الأقل ؛ فهذه المرحلة إذا ستحتوى بغير شك على نسبة كبيرة ممن هم دون سن البلوغ ، ونسبة كبيرة أيضا ممن تجارزوا هذه السن بزمن طويل . بينما يرى فى الوقت الحاضر أن الذين يتجاوزون سن البلوغ فى المدارس الابتدائية الأميرية هم نسبة ضئيلة وبينما نجد من هم دون هذه السن فى المدارس الثانوية الأميرية نسبة ضئيلة أيضا .

والآن فلننظر إلى ما سيكون لهذا التقسيم الجديد المقترح من آثار ونتائج أخرى خطيرة :        فأول ما سيحدث هو أن رياض الأطفال ستتحول

كلها كما يقولون إلى مدارس المرحلة الأولى أى الابتدائية ، بمعنى أن يوقف القبول بالسنة الأولى منها فى العام القادم ويعتبر المنقولون من هذه الفرقة فى السنة الاولى الجديدة ، وينقل تلاميذ السنة الثالثة الحالية فى الروضة إلى فرقة أعلى تكون السنة الثالثة على النظام الجديد . وفى العام التالي للقادم تؤخذ دفعة جديدة فى السنة الأولى وتستبقى الدفعة الأخيرة بالمدرسة الحديدة لتكون السنة الرابعة بها أى أن المدرسة الابتدائية ستكون أربع فرق ، وتحوى تلاميذ من سن السادسة إلى سن العاشرة ، نظريا ، أما عمليا فمن سن الخامسة ( بالنسبة لمن دخلوا الروضة فى سن الرابعة ) إلى الثانية عشرة ( بالنسبة لن دخلوها متأخرين أو أعادوا دروس بعض الفرق ) .

وإذا كانت هذه المدارس الجديدة ستحتفظ بجميع معلماتها الحاليات فهل سكيمل العدد اللازم بمعلمات أيضا أو بمعلمين ، فإذا كانت الثانية فمن أين سنأتى بهؤلاء المعلمين ، وهل سيعمم مبدأ اختلاط المعلمين والمعلمات (كالتلاميذ والتلميذات ) فى هذه المرحلة الدراسية ؟ وإذا كانت الأولى فلنا أن ننتظر أن تستنفد هذه المدارس كل ما عندنا من معلمات اعددن خير إعداد لتعليم الصغار من البنين والبنات .

ومعنى هذا الأمر الأخير أننا لن نجد منهن العدد الكافى لانشاء مدارس عديدة للحضانة ، إذ المعقول أن لابد للدولة من أن تهيىء للناس مدارس يعلمون فيها أطفالهم قبل سن السادسة ( ابتداء من الثالثة ) . وهذه المدارس هى التى ستضع البذور الأولى والحجارة الأساسية فى تربية الآمة . وقد اتجهت سائر البلاد إلى الاهمام بها والإكثار منها وإعطائها أكبر قسط من العناية بعد أن ثبت قطعا أثرها البالغ فى تربية النشء . فإذا قيل بأننا فى مصر أن ننشىء مثل هذه المدارس اعتمادا على المدارس الأولية كان ذلك فى نظرنا رجوعا بالتعليم إلى الوراء .

هذا من جهة ومن جهة أخرى مدارس رياض الأطفال الحالية لا تكفى لجميع التلاميذ الذين هم فى أول المرحلة الابتدائية . فلا بد إذا من انشاء مدارس على غرار رياض الأطفال او تحويل بعض المدارس الأولية إلى مدارس ابتدائية وتكون النتيجة الحتمية لذلك من غير شك انتخاب جميع المدرسين الأجواد بالمدارس الأولية وحشدهم فى تلك المدارس المتحولة إلى مدارس ابتدائية . فكأننا فى سبيل خدمة الطبقة التى تنتفع بالتعليم الابتدائى سنزيد الظلم الواقع على الطبقة التى لا تستطيع أن ترسل أولادها لغير المدرسة الأولية ، وذلك بحرمان هذه المدارس من نوابغ المدرسين والمدرسات فيها ، وأثر ذلك فى التعليم الأولى لا يخفى ، وهو تعليم فى نظرنا يحتاج إلى أكبر العناية وأعظم الإصلاح .

هوقد سبق لنا أن نادينا وها محن نكرر الدعوة ، وسنظل نستصرخ أولياء الأمور فى المستقبل ونقول لهم إن الاصلاح الحقيقى للتعليم فى مصر يجب أن يكون أساسه الاهتمام بالمدرسة الأولية دون غيرها ، على أن تكون هى المدرسة الواحدة الصالحة المعدة لتعليم جميع أفراد الشعب وأبناء كل الطبقات تعليما جيدا ، ونحن واثقون أن كل محاولة لاجراء تعديل أو تحويل فى النظام الحالى علي أساس غير توحيد المدرسة الأولية لابد وأن تكون نتيجته إضعاف لهذه المدرسة الأولية وإجحاف بحقوق الطبقات التي لا معدى لها عن إرسال أبنائها وبناتها إليها .

