الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

دعوة الى النشر والتأليف ...

Share

الثقافة ظاهرة انسانية متصلة بذلك الطبع الذى وصفه ابن خلدون بالمدني . فالثقافة لا توجد الا اذا اجتمع عدد ذو بال من البشر وتم بينهم الاتصال ، فأبان كل واحد منهم ما فى نفسه . ومعنى ذلك ان الثقافة لا تتم الا بالبيان او التعبير الذى يحيى الخواطر ، ويفتق الاذهان وينمى الافكار . وقد يبدأ البيان متصلا بالفطرة وملازما للطبيعة ، فيعتمد على الاصوات ويتفنن فى تجانس الالفاظ ووقعها . فيوجد فى بداية تاريخ الثقافات الشعر وتوجد الخطابة ، وينتشر جيد الشعر وبليغ الخطب ، أول ما ينتشر ، بواسطة النقل الشفوى والرواية . ثم يلجأ الى الخط والكتابة إعانة للذاكرة واحتياطا للنسيان .

الا ان المجتمعات ، اذا بلغت درجة مرموقة من الرقى ، تعمد الى وسيلة جديدة لتحقيق الاتصال بالعدد الاوفى . وتلك الوسيلة هى الكتاب . فالكتاب يمثل فى تاريخ الثقافات طورا جديدا وحلقة مستقلة عن حلقة الرواية والشعر.

وذلك ما شعر به الجاحظ اذ نبه الى ان الكتاب يمثل ادبا مبسوطا في حين ان الشعر المعتمد على الرواية يمثل ادبا مقصورا . ومثل ذلك ان نقول : ان ظهور الكتاب في ثقافة ما شاهد على خروج تلك الثقافة من العزلة والانكماش ، ودليل على طموحها الى مخاطبة الانسانية جمعاء ، والتأثير عليها .

ولذلك كان نمو الثقافة العربية في أواخر القرن الاول للهجرة وفي القرن الثاني ، داعيا الى ازدهار حركة التأليف وكثرة الكتب فكان ذلك الازدهار دليلا على ان الثقافة العربية قد كمل لها ، فى ذلك العصر ، من المادة ومن الاداة ما جعلها تحتل المنزلة العالمية اللائقة بها . وقد عبر الجاحظ ومعاصروه عن ذلك الرقى وعن بلوغ الثقافة العربية الى مكانة عالمية رشحتها لتزعم العلم والمعرفة فى العالم المتمدن . ودعا الجاحظ الى تأليف الكتب للقيام بتلك الرسالة ، وحتى يكون ، على حد قوله ، "سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا ".

واذ لا تخلو الطباع ، وخاصة طباع العرب ، من حنين الى قديم العادات، والى عتيق المآلوف ، والى سنن الاباء والاجداد ، بقيت الافكار متعلقة بالرواية تعتمد عليها فى نقل العلم ، وتأبى ان تعترف للكتاب بدور أسمى من دور المعين للحافظة ودور المساعد للشيخ والاستاذ . فالعلم بقي ، فى الظاهر الشكلى على الاقل ، لا يؤخذ الا بالسماع ، ولا ينقل وينشر الا بالرواية . واحتاج الجاحظ ، ومن رأى رأيه في تقديم الكتاب ، الى الاطناب في بيان فضل الكتب ومزاياها المتعددة بنصوص شهيرة تغنينا الاشارة اليها عن ذكرها .

وفي عصرنا هذا ، تم تقديم الكتاب على الرواية في حفظ العلوم وبث المعرفة وتنكبنا الطرق القديمة وامتلـأت المكاتب العامة بالمطالعين والمتصفحين والدراسين . ولكن ، ان انقضى عهد الرواية ، فحطنا العربى مازال حائلا دون استقلال الكتاب ببث المعرفة ، ومازال يضطر المتعلم الى الاعتماد على معلم والى الاتكال على استاذ . وقد اضاعت المجامع وقتا طويلا فى تقليب هاتة المشكلة دون ان تاتي لها بحل . فلنكتف بالاشارة اليها ولنعد الى ما يهمنا فى هذا الحديث ، وهو ان احترام الكتاب بيننا متحقق والاقتناع بعضهم فائدته منتشر ، الا ان ذلك الاحترام وذلك الاقتناع يحتاجان الى مراجعة . فكأني بهما ما زالا متأثرين بذلك العصر الذى كانت الكتب فيه قليلة ، باهضة الثمن ، سريعة الضياع والتلاشى بصورة لا يمكن تلافيها ، لانها كانت مخطوطة وكانت نسخها قليلة . فموقفنا من الكتب لم يتأثر كل التأثر باكتشاف الطباعة وباستعمالها . وما زال احترامنا للكتب شبيها بالتقديس ومازلنا ننظر الى الكتاب نظرة المتبرك به اكثر من نظرة المنتفع به . وان استعملنا لغة هذا العصر قلنا : ان موقفنا من الكتب لم يصبح موضوعيا وآليا . وهاته النفسية العتيقة العريقة ذات فضل على الكتب اذ حفظتها مدة عصور ، وقد كانت معرضة للاتلاف بسبب الجهل والظلم والرغبة فى طمس آثار الماضى ، وخاصة الاثار الفكرية ، ولكن الكتب لم تبق اليوم فى حاجة الى هذا النوع من المحافظة . فلم يبق داع الى البخل بالكتب المخطوطة وغير المخطوطة على الدارسين والشارحين والناشرين ، بل الداعى الاكيد اليوم الى نشرها . ففائدة الكتاب تتم بان يطبع اكبر عدد ممكن من نسخه وان تتناوله العيون الكثيرة بالنظر والايدي الكثيرة بالتصفح والعقول

