ما انفك العرب يفدون من المشرق على افريقية في الربع الاخير للقرن الاول الى منتصف القرن الثاني لتأييد سلطانهم وقمع ثورات البربر الخارجين عليهم فى مملكتهم الجديدة . فما كان يستقر الامن بها ويثبت الا بعد ما تسلمت الدولة الاغلبية مقاليد الحكم للبلاد بعهد من الرشيد العباسى - اوائل القرن الثالث - وانما كان قدوم هؤلاء العرب مع الجنود المرسلة من طرف بني أمية ويسمون المبيضة - ومن لدن بنى العباس بعدهم ويسمون المسودة - ولقد كان من بينهم أجناد من اهل الشام واهل خراسان من غير جزيرة العرب ، عرب الجزيرة .
فكانوا لاول وصولهم القيروان - عاصمة البلاد - وبعد الاطمئنان بها قليلا يعين لهم الوالي - الاموى او العباسى - إما الاقامة في العاصمة او الالتحاق باحد المعاقل العسكرية المنصوبة فى بلاد افريقية مثل : تونس ، وسطفورة ، وباجة ، والاربس ، وسبية ، وقسطيلية وغيرها . او فى المراكز الحربية البعيدة - وهى المسالح - الواقعة فى بلاد الزاب وما اليها ، مثل : طبنة ، وبغاي . وبلزمة ، وبسكرة ، فيلتحق افراد الجند بها لحمايتها ويقيمون بها الى ان يستدعيهم الامير للمشاركة في الحرب او لقمع ثورة .
وفي مدة اقامتهم بالمركز المعين كان البعض منهم يشتغل بفلح الارض وقد منحتهم الحكومة المحلية اقطاعات من الارضين ذات الخصب ، على غرار ما كان يفعله الرومان مع جنودهم حينما كان لهم ملك البلاد .
وفي غالب الاوقات كان يرسل بالجنود القادمين الى ثغر من الثغور الحربية التى سبق ان عسكر به أناس من قبيلهم وعشيرتهم وذلك لاستئناسهم بالبلاد وتمكينهم من الاطلاع على احوالها وعوائدها والتعرف لاخلاق اهلها ،
ومن بين هؤلاء الاجناد الوافدين كان يوجد شجعان معدودون وفرسان
معروفون بالنجة والفصاحة ممن شهدوا وقائع المشرق وحضروا مقاتل مشهورة فلما قدموا على افريقية وشاركوا فى حروبها ومواقعها كانت تتحمس نفوسهم وتجيش قرائحهم بقطع من الشعر لهذه المناسبات ، فيقولون المقاطيع الحماسية والاراجيز الفخرية بما يناسب مواقفهم ونزالهم ، وقديما قال القاضي احمد بن أبى دؤاد : " كل عربى يقدر على قول الشعر " .
ثم انهم اذا ما وضعت الحرب اوزارها وعادوا الى معسكراتهم الاولى واجتمعوا بمواطنيهم وبابناء مسلمة البربر معا سامروهم باخبار الجاهلية والاسلام مما لقنوه فى المشرق ، ورووا لهم ما يحفظون من الاشعار في ايام العرب ووقائعهم المروية .
وهكذا تسرب الى أبناء افريقية المستعربة معرفة اخبار العرب وآدابهم فى جاهليتهم واسلامهم .
الله ثقة حبيب البلوى
فص خاتم لاحد التابعين الفاتحين لافريقية (اوائل القرن الثاني ه) مرسوم عليه : الله ثقة ، حبيب البلوى (مجموعة المؤلف)
وها تذكر لك اسماء طائفة صالحة من اولئك الفرسان الشجعان الوافدين ، ونورد نتفا من حياتهم ، ونسوق قطعا من اقوالهم فى مصافهم ونزالهم ، وهى قطع أعيى البحث عن جمعها لقلة ما وصل الينا منها . وانما عمدنا الى ايراد شئ من تراجم هؤلاء الفرسان الادباء قاصدين أن يقف القارىء على بعض تفاصيل الفتح العربى وأخبار مشاهير القائمين به .