نحن نعلم أن هناك عددا كبيرا من رجال التعليم قد أصبحوا يائسين من التعليم الأولى وداعين إلى توفير الجهود التى تصرف فى إصلاحه وتويبهها اتجاها منتجا آخر كهذا الاتجاه الذى نتحدث عنه فى هذا المقال ، ولكننا نعلم أيضا أن هناك عددا كبيرا ممن يقتصرون للتعليم الأولى ويدعون إلى تقديم وسائل إصلاحه على

غيره لانه التعليم الشعبى الذى هو عماد النهضة القومية وعنوان رقى الآمة .

والآن لا بد وأن يكون فى القراء من يتساءل عن رأيى فى مراحل التعليم ، ولذلك أجمل هذا الرأى فيما يلى : يجب فى نظرى أن تتوحد المدرسة الأولية ويتوحد التعليم بها إلى سن الثانية عشرة ولست أقصد بالتوحيد نوع التعليم ، وإنما توحيده بين الطبقات وإن كان التعليم يصح أن يختلف فى المدن عنه فى الريف . كما يصح بل يجب ان يتنوع فى السنتين الأخيرتين من الدراسة تبعا لاستعدادات الأطفال حتى يكون من المستطاع فى آخر المرحلة أن نرسل كل ذوى المواهب المالية النظرية إلى التعليم الثانوي فالجامعى وان تهىء لذوى الاستعداد العملى مدارس تكميلية ملائمة لهم ، كل ذلك تبعا لظروف الأمكنة والبيئات بحيث يهيأ لكل مجموعة التعليم الملائم لها ، الذى يدعى ما وهبها الله من مميزات ويبرز ما أودع بها من مواهب واستعدادات ، حتى تستغلها الأمة فى المستقبل خير استغلال يؤدى إلى أعظم الانتاج وإلى إسعاد جميع الأفراد .

فالعناية بهذا التعليم الأولى تسبق كل ما عداه فى نظرنا وأما التعليم الثانوى والجامعى بصفة خاصة فلا نزال على رأينا فيه ، وهو أنه يجب إلا يسمح بالدخول فيه ( على نفقة الدولة بنوع خاص ) إلا للذين يستطيعون المضىفيه والاستفادة منه والوصول إلى ارفع درجاته وذروة العلم فيه . فهؤلاء هم الذين يتحتم على الدولة أن تهيىء لهم جميعا فرصا متكافئة سواء فى ذلك غنيهم وفقيرهم ساكن المدن منهم وساكن الريف فاذا ما اتمت الحكوبة تهيئة ذلك كله ( التعلم الأولى الجيد للجميع ) والثانوى والعالى لذوى المواهب والاستعدادات الحسنة فلنتظر فى كفاءتها المالية والعلمية ولتقدم لابناء هذه الأمة من الترف العقلى ما تراء ملائما وما تراها قادرة عليه .

ومن عجيب الصادقات انني قرات ، عقب كتابة ما تقدم ،

فى كتاب لمكسويل جرنت صدر فى سنة ١٩٤٣ وعنوانه " العالم الذى نرمى إلى تكوينه " ما يأتى :

يجب أن نواجه الحقيقة التى تقرر أن المواطنين الصالحين لم يكونوا فى وقت من الأوقات ولن يكونوا فى المستقبل أيضا متشابهين تماما وكما يختلفون فى صفاتهم المودعة فيهم كذلك يجب أن تختلف أعمالهم فى الحياة ، ومن ثم يحتاجون إلى أنواع متباينة من التعليم تهيئهم لوظائفهم المختلفة فى العالم الذى يعيشون فيه .

" فبعد أن نتأكد من أن هناك مدارس حضانة أو فصول منها تكفى لجميع الأطفال الصغار ، الذين بين الثانية والخامسة أو السادسة من العمر ، والذين لا يجدون فى بيوتهم تعليما لمرحلة الحضانة يعادل فى جودته التعليم فى مدارسها ، وبعد أن نهيىء مدارس ابتدائية جيدة ( أو نشجع الهيئات الأخرى الحرة على تهيئتها ) كافية للعدد العظيم من الأطفال الطبيعيين أو الموهوبين الذين تقع أعمارهم بين الخامسة أو السادسة وبين الحادية عشرة أو الثانية عشرة ، والذين لا يتلقون تعليما ابتدائيا فى مدارس خاصة أو علي يد مربين أو مربيات فى بيوتهم - بعد أن تقوم الدولة بكل ذلك فواجبها الثانى هو أن تأخذ فى غربلة تلاميذ المدارس الابتدائية والإختيار من بينهم ، فتضع فى إحدى النهايات أولئك الذين لهم من صفاتهم الموهوبة واستعدادتهم الطبيعية وطموحهم المكتسب وغير ذلك من المميزات ما يؤهلهم فى النهاية إلى متابعة التعليم طول الوقت ، وبيرر اضطلاع الدولة بالأعباء المالية اللازمة لهذا التعليم بدلا عنهم ، إن اقتضى الحال ، لتمكنهم من متابعته إلى أن يصلوا إلى الجامعة ويجتازوا التعليم الجامعي بل ربما يصلون إلى ما بعده ، وتضع فى الطرف الآخر أولئك الذين تجعلهم طبيعتهم ونشأتهم أسعد حظا في الحياة وأعظم نفسا فيها إذا تركوا التعليم المدرسى ، وانصرفوا إلى العمل اليدوى بمجرد أن يصلوا إلى السن القانونية التى تسمح بذلك . "

اشترك في نشرتنا البريدية