المتعددة بالتأمل ، ولذلك كانت الحاجة الى النشر من اوكد الحاجات الثقافية . ويبدو من المفيد جدا ان تتظافر الهمم على الدعوة الى نشر تراثنا التاريخي والادبى اذ بقى اكثره مخطوطا والى تشجيع الباحثين وحثهم على جمع المخطوطات ومقابلتها وتحقيق النصوص تحقيقا خاضعا لشروط النشر العلمى الحديث ، وجعلها متهيئة للطبع ، ثم الى بعث مؤسسات النشر والطباعة او انشاء اخرى لتتولى الناحية المادية والمالية لهذا المشروع . فعلى تحقيقه وانجازه تتوقف معرفة ماضينا ودراسته دراسة جدية معتمدة على الآثار المحققة لا على الخيالات والاوهام

غير ان حاجتنا الى نشر تراثنا ليست آكد من حاجتنا الى كتب جديدة ادبية ، وعلمية ، ومدرسية . فبلادنا ، من هذه الوجهة ، تشكو فراغا يعاني آثاره المتعلم والمعلم ، كما يعانيها بصورة اخرى جمهور المثقفين . وقد يتوهم الملاحظ لذلك الفراغ ان هذه البلاد خالية من المفكرين ومن رجال البحث ، وليس فيها من يخالج نفسه شئ يريد التعبير عنه ، ويمكن ان يثير هذا الفراغ أطماعا تجارية ، وان يكون سببا لظهور مؤلفات ضعيفة القيمة لا تفيد الثقافة في بلادنا تقدما . وان كانت الجمعيات الثقافية لا تقدر على خلق المؤلفين وايجادهم من العدم ، فهى اقدر على تمييز المجيدين منهم والتنوية باعمالهم والاشارة الى آثارهم والتشجيع على طبعها ونشرها . فيجد الجمهور من يهديه والكاتب من يعينه وتتغلب الكتب الجيدة على غيرها .

والحاجة الى التآليف العلمية تذكرنا بما نعانيه فى هذا العصر من ازمة المصطلحات الفنية والعلمية . فالعربية - التى " لا يحيط بها إلا نبى " على حد قول احد فقهائها (وهو ابن فارس) - قد بدت فى هذا العصر قاصرة عن الدلالة على قسم من المخترعات الجديدة والافصاح عن المعانى العلمية الحديثة . ونسبة هذا القصور الى اللغة ضرب من المجاز ، والحقيقة انه قصور الرجال لا قصور اللغة . فان ظهرت اللغة العربية - على اتساع أساليب الاشتقاق ووجوه التوليد فيها - لا تفي بحاجة العلم الحديث ، فما سبب ذلك الا انقطاع النشاط العلمى او ضعفه مدة عصور طويلة بين الامم الناطقة بالضاد . والحل الحقيقى ، اذن ، هو بعث

الحياة العلمية وتنميتها حتى نخرج من دور التلمذة للاجانب الى دور الابتكار . لكن التنبه الى جوهر المعضلة لا يمنع من الاهتمام بنتائجها ، والانتباه الى الحل الناجع لا يصد عن تتبع اسبابه ، والدعوة الى تقوية الحركة العلمية تفرض الاهتمام بآلة التعبير عنها ، وهى اللغة بما تشمل من مصطلحات . وتوضيح سنن العربية في نحت المصطلحات وابراز مناهجها فى تحويل الاوضاع الى مدلول اصطلاحي يكونان جزء لا يتجزأ من واجبات الباحثين في العلوم من جهة والدارسين للغة من جهة اخرى . وقد أسست لتلك الاغراض ، فى كثير من دول الشرق العربى ، مؤسسات ومجامع ، بذلت نصيبا من النشاط وانفقت مقادير من المال . وقد يليق بتونس ان لا تبقى بمعزل عن ذلك النشاط ، وفيها معلمون يحتاجون الى تلك المصطلحات فى دروسهم ، وفيها باحثون بذلوا مجهودات لا تنكر ، فتصفحوا المؤلفات القديمة ، وقابلوا بين أساليب العربية وحاجة العلم الحديث ، وحاولوا التوفيق بينها فى جملة من المقترحات الجديرة بالاعتبار . ولا شك فى ان المصطلحات الحديثة يجب ان تكون متحدة بين جميع الناطقين بالضاد ، متفقا عليها فى العالم العربى كله حتى لا يتعذر التفاهم وتبادل المعلومات بين العلماء ، اذ اللغة فى هذا الميدان آلة وأداة يجب ان لا تقصد لذاتها . فهذا ميدان لا يجوز فيه التعصب لمصطلح بدافع الكبرياء والصلف الفردى او الجماعى .

وكل الميادين التى اشرنا اليها فى هذا الحديث تحتاج ، كما ترون ، الى بحوث طويلة والى نشر للنتائج والأثار والى تبادل المعلومات بيننا وبين الباحثين فى الدنيا وخاصة فى العالم العربى . فجميع وجوه النشاط المذكورة ترتكز حتما على " الاتصال " الذى اعتبرناه فى اول هذا الحديث شرطا اساسيا للثقافة .

اشترك في نشرتنا البريدية