يجتاز العالم الآن مرحلة انتقال بالغة الخطورة ، وقد وضع كل شئ موضع البحث والاختبار ، وما من ميدان من ميادين الحياة الإنسانية سلم من الفوضى والاضطراب والتغيير والتبديل ؛ ففي ميدان العلم والصناعة تتلاحق البحوث والاختراعات التي غيرت كثيرا من أسس الحياة المادية ، وفي ميدان الحياة الاجتماعية جرب الإنسان وما زال يجرب كثيرا من النظم وأشكال الحكم ، وفي ميدان الفكر كثرت مدارس الفلسفة وتعددت الآراء في الإنسان وعلة وجوده ، والحياة والغاية منها ، وترتب على ذلك أن فقدت المعتقدات والأراء والقيم التى كانت موضع الاحترام والتقديس منذ عشرات القرون كثيرا من هيبتها وسلطانها على النفوس .
وقد تجلت هذه الفوضى على أتمها وأكملها في الإنتاج الفني لهذا العصر الذي نعيش فيه ، وكان الفن هدفا لحملات طائشة ظالة وميدانا لمحاولات فاشلة خاطئة أفقدته كثيرا من قيمته وجلاله ؛ فمن قائل إن الفن ليس إلا هربا من مواجهة الحياة ومسئولياتهما ، إلى قائل إن الفن هو الغريزة الجنسية تنكرت وتزيفت وسارت بين الناس في غير أثوابها الحقيقية ، وما من طائل وراءه إلا التنفيس عن الشهوات المكبونة ، إلى قائل إنه نوع من اللعب . وهب بعض الساسة داعين إلى أن يسير الفن في ركاب الدعوة السياسية يروج لمبادئها ويشرح غاياتها .
وكانت النتيجة أن تدهور الفن وتسربت إليه عناصر كثيرة لا تمت إليه بسبب ، وحار النقاد والجمهور في تمييز الفن الحقيقي من الفن الزائف ، ووقفوا من سبل الإنتاج الفني الحديث موقف الحائر المرتبك : أيرضى أم يسخط ،
يقبل أم يرفض ، ويسأل نفسه : ما هو أثر الفن فى الفرد والمجتمع ؟ .
وقد يبدو مما قدمنا أن الإجابة على هذا السؤال عسيرة كل العسر ، لا سبيل إليها والحال كما صورنا ولكن هناك تراثا فنيا ضخما خلفته لنا القرون الطويلة التي اجتازها الانسان منذ عرف الحضارة إلى الآن . وقد سلم الزمن لهذا التراث بالبقاء ، وحكم له بالخلود ، وحكم الزمن أعدل وأكثر حكمة وسدادا من حكم الانسان . وإذا تأملنا مثلا ما تركه لنا هومر وفدياس ولورناردو دافنشى وشكسبير وجوته وبيتهوفن ، وجدنا أن الانسانية لم تجز لنفسها أن تستغني عن هذه الأعمال في عصر من العصور ، ومعنى ذلك أنها تسد حاجة رئيسية أولية في كيان الإنسان . وإذا درسنا هذه الأعمال وأثرها في الانسان خلصنا إلى النتائج الآتية :
ابتدع الانسان الفن في مختلف صوره وألوانه بدافع لا شعوري من طبيعته ، وظل مداوما على إنتاجه منذ العصور البدائية حتى الآن ، ومعنى هذا أن الحافز الفني عنصر أصيل في طبيعة الانسان زودته به الحياة كما زودته بالفكر والغرائز ، والانسان يتجه إلى الفن من تلقاء ذاته متى خلص من شواغل الحياة المادية ؛ فالفن إشباع لملكة نفسية لو أهملناها وتركناها معطلة لظلت حياة الانسان كالقيتارة الناقصة الآوتار لا تؤدي لحنا على وجه كامل . وعندما يدخل الفن حياة الانسان ويتيح له أن يحيا حياة أكثر قوة وامتلاه ونضجا من الحياة المادية الساذجة ، يعاونه على أن يعرف نفسه ويكتشف ملكاته الراقدة ويزيده معرفة بالدنيا التي وجد فيها وما نتيحه له من متع وفرص للحياة ؛ ومتى فهم الانسان ذلك وقدره حق قدره عز عليه أن يفقده أو يهمل في شأنه ، فيعمل على تكييف ظروف حياته الخارجية والنفسية تكييفا يعطى هذه العناصر الجديدة فسحة للحياة ، ويأبى أن يبقى رهنا لمشيئة
الأهواء والظروف ، بل يصر على الاحتفاظ بقواه المعنوية ككائن بشري يطمح إلى حياة أكمل وأجمل من حياة الواقع .
