الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 631الرجوع إلى "الثقافة"

رسالة إلى صديق

Share

هل تذكر يا صديقي حين زارك طبيبك الخاص منذ أربعة أشهر ، وشرحت له نوع مرضك ؟ هل تذكر حين شرحت كيف أصبحت عصبى المزاج لا تقوي أعصابك على احتمال شئ ، بل وشرحت له أيضا كيف بدأت تختلق الأسباب لتثور وتصبح في وجوه من حولك . لقد شرحت له كيف أصبحت لا تستعمل إلا ألفاظ الضجر والشكوى في كل مكان وزمان .

لقد نصحك طبيبك الخاص بالراحة من كثرة الإرهاق ، وأشار عليك بالقيام برحلة صغيرة تغير فيها نوع حياتك ، ونصحك بأن تزيد من ساعات نومك ، وتطيل من أوقات راحتك ، وبأن تننسى مناعبك ومشاغلك

ولما أقنعك طبيبك بأقواله هذه ، قمت بالرحلة وأنقصت من ساعات العمل ، وأحست بالراحة تسعى إليك ، وشعرت بالمتعة والبهجة تملأ نفسك ، واعتقدت أنك نلت الهدوء الروحي وحصلت على أسباب السعادة . ولكن شعورك هذا لم يستمر إلا بضعة أيام عاودك بعدها القلق والألم ، فحاولت أن تأخذ إجازة طويلة ، وتخلد إلى الراحة التامة ، وأكثرت من نزهاتك ورحلاتك ، وأخذت تجوب الشواطئ والمزارع ورجعت إلى أهلك رجلاً جديداً يشعر بالبهجة والانشراح ، ولكن لم يستمر هذا أيضاً أكثر من أسبوع آخر ضاقت بعده نفسك بالحياة ، وبدأت تستأنف هياجك وثورتك . وأخذت تستعيد قلقك ومتاعبك .

وهكذا عجز طبك مرة اخرى عن جلب الهدو ، لروحك ولم ينجح في أن يمدك بالراحة النفسية التي تبحث عنها ، وهكذا بدأت تبحث عن طبيب آخر يمدك بعلاج آخر .

وهنا يا صديقي من هؤلاء ، الأطباء الذين تبحث عنهم ، إنه لا يوجد في هذا العالم طبيب يستطيع أن يشفيك من هذا المرض الخبيث غير نفسك ، فلتجعل من نفسك طبيك الخامس ، ولتحاول أن تفهم نفسك فهما صحيحاً .

حاول أن تفهم جيداً لماذا نثور ، واسأل نفسك دائماً :

" ما هو السبب الحقيقي لثورتي ؟ " حاول أن تفكر كثيراً وتبحث عن أصل غضبك ، لا تكتف بما هو ظاهر ، فإن في الأغلب أن تكون الأسباب بعيدة كل البعد عما هو ظاهر لك وعما تعتقده السبب الأساسي . لا تتطل بكثرة اهمالك أو رقة أعصابك ، أو بفساد معدتك ، أو بشدة الجو وازدياد رطوبته ، حاول أن تدخل في أعماق نفسك ، وتسترجع الماضي الطويل بآلامه وأفراحه لتعلم كيف نشأ أصل هذا الداء الخبيث .

إن علاجك الوحيد يا صديقي هو أن تعلم أنك لا تستطيع الهرب من المتاعب ، لسبب واحد ، هو أنك لا تستطيع الهرب من نفسك .

لقد نصحك البعض بأن تشترك في بعض الألعاب المسلية ، أو في بعض الحفلات اللطيفة ، أو قراءة كتاب خفيف . كل هذا تستطيع أن تقوم به في سهولة ويسر ، وكل سيساعدك بعض الوقت في نسيان غضبك وثورتك ، ولكن ليس هذا إلا علاجاً مؤقتاً ، وسرعان ما ترجع حالتك كما كانت من قبل .

إنك لا تريد إلا الهرب ، تريد الهرب من كل شئ . . تريد الهرب من نفسك ولا تدري إلي أبن . هذا هو سر شقائك وآلامك .

إن كان لي أنصحك فنصيحتي هي أن تترك نفسك لتتألم لا تخف من الالم ، فالخوف هو العدو اللدود لفسك . إن الخوف من مواجهة الألم معناه الهرب من الحقيقة ، فإن بعض الألم يغسلك وبنقي نفسك ، ويرشدك إلى طريق السعادة .

إن كان لي أن أنصحك فنصيحتي هي أن تواجه ألمك وتفكر فيه بشجاعة وقوة ، ستجد صعوبة في باديء الأمر ، ولكنك ستفهم من نفسك كل شئ وستعرف مطالبك الحقيقية . ستصبح قوياً شجاعاً ، وستتلاشى في النهاية متاعبك في الحياة .

لا شئ غير نفسك يصحبك ليل نهار ، ولن تستطيع ان تطرد نفسك من نفسك ، فلتفوها لتمدك بالسعادة التي تطلبها ، ولتجعلها رحبة غنية حتى تطيب لك السكنى داخلها .

إذا بحثت عن السعادة فابحث أولاً عن القوة . تلك القوة التى تستطيع بها ان تحتفظ بما تحصل عليه من سعادة . وأن تبعد كل ما يأتي إليك من شقاء .

ولا أقصد بالقوة تلك التي تأتينا من الخارج ، عن طريق الثروة والمال ، أو عن طريق النفوذ والسلطان ؛ فالقوة التي تأتينا من الخارج ليست ملكنا ، وكل فوز يأتي عن طريقها هو فوز مؤقت يزول بزوالها ، وإنما القوة التي أقصدها هي القوة المستمدة من داخل النفس . القوة التي لا تأتي وتذهب ، ولا تعلو وتهبط ، وإنما هى قوة ثابتة تمد النفس دائماً بالسعادة المستمرة والسلام الأبدي .

إن طمأنينة النفس وهدوءها لا يتأتيان إلا إذا قام المرء يعمل نافع للمجتمع ، أو أدى خدمة للغير أثناء الحوض في معمعة الحياة ، وسعادة الإنسان وإمكانه إدراك كفه نفسه لن يتأتيا بغير تضحية النفس في سبيل الغير .

أحب الناس وعش لهم شاركهم في مسراتهم وأحزانهم . وأعمل دائما لتوفير الحياة السعيدة لهم ، واشترك معهم فى لهوهم وألامهم . لا تنسحب من الجماعة ، ولا تنعزل بين كتبك ، أو مع أمثالك من التطوين ، بل أكثر من زيارة أصدقائك ومن التعرف بهم ، وتقبل المسئولية بصدر رحب ، ولا تحاول التقليل من شأن الغير وتجمعه حقه . ولا تبحث من عيوب أصدقائك وأخطائهم . ولكن تغاض عن هفوات الغير وتقبلها قبولاً حسناً .

اشترك في نشرتنا البريدية