الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 130الرجوع إلى "الثقافة"

صورة جميلة فى دمنة (١) ˓

Share

الشيخ يوسف الشربينى أديب مغمور ، لم أر من ترجم له ، احتقارا لشأنه ، وازدراء بتأليفه ، لأنها تآليف شعبية ، وليست تآليف أرستقراطية - وقديما تحين العلماء الأدب الشعبى - ولأنه كذلك ماجن إلى أقصى حدود المجانة ، لا يتحرج من استعمال كلمات الفحش عارية صريحة فى غير كناية ولا إيماء ، ولا يخضع لمواصفات الناس فى الوقار والاحتشام ، وإذا تزاحم فى فكره كلمتان إحداهما مؤدبة والأخرى داعرة ، اختار الثانية وهجر الأولى عن قصد وتعمد ؛ فالقارئ المهذب يشمئز من قراءتها ويكره تعرى كلماتها وفحش تعبيراتها ، ولكنها مع ذلك تحوى صورا جميلة ، وترسم أشكالا بديعة قد تعجز الكتب الأرستقراطية عن رسمها وتصويرها .

بين أيدينا من كتبه كتاب اسمه ((˒هز القحوف فى شرح قصدة أبى شادوف ))˓، وقد ذكر فى أثناء الكتاب أنه ألف كتبا أخرى ، ولكنى لم أرها .

ويدل هذا الكتاب على أن المؤلف من بلدة ((˒شربين˓))˓ قرب ((˒المنصورة˓)) ، وأنه طلب العلم بالأزهر ، وحضر على أستاذه الشيخ القليوبى الذى كان عالما جليلا  كثير التأليف ، ومات سنة ١٠٦٩ ه ، وأنه ألف هذا الكتاب بإشارة من الشيخ السندوبى ، وكان من أكابر علماء الأزهر وأدبائه ومؤلفيه ، ومات سنة ١٠٩٧ ه .

فصاحبنا إذا عاش فى القرن الحادى عشر الهجرى ،

وقد حدثنا أنه حج سنة ١٠٧٤ ه - ولم يتحرج من أن يذكر عن نفسه أنه كان متهدكا يحب الغلمان وتتبعهم ؛ ولست أدرى أكان ذلك حقيقة يذكرها أم مزاحا يمزحه .

أما الصورة الحسناء التى يستطيع القارئ أن يخرج بها من هذه الدمن ، فهى وصف الفلاحين وبؤسهم فى القرن الحادى عشر .

قصيدة أبى شادوف هذه قصيدة عامية ، لست أدرى من نظمها ، ولعله هو ناظمها ؛ وموضوعها فقر الفلاح وتعاسته ، فجاء الشربينى هذا وشرحها فى جزء كبير يقع فى نحو ٢٣٠ صفحة كبيرة شرحا هزليا جديا استطراديا ، فلا تأتى كلمة حتى يتلاعب بها ، ويهزئ نحوها وصرفها واشتقاقها ، وفى أثناء ذلك يذكر معلومات تاريخية طريفة تصور فى جملتها الصورة التى أشرنا إليها .

يصف الفلاح وبؤسه ، وطول معاشرته للبهائم ، وحمله للطين والسماد ، وملازمته للمحراث والجرافة ، ودورانه حول الزرع والجرن ، وجهله إلا بما يتصل بزراعته ، كالساقية والليف والحزام والنبوت ، وقد نشأ عن هذا كله غلظ فى ذوقه ، فأفراحه وأعراسه ليست إلا صراخا وصياحا ، وورده عند الاسحار ليس إلا التفكر فى الغنم والأبقار ، و˒(( حط الملف وهات الكلف )) ،˓˓ وأسماؤهم دالة على ذوقهم ، فجنيجل وجليجل ، وزعيط ومعيط ، وأسماء نسائهم شباره وشراره ، وعليهوء وحليوه ، وخطيطه وعويطه ، وأولادهم مكشوفو الرأس ، غارقون فى الأدناس ، وفقهاؤهم جهل مركب وخلط فى الدين ، وقلة عقل ، وأدبهم وأشعارهم وقصصهم من نوع سخيف ، ونظم خسيس ، وتشابيه باردة ، وخرافات باطلة .

وقد أطال فى كل باب من هذا الأبواب ، وذكر الشواهد والقصص والأمثال بإسهاب . والكتاب خصب جدا من الناحية الاجتماعية فى هذا العصر ، فهو يصور

لنا الفلاحين السدج ، وكيف يستغفلون إذا دخلوا القاهرة ، وكيف ينظرون إلى مشاهدها ومرافقها نظرة بلهاء ، وكيف يفسرونها تفسيرا مضحكا ، ويقارن بين حياة المدن وحياة الريف ، وعلم المدن وجهل الريف ، وذوق المدن وذوق الريف ، فى المأكل والمشرب والملبس وما إلى ذلك .