والفن ذلك هو التعبير الملح عن حاجتنا إلي الحرية ، لأن الانسان يصور في الفن ذاته كاملة وحقيقة حياته غير منقوصة ، وبتصويرها يخرجها من ظلام نفسه إلى نور الدنيا . وكلما تخلص الإنسان من الابهام والغموض المحيطين بعواطفه ومشاعره اتسع أفق حياته وازداد فهما لنوازعه وأهدافه .
والجمال عنصر من عناصر الفن أو غاية من غاياته ، والجمال في الفن غير الجمال في الطبيعة . ونحن نحكم على العمل الفني بالجمال عندما يؤدي رسالته ، أي عندما يبعث في نفوسنا العواطف والاحساسات التي حفزت الفنان إلى الإنتاج . والفنان لا ينتج إلا استجابة لعاطفة وخيال قوبين والعاطفة في الحياة تنصرف إلي غاية ، أما في الفن فلا غاية لها إلا نفسها . وعند ما تكون العاطفة غاية في حد ذاتها ترتفع بنا عن مستوى الحياة الدنيوية ، وتنقلنا إلى عالم نقى لا أثر فيه للمطامع والشهوات والغرائز الدنيا التي تمتلئ بها حياتنا اليومية العادية والتي نضيق بها ونتمني أن نتخلص منها ، والفرح الذي تحدثه مثل هذه العاطفة في نفوسنا يأتي نتيجة لخروجنا من أسر نفوسنا واستمتاعنا بإحساسات ومشاعر نقية لا تربطها بمطامعنا ودنيانا صلة ما ، وهو دليل لا ينقض على احتفاء الإنسان بذاته وتمجيده لعواطفه وقواه النفسية متى خلصت من دبقة المادة وتحررت من عبودية الرغبات . والخيال عند الفنان ليس الهرب من الواقع كما يظن الناس ، إنما هو تكملة للواقع . ويحسن بنا أن نضرب لذلك مثلا : يتكيف الطفل منذ ساعة ميلاده ببيئته ، وتتحكم الظروف في صحته وعقليته وأعصابه . وقد تكون ظروفه من السوء إلى حد مؤلم ، فيحرم بذلك من كثير من الفرص والامكانيات . . وليست هذه الفرص
والامكانيات مستحيلة أصلا ، بل ممكنة لو أتيحت لمثل هذا الطفل الظروف المؤاتية والإنسانية ليست إلا هذا الطفل السئ الحظ المحروم من كثير من الفرص والامكانيات التي تبقى مطمورة مجهولة في خفايا النفس لضغط ظروف الحياة المادية والحياة النفسية . وفي الفن ، مستعينا بالخيال ، نجد صورة كاملة المعالم للانسان وقد تخلص من هذه الظروف العسرة التي تحرمه من ميراثه الطبيعي في حياة أكمل وأجمل ، والفن بذلك مرشد وملهم للانسانية في سيرها إلى الأمام .
والحافز الفني حافز روحي ينبع من وراء الوعي . والإنتاج الفني يشتمل على هذا العنصر الروحي غير القابل للتحليل ؛ فنحن إما أن نتأثر أو لا نتأثر ، حسب طبيعة ملكاتنا واستعدادنا ، وتأثرنا به معناه تقوية الإحساس الروحي فى نفوسنا والأندماج في الطبيعة والكون . وهذه التجربة الصوفية من أثممن وأغلى ما يمكن أن نحسه أو نجربه في حياتنا ، وفي أثنائها يتبدل الإنسان غير الانسان فيؤمن بخيربة الطبيعة وسمو غاياتها ، ذلك الايمان الذي قد يكدح العقل سنينا طويلة ولا يعثر عليه
وكي نوفق في حياتنا لابد لنا من الإيمان بالحياة والاطمئنان إلي غاياتها ، والفن يساعدنا مساعدة ثمينة على تحقيق هذه الأمنية .