فمن رواة الادب : (١) سليمان بن حميد الغافقى ، أبو داؤد : من وجوه جند بني امية القادمين على افريقية فى خلافة هشام بن عبد الملك دخل سليمان واخوه محمد - وهو اكبر منه - فى جملة من قومهم بني غافق ، منهم عبد الرحمن بن عبد لله الغافقي الذى ارسله أمير القيروان واليا على الاندلس - سنة ١١٣ ه - فغزا بلاد " فرنجة " واستشهد مع جماعة من عسكره سنة ١١٤ ه ( ٧٣٢ م) فى وقعة بلاط الشهداء (بواتبى) المشهورة . وتعين محمد بن حميد عاملا على (الاربس) وناحيتها ، فاستقر بها مع اهله ،
وكانت الاربس وقتئذ من اهم المعاقل الحربية للعرب في الناحية الغربية من افريقية . اذ كانت واقعة على تخوم جبال اوراس العامرة بالبربر من كتامة وجراوة وغيرهم .
وقد يدرك الباحث عن تاريخ المغرب شدة ما لا قاه اولئك الاجناد من ثورة عصابات البربر القائمين فى ذلك العصر بدعوى الخوارج فى وجه سلطان العرب ، وكان الاخوان محمد وسليمان ممن ابلى فيها البلاء الشديد ، وقد استعان بهما امراء القيروان فى مكافحة الواثبين عليهم فى مواقف مشهورة ورد ذكرها تفصيلا في اخبار الفتح .
عرف الحافظ ابن الوكيل القيروانى بسليمان هذا ، وبعد ان ذكر شجاعته وبأسه قال فى حقه :
"فارس العرب قاطبة بالغرب فى عصره ، وأحسن الناس لسانا وأبلغهم ، الى معرفة بأيام العرب واخبارها ورواية لوقائعها واشعارها ، مع دعابة كانت فيه وعبث لا يدعه ، حملت عنه فى ذلك نوادر مستتظرفة وحكابات مستملحة " (١) ولم يذكر لنا منها شيئا ، الا انه اورد لنا من كلامه قطعة من قصيدة قالها فى احد مواقفه مع بعض ثوار البربر :
وما ان صددنا عنهم خوف بأسهم وحاشا لنا ان نتقى بآس بربرا
وانا اذا ما الحرب اسعر نارها لتلقي المنايا دارعين وحسرا
ونغدو بصير حين تشتجر القنا فليست ترى منا على الموت أصبرا
ولكن أردنا ذل قوم تطاولوا علينا وأبدوا نخوة وتكبرا
صنج زجاج مضروب بالقيروان فى سنة ١٢٤ ه مرسوم عليه : " بسم الله مما أمر به الامير حنظلة ابن صفوان مثقال درهم واف " (مجموعة المؤلف)
بسم الله مما أمر به الامير حنظلة ابن صفوان مثقال درهم واف
وانتقل بنو غافق من الاربس الى سكنى قسطيلية - بلاد الجريد - فاستقروا بها ، ومات سليمان حوالى سنة ١٦٠ ه (٧٧٥ م) في ولاية يزيد بن حاتم المهلبي .
٢) ومنهم : الحكم بن ثابت السعدى ، من ولد سلامة بن جندل الشاعر المشهور دخل الحكم افريقية - سنة ١٤٤ ه (٧٦١ م ) مع الجيش العباسي الذي ارسله الخليفة ابو جعفر المنصور بقيادة محمد بن الاشعث الخزاعى في اربعين الف مقاتل عليهم ثمانية وعشرون قائدا ، أحدهم الحكم بن ثابت هذا ، وقد حضر جميع حروب ابن الاشعث للبربر الثائرين حتى اوقع بهم وخضد شوكتهم ، وضبط البلاد واعمالها ، وسكن الحكم بعد ذلك القيروان واتخذ بها دارا واقام الى ان تعين الاغلب بن سالم التميمي خلفا لابن الاشعث بعهد من المنصور سنه ١٤٨ ه - فالتحق الحكم بخدمته وصار من قواد جيشه فشهد معه حروب الثوار من البربر الى ان استشهد الاغلب فى فحص القيروان سنة ١٥٠ ه (٧٦٧م ) فقال الحكم السعدى يرثيه :