ويصور لنا تصويرا رائعا بؤس الفلاح عند تحصيل الأموال الأميرية ، فهذه مشكلة المشاكل ومصيبة المصائب ؛ فيقول إنه - دائما - معرض لهلاك من ضرب وحبس وفقدان لذة الأكل والشرب ، وهو دائم التفكير فى المال الذى عليه آناء الليل وأطراف النهار . والمؤلف يحمد الله على أنه ليس له أرض ، ولا يشتغل بالفلاحة ، ويتمثل بقول البهلول :

إذا ركب اللوك على الجياد

                 وقد شدوا البنود على القصاد

ركبت قصيبتى ولبست مسحى

                وسرت كسيرهم فى كل واد

فلا الأجناد تطلبنى بمال           ولا الديوان يغلط فى عدادى

ويقص علينا أن النصرانى (وهو الصراف) إذا حضر القرية أو الكفر لأخذ المال ، كثر الخوف والحبس والضرب لمن لم يقدر على الدفع ؛ فمن الفلاحين من يقترض الدراهم بالربا أو يبيع زرعه أوان طلوعه بما ينقص عن بيعه فى ذلك الزمن ، أو يبيع بهيمته التى يحلبها لعياله ، أو يرهن مصاغ زوجته أو يبيعه كرها ، وإن لم يجد شيئا أعطى ابنه رهينة حتى يدفع ، وقد يحبس ويعذب حتى يدفع ، وقد يهرب ليلا فلا يعود إلى بلده قط ، ويترك أهله ووطنه وعياله من هم المال وضيق المعيشة . وروى لنا فى ذلك أمثالا مشهورة عندهم وهو : ˒˒(( مال السلطان يخرج من بين الظفر واللحم ))˓و(( يوم

السداد عيد )) الخ ، ويصف لنا ((˒السخرة والعونة ))˓وصفا دقيقا ؛ فالملتزم يأخذ القرية أو الكفر يزرعه على حسابه ويسمى هذا ((˒زرع الوسية ))˓فإذا احتاج الأمر لتطهير الترع ، أو حفر القنوات ، أو نقل الطين ، أو ضم الزرع . نادى الغفير : (( يا فلاحين العونة يا بطالين ))˓فيخرجون فى صبيحة اليوم جميعهم ويعملون ما يؤمرون به من غير أجر . وثم نظام آخر ، وهو أن يفرض على كل بيت عدد معين للعمل فى العونة . فيقولون : يخرج من بيت فلان شخص ، وبيت فلان شخصان ، وهكذا ؛ وفى كلتا الحالتين من تأخر أو تكاسل أخذه (( المشد )) وعاقبه وضربه وغرمه دراهم معلومة ؛ ومن الناس من يختبىء فى الفرن إذا نودى على العونة أو نحو ذلك .

وإذا نزل النصرانى والمشد والملتزم بلدة فأكلهم وشربهم على الفلاحين يقسمونه عليهم ، ويسمى ((˒وجبة˓))˓، كل على حسب أرضه وقراريطه وأفدنته ، وربما وهنت المرأة شيئا من ((˒مصاغها˓))˓أو ملبوسها على دراهم ، واشترت بها الدجاج لطعامهم ، وربما حرمت أولادها الدجاج والسمن والدقيق وقدمته إلى هؤلاء . و (( النصرانى إذا نزل قرية لقبض مالها يحضر إليه الفلاحون ، ويكرمونه ويرسلون له الوجبة ، ويتذللون بين يديه ، ويطيعون أمره ونهيه ، بل يكون غالبهم فى خدمته ؛ وبعض الملتزمين يولى النصرانى أمر القرية فيحكم فيها بالضرب والحبس وغير ذلك ، فلا يأتيه الفلاح إلا وهو يرتعد من شدة الخوف˓))˓.