وقد يقول قائل : إن مزايا الفن التي ذكرناها مزايا نفسية عاطفية لا صلة لها بحياة الواقع التي نحياها . والرد على هذا هو : أن الحياة كلها وحدة لا سبيل إلى تجزئتها ، وهى وحدة ذات عنصرين : العنصر العملي والعنصر التأملي ، وكلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر ، وكلما اندمج الانسان في الحياة ذلك الاندماج الذي لا تعثر عليه إلا في الطبيعة والفن حدث التوافق . . وعثر الأنسان على نفسه . والفن ذو قيمة في الحياة المادية حتى من الوجهة البيولوجية المحضة ، لأنه يقوي وينشط الحياة الروحية ، ومن ثم الحياة العملية
والعضوية . ونظرة سريعة في حياتنا الحاضرة ترينا نتيجة غيبة الفن الحقيقي عن الحياة ، فقد بدأت تسيطر في أعقاب الحرب العالمية الأولى موجة من التطور الصناعي والتجاري كان لها أثرها الكبير في طغيان " النورستانيا " على مختلف الأفراد في مختلف الأمم ؛ ومرجع ذلك إلى أن هذا التطور المادى الحديد لم يكن له مقابل من تطور نفساني يسايره ويهديه ويسمو بأهدافه ، فارتسمت أمام العالم الجديد صور تبعث على فساد النفس البشرية ، ومرجعها تعدد المطامع التي خلقتها الحياة المادية الصناعية ، والتي لم تجد في أساليب سلوك الانسان وتربيته ما يمكنه من مواجهتها . والفن يوسع أفق الحياة النفسية والروحية ، وبذا يتيح تختلف قوى النفس أن تتواذن ، وبدا يستطيع الانسان أن يقدر الأمور تقديرا أقرب إلى طبيعة الحياة
ومن آثار الفن أيضا أنه يقوي الشخصية ؛ وفي هذا العصر الذي تتعاون فيه عشرات العوامل السياسية والاجتماعية على طمس معالم الفرد وإدماجه في الجمهور إدماجا يتعذر معه عليه أن يجد الفرصة المواتية للاستغلال بشخصيته ، ليس هناك إلا الفن ليساعد الفرد على الإحساس بذاته كإنسان ذي كيان عقلي ونفساني مستقل .
وللفن أثر لاينكر في الأخلاق ، لأنه يقوي ويثبت في النفس الإحساسات العالية والنزعات الشريفة ، وعند ما يعل الفن من شأن الجمال ويجعلنا أكثر قابلية له وتأثرا به ، يجعلنا في الوقت نفسه أكثر بغضا لكل ما هو قبيح ، ويخلق في نفوسنا الرغبة لإزالته .
تلك هى الآثار المباشرة لدراسة الفن . ونختم حديثنا كلمة من أثر الفن في نواحي الحياة الأخرى وفي المجتمع بصفة عامة ، مقدمين لحديثنا بكلمة للشاعر " جيته " تلقى شيئا من الضوء على الموضوع . قال جيته : كي نفهم أي شئ فهما دقيقا ونتذوقه تذوقا حقيقيا علينا أن ندرسه لذاته لا لغاية خارجة عنه وقال أيضا : إن كل ما يتناوله العقل الضيق يصبح تجارة ، وكل ما يتناوله العقل السامي يصبح
فنا . وعندما يباشر العقل الأسمى شيئا يباشر فيه كل شئ ، أو بلغة أقل تناقضا إنه يرى في الشئ الواحد الذي يعالجه معالجة سديدة نموذجا للمنهج السديد لمعالجة أي شئ .
وإذا درسنا الفن من أجل الفن وحصلنا على كل النتائج التي سبق لنا ذكرها وجدنا بعد ذلك أن الفن يعطينا نموذجا رائعا لما يجب أن تكون عليه الحياة الإنسانية الرفيعة والشخصية الناضجة المتوازنة ، لأن العمل الفني يشتمل علي " الوحدة " وقوامها التوافق والانسجام بين عناصره كلها . كما أن هذه العناصر لم تجتمع في العمل الفني اعتباطا ، بل بعد اختيار وتهذيب وترتيب وفق المثل الأعلى للفنان ، وقد روعي في التعبير عنها الدقة والعناية التامة في الإخراج ؛ فإذا طبقنا هذه النظرية على السلوك الإنساني العام في الحياة وجدنا أن " الخير " ينطوي على نفس هذه العناصر ، لأنه لا يصدر إلا عن شخصية كمل التوافق والتنسيق بين عناصرها وفي المثل الأعلى الذي يؤمن به صاحبها ، ونقيضها الشخصية التي تتحارب عناصرها المتنافرة فيلغى بعضها بعضا .
ويخطو بعد هذا خطوة لنقول إن المجتمع البشري المثالي هو المجتمع الذي تحقق التوافق بين أفراده ، فلا تتصادم مصالحهم وغاياتهم ، بل تجتمع حول هدف واحد يتجهون إليه .
والفن يساعد مساعدة جوهرية على إحداث التوافق والتجانس بين عناصر المجتمع وطبقاته لأنه يخلق نفس المشاعر والإحساسات في نفوس الجمهور ، وبذلك يحقق التجانس الروحي والثقافي ، وهو أساس التجانس الاجتماعي والاقتصادي . .
وأخيرا ، لابد للفن أن يؤمن بالمثل العليا الوطنية ، ولا نقصد المثل السياسية ، بل الأجتماعية والإنسانية ، وهو بذلك يدخل هذه المثل في نطاق تفكير الشعب ، ويجعلها جزءا من إحساسه وكيانه ، وبذلك يحفزه إلى تحقيقها .