لقد أفسد الموت الحياة بأغلب غداة غدا للموت فى الحرب معلما
تبدت له أم المنايا فأقصدت فان كان يلقى الموت في الحرب صمما
أخا غزوات ما تزال جياده تصبح عنه غارة حيث يمما
أتته المنايا فى القنا فاختر منه وغادرنه في ملتقى الخيل مسلما
وكان الحكم من الشعراء البلغاء ورواة الادب المعروفين ، ورث ذلك عن حده سلامة بن جندل وسائر آل بيته ، وقد روى عنه أبناءا افريقية كثيرا من اشعار الجاهلية والمخضرمين (١)
ومن الفرسان الشجعان الوافدين : ٣) المعمر بن سنان التيمي ، تيم الرباب قدم فى صحبة الامير يزيد بن حاتم المهليى حينما تولى امارة افريقية سنة ١٥٤ ه (٧٧٠ م ) قال ابن الوكيل : " وكان زميله فى طريقه اذا ركب عماريته لانسه به واستماعه من حديثه ،
وكان المعمر من اعلم الناس بأيام العرب وأخبارها ووقائعها واشعارها ، وعنه أخذ أهل افريقية حرب غطفان وغيرها من وقائع العرب "
واستوطن المعمر القيروان وصاحب الامراء من بنى المهلب وكان عمدة لديهم ، يستشيرونه في المهمات والملمات الى ان توفى فى مدة الفضل بن روح بن حاتم المهلبى (حدود سنة ١٧٧ ه ٧٩٣ م )
وترك المعمر ابنا وهو عامر اشتهر كأبيه بالنجدة وإصابة الرأى والمعرفة بالادب الطريف ، وتولى عامر عمالة قسطيلية بلاد الجريد - واقام بها الى ان قدم محمد بن مقاتل العكى واليا على افريقية من قبل الرشيد سنة ١٨١ ه - ولما وقعت الحرب بين محمد العكى هذا وبين تمام بن تميم وقام ابراهيم بن الاغلب بنصرة العكى ، قال عامر .
ادا كرية شدت خناق محمد فليس لها الا ابن اغلب فارج
أتاه بتمام على بأسه به يقاد وقد ضاقت عليه المخارج
وقد كان بالاسراف القى سواده (١) ولم تختلجه في الخلاف الخوالج
فعاجله بالكيد حتى استعاده وأدركه من بعد ما قيل خارج
ولو أنه يستودع الشمس نفسه اذا ولجت منه عليه الولائج
فلما صرف محمد العكى عن امارة افريقية وتولاها بعده ابراهيم بن الاغلب رعى لعامر مناصرته له ومدحه فيه ، وقد اختاره لشرطته فباشر عامر هذه الخطة النبيلة ولزمها الى ان توفى .
ومن شعر عامر ما قاله في ابراهيم بن الاغلب عقب انتصاره على خريش الكندى - أحد قواد الجند - وقد ثار بتونس سنة ١٨٦ ه (٨٠١ م )
لولا دفاعك يا ابن اغلب اصبحت ارض الغروب رهينة لفساد
ولعمنا ذاك الخلاف بفتنة تغدو كتائبها بغير سواد
قالوا غداة لقائهم لا نتثني حتى نحل الخلد من بغداد (٢)
فمنوا بأشرس ما تزال حياده تشكو الوجى من غارة وطراد
فخرت به سعد فأصبح بيتها فوق الفراقد ثابت الاوتاد
ومن ولد عامر هذا :
( ٤ ) حمزة بن أحمد بن عامر بن المعمر المتقدم كان ايضا اديبا ظريفا عاش على عهد الامراء الاغلبة ومات فى منتصف القرن الثالث . وبهذا الشاعر تنقطع عنا اخبار هذا البيت العربى الصميم الذي كانت له يد محمودة فى بث الثقافة الادبية فى البيئات الافريقية الاولى .