وأما ((˒الكاشف˓))˓فهو رئيس الاقليم ، وإذا أقبل على بلدة يقرع له الطبل ، فيخاف منه أهل البدع وأرباب المفاسد ، ويأتى إليه مشايخها ، ويقفون بين يديه فى أشد ما يكون من الرعب والخوف ، ويستخبرهم عن أحوالهم . ثم بعد ذلك يسرعون له فى الأكل والشرب والتقاديم

على ما جرت به العادة ، وإذا وقع فى قرية فتنة أو خرج أهلها من طاعة ˒˒أستاذهم˓˓ أو ((˒قائم مقام القرية˓))˓هجم الكاشف عليهم بعساكره وأخرب القرية ، وقتل منهم من قتل ، وقد يحصل منه ومن أتباعه نهب القرية ، وتكليفهم فى المأكل والمشرب فوق طاقتهم ؛ وفى ذلك يقول أبو شادوف من قصيدته :

((˒ومن نزلة الكشاف شابت عوارضى

               وصار لقلبى لوعة ورجيف˓))˓

ويصور لنا أن أهل إقليمه ينقسمون قسمين : منهم من يتعصب لقبيلة سعد ، ومنهم من يتعصب لقبيلة حرام (١)˓فإذا ثار الشر تنادى قوم : ((˒يالسعد˓))˓وآخرون : ˒((يالحرام˓)) فتهجم سعد وحرام على البلد ، ويقع بينهم الحرب والعناد ، وتخرب بسببهم البلاد ، وتقطع الطريق على العدو والصديق ؛ وفى ذلك يقول المؤلف فى أرجوزته التى لخص فيها كتابه :

فذا يصيح بالسعد أسعدوا          وآخر بالحرام أنجدوا

فذانك اللفظان دون ليس           عندهم أمر بقتل النفس

فيخربون الأرض بالغارات

                  ويرصدون القتل فى الطرقات

وإن أفهم للقتال عسكر    فروا إلى جبالهم واستتروا

وفى الكتاب صورة لنظر الفلاحين والمصريين للمماليك والأمراء الأتراك وأتباعهم ، فهى نظرة تعظيم وتبجيل وإعظام يبلغ حد التقديس ، فهم يتطلعون إلى معيشتهم ، وقصارى أملهم أن يقلدوهم فى شىء من تصرفاتهم ؛ فهذا فلاح ذهب يؤدى المال إلى الملتزم التركى ، فرأى كيف يعيش وكيف يعامل زوجته ، فلما عاد إلى بلده أراد أن يسلك مع زوجته أم معيكا سلوك الأمير مع زوجته الأميرة ، فانتهت بكارثة ؛ وهؤلاء ثلاثة

من الفلاحين يريدون أن يزوروا مصر فقالوا : ((˒إن مدينة مصر كلها جنادى وعسكر يقطعون الروس ، ونحن فلاحون إن لم نعمل عملهم و نرطن معهم بالتركى وإلا قطعوا رؤوسنا˓))˓، وتعاقدوا فيما تعاقدوا عليه أن يتعلموا بعض الألفاظ التركية ، ثم يدخلوا الحمام ، فإذا طالبهم صاحبه بالأجر صاحوا فى وجهه الكلمات التركية فأخلى سبيلهم˓،˓ وإذا رجعوا إلى بلدهم رطنوا بالتركى فخافهم مشايخ الكفر وأجلوهم وأعظموهم - إلى كثير من أمثال ذلك من الصور البديعة .

والكتاب بعد ذلك معجم غير مرتب فى بيان مصطلحات الفلاحين فى ملبسهم وأنواع مأكولاتهم ، ومرافقهم ومواويلهم ، وكل ما يتصل بهم .

إن أخذ عليه شئ فهو هذا الفحش المنتشر فيه ، والبذاءة فى كل نواحيه ، وأنه عرض لأمر الفلاح وبؤسه ، عرض الزارى الناقم ، لا عرض العاطف الراحم ، وكان أولى - وقد رأى هذا البؤس الذى هو فيه ، والظلم الواقع عليه - أن يصرخ فى وجه من ظلمه ، وأن يستغيث لانقاذه مما هو فيه ، وألا يزيد تعاسته بالزراية به ، وألا يعيبه على ما وصل إليه اضطرارا ، بل يعيب من أنزله هذه المنزلة الوضيعة اختيارا . فان لم يستطع أن يفعل ذلك لقسوة الزمان وظلم الحكام ، فلا أقل من أن يلون صوره بالعطف الجميل على حاله ، والرثاء الباكى لبؤسه وشقائه .

وأخشى أن تكون الخطوط التى رسمها ((˒الشربينى˓))˓ ليبين الفواصل بين حياة المدن فى نعيمها ورخائها ، وحياة الريف فى بؤسه وشقائه ، لا تزال حافظة السينما إلى اليوم ، وقد مضى منذ تصويرها ثلاثة قرون ؛ بل أخشى أن تكون الفروق قد زادت ، والفواصل قد تباعدت ؛ فالمدنية الحديثة غزت المدن كثيرا ولم تغز الريف إلا

قليلا ؛ هذه الكهرباء تفتن أفانينها فى المدن ، والريف لما ينعم بماء نظيف ؛ وهذه القصور الشامخة فى المدن ، والحدائق الغناء ، والشوارع النظيفة ، والنساء السافرات ، الكاسيات العاريات ، ودور التعليم المختلفة الألوان ، ودور الملاهى المتعددة الأشكال ، إلى ما لا يحصى من ضروب الترف والنعيم ، والفلاح فى مأكله ومشربه ومسكنه ونظام حياته ونوع أحاديثه ومجال علمه وعلاقته بأرضه وأدوات زرعه ، لم تختلف كثيرا عما كانت أيام الشربينى ، بل أيام عمرو بن العاص ، بل أيام رمسيس ، بل أيام منا أو منيس ؛ والأجيال المتعاقبة ، وميزانيات الدول المتعاقبة ، والحكومات المتعاقبة ، أعجبتها المدن فزادت فى الانفاق عليها ، ولم يعجبها الريف فضيقت عليه ؛ وعيب ((˒الشربينى˓))˓أنه رأى بؤس الفلاح تقع تبعته عليه ، ولم يدرك أن بؤسه نتيجة عوامل اجتماعية كثيرة ليس هو مسئولا عن أكثرها ؛ لقد رأى المصب ولم ير المنبع ، ورأى النار تشتعل فى البيت ولم ير من أشعلها ، ورأى النتيجة ولم ير مقدماتها .

فأما ناحيته الفنية فالشربينى إذا جد فهو أديب واسع الإطلاع فى الأدب ، حافظ للشعر الكثير مستحضر له فى مناسباته المختلفة ، قارئ للكثير من الكتب الأدبية والتاريخية المجهولة كانت فى زمانه ، عارف بكتب المحاضرات والمسامرات ، مقتبس منها ، محكم لوضعها فى مواضعها ، دارس لحالة الناس فى عصره دراسة تفصيلية ، لا يستحى أن يضرب مثلا بنفسه ومما حدث له ، كما لا يستحى أن يروى عن أمه لغزا فى البرغوث ، ولا عن الحشاشين أحاديثهم فى مجالسهم على الطريقة التى سلكها الجاحظ فى كتبه ؛ وإذا هزل ففنه فى الهزل غريب حقا ، قيم حقا ، لولا فحشه وعريه ؛ له خيال واسع فى المجون ، وقد هزأ النحو والصرف والاشتقاق بأسلوب جديد ، ولأسق لك مثلا فى هذا عند تصريفه لكلمة

((˒أبو˓))˓، فهو يقول إنه ((˒مشتق من آب إذا رجع ،˓˓ قال ابن زريق :

ما آب من سفر إلا وأزعجه       رأى إلى سفر بالعزم يمنعه

      وكذلك الأب لأنه فى كل ساعة يرجع إلى ولده

ويفتقده وينظر إليه ... وقيل إن (( أبو˓))˓ فعل ماض ناقص ، وأصله ((˒أبوس˓))˓، ويدل على ذلك قول الشاعر :

قالوا حبيبك وارى ثغره صلفا

                       ماذا تحاول إن أبداه قال أبو

أى أبوس ، وإنما حذفت السين لقصد حصول اللبس على السامع ، إذ هو اللائق بهذا عند الأدباء ، والأقرب إلى السلامة من الواشين والرقباء ، وقيل لأن السين فى الجمل بستين ، والستون فى البوس إسراف عند البعض )) الخ .

ويقول فى ((˒مسترد˓))˓: (( وهو إناء من فخار أحمر ، وهو غالب أوانى الريف ، وأصله مركب من فعلين مات ورد ، لأنه لما عمل أولا وكسر عملوا بدله فقالوا مات ثم رد ، ثم حذفوا الألف وجعلوها علما ، وقيل إنه فى الأصل عمل بمدينة تسعى ماتريد التى ينسب إليها الشيخ الماتريدى نفعنا الله به ))˓وهكذا .

فهو فى هزله ، ولعبه بالنحو والاشتقاق ، واستطراده الغريب ، وخياله الماجن البعيد ، من أوائل الكتاب الهزليين فى الأدب المصرى الحديث إن لم يكن رأسهم . ثم تفقد بعض الحلقات ، ويظهر بعد ((˒أبو نضارة˓))˓فى صحيفته ، والشيخ حسن الآلانى فى كتابه ((˒ترويح النفوس ومضحك العبوس ))˓. ثم عبد الله النديم فى صحيفة ((˒الأستاذ˓))˓ثم ((˒حمارة منبنى ))˓، ثم الكشكول ، ثم آخر ساعة ، فهى كلها مدرسة واحدة فكاهية متتابعة ، خليقة بالدرس اللطيف ، والبحث الطريف .

اشترك في نشرتنا البريدية