ومنهم : (٥) الحسن بن منصور المذحجي ، ابو علي من بيت قيادة وامارة ، وكان جد أبيه : عبد الرحمن بن عامر ، وابن عمه : عامر بن اسماعيل بن عامر ، ممن قدم مع محمد بن الاشعث من قواد العاسية ، وعامر بن اسماعيل هذا هو الذى قتل مروان الجعدي آخر خلفاء بنى امية ، ولاجل ذلك كان مقدما عند ابى العباس السفاح ومن بعده من بنى العباس . أما الحسن بن منصور فانه كان يجمع الى شرف آبائه وأهل بيته علما واسعا وادبا غزيرا ، قال ابن الوكيل :
" وأقل ما تصرف فيه الشعر ، وكان بصيرا باللغة نافذا في النحو ، عالما بايام العرب واخبارها ووقائعها واشعارها "
وهو القائل يرثى ابن عم له يكنى أبا الفضل من قصيدة طويلة ، اولها :
جل امر لم يغن فيه احتيال يقصر الوصف دونه والمقال
كان من قبله البكاء حراما وهو من بعد للعيون حلال
ومنها :
يا أبا الفضل حملتني المنايا منك ما لا تقوى عليه الجمال
وبأني لما تضمنك اللحد يمين قد فارقتها الشمال
وعاش الحسن الى ايام زيادة الله بن الاغلب ومات بالقيروان اوائل القرن الثالث وقد لقن عنه كثير من الشباب الافريقي الآداب العربية حسبما يشير اليه مؤلفو التراجم
وهناك طائفة اخرى من الادباء قدمت افريقية على غير طريق الجند ، وهم العلماء ، والنحاة ، والادباء الذين كانوا يردون من المشرق لاستجداء الامراء
والولاة وذلك قبل ان تنتشر الثقافة العربية فى البلاد وقبل ان تقوى رحلة ابنائها الى مصر والشام والعراق فى طلب العلم .
واول من اشتهر باستصحاب الادباء والنحاة واللغويين : الامير يزيد بن حاتم المهلبى الطائر الصيت ، وقد اولاه هارون الرشيد امر افريقية والمغرب - من سنة ١٥٥ الى سنة ١٧٠ ه بعد ان كان واليا على مصر
قال ابن خلكان : " كان يزيد جوادا سريا مقصودا ممدوحا ، قصده جماعة من الشعراء والعلماء فأحسن جوائزهم " (١)
فقد قصدته مدة امارته طائفة ليست بالقليلة ممن ينتسب الى العلم والادب فأكرم مثواهم واحزل عطاءهم . فمنهم من عاد بعد ذلك الى وطنه بالمشرق ، ومنهم من استوطن افريقية واعقب بها حسبما نذكره بعد .
فمن مشاهير الشعراء الوافدين : ١ ) ربيعة بن ثابت الرقى الاسدي ، أبو أسامة من ادباء الدولة العباسية المعدودين وممن احتج الأصمعى بشعره ، وكانت له وصلة أكيدة بالامير يزيد بن حاتم يفد عليه فى ولاياته العديدة ويمدحه ، فلما تولى يزيد امارة افريقية قصده ربيعة وانشده ابياته السائرة على ما روى المبرد في كتابه الكامل( ٢)
حلفت يمينا غير دى مثنوية يمين امرئ آلى بها غير آثم
لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والاغر بن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى أخو الازد للاموال غير مسالم
فهم الفتى الازدى اتلاف ماله وهم الفتى القيسى جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أنى هجوته ولكننى فضلت اهل المكارم
فيا أيها الساعى الذي ليس مدركا بمسعاته سعى البحور الخضارم
سعيت ولم تدرك نوال ابن حاتم لفك اسير واحتمال العظائم
كفاك بناء المكرمات ابن حاتم وتمت وما الازدي عنها بنائم
فيا ابن أسيد لا تسام ابن حاتم فتقرع ان ساميته سن نادم
هو البحر ان كلفت نفسك خوضه تهاكت في آذيه المتلاطم
تمنيت مجدا في سليم سفاهة أمانى خال او أمالي حالم
الا انما آل المهلب غرة وفي الحرب قادات لكم بالخزائم
هم الانف في الخرطوم والناس بعدهم مناسم والخرطوم فوق المناسم
قضيت لكم آل المهلب بالعلا وفضلكم حق على كل حاكم
لكم شيم ليست لخلق سواكم سماح وصدق البأس عند الملاحم
مهينون للاموال فيما ينوبكم منا عيش دفاعون عن كل حارم
ومنها :
أبا خالد أنت المنوه باسمه اذا نزلت بالناس احدى العظائم
كفيت بني العباس عظيمة وكنت عن الاسلام خير مزاحم
ويقال أن ربيعة الرقي كان مدحه قبل هذه القصيدة واستبطا بر يزيد وصلته ، فقال :
أراني ولا كفران لله راجعا يخفي حنين من نوال ابن حاتم
.
فلما بلغ قوله يزيدا دعا به وقال لخدمه : انزعوا خفيه ! فنزعا - وربيعة خائف من العقوبة على قوله : خفي حنين ، فملاهما له دراهم ودنانير وكانا كبير بن كخفاف الجند ، ثم وصله بعد ذلك بصلات جزيلة .
وبعد أن اقام ربيعة مدة طويلة بالقيروان مكرما في ضيافة الامير عاد الى العراق حيث توفى .
ومن الوافدين على افريقية : ٢ ) المسهر التميمي الشاعر . قال ابو سعيد السمعانى ، ونقل عنه ابن خلكان : (١) ان المسهر التميمي وفد على يزيد بن حاتم بافريقية فانشده :
اليك قصرنا النصف من صولتنا مسيرة شهر ثم شهر نواصله
فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا لديك ولكن اهنا البر عاجله
فأمر يزيد بوضع العطاء في جنده جميعه - وكان معه خمسون ألف مرتزق - وقال : " من احب ان يسرنى فليضع لزائري هذا من عطاياه درهمين" . فاجتمع له مائة الف درهم ، وضم يزيد الى ذلك مائة الف اخرى ودفعهما اليه .
واقام المسهر مدة طويلة بالقيروان ، ويحتمل انه لم يفارقها بعد ، فقد عاش زمانا فى حاشية يزيد وأهل بيته من بعده ،
روى الاصمعى (١) : ان يزيد لما كان بافريقية جاءه البشير يخبره انه ولد له مولود بالبصرة ، فقال يزيد : سميته المغيرة ، وكان عنده المسهر التميمي ، فقال : " بارك الله لك ايها الامير فيه وبارك له فى بنية كما بارك لجده في ابيه "
ومنهم :
٣ ) ابن المولى . واسمه : محمد بن عبد الله بن مسلم مولى بنى عمرو بن عوف من الانصار ، شاعر أموى عفيف ، كبرت به السن حتى لحق الدولة العباسية . وفد على يزيد بن حاتم حينما كان واليا على مصر ومدحه بقوله : (٢)
يا واحد العرب الذي أضحى وليس له نظير
لو كان مثلك آخر ما كان في الدنيا فقير
وقدم ابن المولى على يزيد ايضا وهو والي على افريقية حكى يموت بن المزرع قال : قال لى الاصمعى يوما وقد جئته مسلما عليه الى ان ذكر شعر الشعراء المداحين المحسنين من المولدين فقال لي : يا ابا عثمان ، ابن المولى من المحسنين المداحين ، ولقد اسهرنى في ليلتى هذه حسن مديحه ليزيد بن حاتم حيث يقول : (٣)
وادا تباع كريمة او تشترى فسواك بائعها وانت المشتري
وادا تخيل من سحابك لامع سبقت مخائله يد المستمطر
وادا صنعت صنيعة اتممتها بيدين ليس نداهما بمكدر
وادا الفوارس عددت ابطالها عدوك في ابطالهم بالخنصر
النحاة واللغويون يناسب ان نلمح فى هذا الباب الى العلماء - من نحاة ولغويين - وهم النازحون
الى افريقية فى مدة الامراء من آل المهلب يعنى فى النصف الاخير من القرن الثاني ، فمنهم :
١ ) يؤنس النحوي ، وهو يونس بن حبيب الضبي : أبو عبد الرحمن من ابناء البصرة وكبار أئمة اللغة والنحو المنسوبين اليها ، ومن اصحاب ابى عمرو بن علاء وغيره ، قال السيرافى (١) : " سمع كثيرا من العرب كما سمع من قبله وقد سمع منه الكسائي والفراء ومن فى طبقتهما ، وروى عنه سيبويه واكثر بالنقل عنه ، وكانت له حلقة بالبصرة ينتابها اهل العلم وطلاب الادب وفصحاء الاعراب والبادية " وكان ليونس اتصال كبير بآل المهلب في البصرة وله اختصاص زائد بيزيد ابن حاتم ، فلما تولى امارة افريقية وفد عليه فيمن وفد ، وليس من شك أن طلبة العلم بالقيروان اغتنموا اقامة هذا الامام بين ظهرانيهم للاستفادة من غزير علمه وواسع روايته .
وقد غفل الاخباريون عن اعلامنا بأسماء الآخذين عنه من أبناء البلاد ، وليس من شك ايضا ان الامير يزيد كان يود ان يتولى ضيفه العلامة تلقين الناشئة من اهل العاصمة لباب اللغة والآداب ، ولا ننسى ان يزيد وجه عناية خاصة لتحضير مدينة القيروان فانه اول من دون بها الدواوين الحكومية على غرار ما كان موجودا بدار الخلافة ببغداد . وانه اول من انشأ الاسواق التجارية والصناعية ووضع لها التراتيب التى صارت عليها مدة حياتها وفوق ذلك فهو الذى جدد بناء جامعها الكبير مسجد عقبة بن نافع وكساه حلة جديدة من الزخرف كما هو مبسوط في التاريخ ، فليس من شك انه سعى فى تنظيم حلق الدراسة فيما ، واي فرصة اثمن عنده من توسيد الامر لمثل هذا النحوى البصري الذى طبقت شهرته بلاد الاسلام للاقراء ونشر محاسن الآداب ، لا سيما وان ابناء العرب من الصحابة والتابعين واعيال الاجناد كانوا متوفرين اذ ذاك فى افريقية مثال ما كان فى مدائن الشرق الكبرى ، ومنها البصرة مسقط رأس الامير يزيد ويونس .
وفى اعتقادنا ان تلقين يونس لطلبة العلم بالقيروان وقع بالفعل ، ولا ريب ان اقامة مثل هذا الامام فى وسط الجبل الافريقي الاول كان له الاثر الكبير فى نفوس الشباب وترغيبهم فى التزود من الآداب العربية والاقبال على دراستها . وعاد يونس بعد ذلك الى البصرة حيث مات ما بين سنتى ١٨٢ و ١٨٥ ه (٢)
ومن النحاة واللغويين الوافدين : ٢ ) قتيبة الجعفي النحوي - من اعلام نحاة الكوفة ومن كبار اصحاب الكسائي " كان عالما بالحديث واللغة والشعر والنسب وايام الناس " وعاصر ابا زكرياء الفراء ، واتصل بالمهدى الخليفة العباسى في بغداد ، وله حكايات مروية مع كتاب الدواوين بها .
وقدم قتيبة على الامير يزيد بن حاتم بالقيروان ، وعنه أخذ جماعة من ابناء البلاد ورووا عنه الشعر ووقائع العرب .
حكى التيفاشي ، فيما نقل عنه ابن منظور (١) ، قال : " دخل عبد الله بن غانم قاضى افريقية على اميرها يزيد بن حاتم فجرى بينهما كلام ذكر فيه هلال رمضان ، فقال ابن غانم : أهللنا هلال رمضان فتشاير ناه بالايدى ، فقال يزيد : لحنت يا ابن غانم انما هو تشاورناه ، فقال ابن غانم : تشاورنا من الشورى ، وتشايرنا من الاشارة بالايدى ، قال يريد : ما هو كذلك ، قال القاضي : يبني وببنك قتيلة النحوى - وكان اذ ذاك قدم على يزيد ، وهو امام الكوفة ، فبعث اليه ، وكان فى قتيبة غفلة ، فقال له يزيد : اذا رايت الهلال واشرت اليه وأشار غيرك اليه كيف تقول ؟ قال : أقول ربى وربك الله ، فقال يزيد : ليس هذا اردنا فقال ابن غانم : دعنى أفهمه من طريق النحو ، قال يزيد : فلا تلفنه اذن - فقال له ابن غانم : اذا أشرت واشار غيرك وقلت تفاعلنا فى الاشارة اليه كيف تقول ؟ قال : تشايرنا ، وأنشد لكثير عزة :
وقلت وفي الاحشاء داء مخامر ألا حبذا يا عز ذاك التشاير
فقال يزيد : فاين انت - يا قتية من التشاور ؟ فقال : هيهات أيها الامير ، ليس هذا من علمك ، هذا من الاشارة وذاك من التشاور .
فضحك يزيد وعرف جفاء قتيبة واستحيى من ابن غانم وبعد ان اقام قتيبة مدة طويلة فى ضيافة يزيد افاد فيها ونفع رجع الى المشرق حيث توفى عن سن عالية (٢) .
ومن الوافدين على القيروان في القرن الثاني " ابو المنيع النحوي " ولم تتوصل بعد الى تعيين شخصه لايراد شئ من خبره .

