الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 360الرجوع إلى "الرسالة"

عبقرية الشريف الرضي، تأليف الدكتور زكي مبارك

Share

لأستاذنا الدكتور زكي مبارك قلب يزخر بالفتوة وينبض  بالعافية على رغم ما فيه من هوى مكتوم ولواعج مضطربة، وقد  يلازم هذا الشذوذ والتناقض كثيراً من الأدباء ورجال الحكمة وقد يكون ذلك لقدرتهم على الشكوى والأنين والتلهي أحياناً  بالفلسفة أو التفلسف في تشريح العواطف والوجدانيات! وهو يعيش في أودية الفن، الفن الروحي، ويهيم أبداً  في ملكوت الخيال ولهذا كانت جل بحوثه من تيه عبقر، ومن  همسات الشياطين!

والدكتور زكي مبارك له في البحث يكاد يستقل بها عن غيره  من أعلام الأدب والكتاب الأبيناء فهو حين يكتب لا يعدو  أن يكون مترجماً لأشرف العواطف وأنبل الغرائز البشرية بصورة  واضحة لا غموض فيها ولا تلبيس

تنطلق عنه الفكرة مستقلة، تشرق في آفاقها الحقيقة وتلتمع  في أقطارها صورة تلك الروح التي انبثقت عنها تلك الفكرة، فهو  إذا بحث كان   (فسيولوجياً)  في بحثه، فناناً في أسلوبه، تلمح  في مأثورة قوة الانفعال ومدى خصوبة القريحة؛ ويستوقفك  في تضاعيف بحوثه الطلية رشاقة الأسلوب وتأنق المعنى ووضوح  الفكرة وتريب المعاني وحسن السبك. . . وغير ذلك من الصفات  التي أعطت أدبه لوناً خاصاً يمتاز به عن غيره، كما أنه ينفرد بين أدبائنا  بجرأته، وهو يعتمد في ذلك على مواهبه وثقته بنفسه؛ فهو يتوفر  أبداً على نصرة فكرته، لا يتقهقر ولا يتأخر

وكان له من نشوة الظَّفر ما يدل به كثيراً على خصومه،  وكثيراً ما يعتد بنفسه شأن المتثبت المتمكن القوي الإيمان؛ فإذا  أراد أن يعرض بخصم أو يمازح صديقاً؛ فهو ذو درية بأساليب

الكيد وطرق الممازحة والمؤاخذة الأليمة والنيل من خصومه  ومن أصدقائه أيضاً! وثمَّة خلَّةٌ تكاد تكون من لوازم ذلك الأديب  الكبير، وهي صبرُه في البحث وقوة روحه في استقصاء  المعاني في الموضوعات التي يطرقها

ولقد كان وفاء زكي مبارك أبرز صفاته الشخصية، فهو  يذهبُ إلى العراق ليرفدَ أهلها من معينه السائغ؛ فلو أنك  أيها القارئ قد اطَّلعت على ذلك السَّفر النفيس   (عبقرية  الشريف الرضيّ)  لَجازَ لك أن تقول ما قاله أحد أدباء بغداد  حينما قرأ ذلك الكتاب:   (إن نثر زكي مبارك له روعة تفوق  شعر الشريف الرضي في بعض الأحيان)

لا يمكنني أن اصف ذلك السَّفر الذي أقامه الدكتور زكي  مبارك نصباً خالداً للشريف الرضي بقدر ما كتب هو عنه في مقدمته  إذ يقول:   (إن القلم جرى فيه بأسلوب ما أحسبني سُبقت إليه  في شرح أغراض الشعراء، حتى كدت أتوهم أني طفتُ بأودية  لم تعرفها الملائكة، ولا الشياطين)

ومن اعتداده بمؤلفه وتعريضه بغيره من المؤلفات ما يقوله  أيضاً في سياق حديثه عن الشريف:   (سيرى قراء هذا الكتاب  أني جعلت الشريف أفحل شاعر عرفته اللغة العربية، وقد سمع  بذلك ناس فذهبوا يقولون في جرائد بغداد: أيكون الشريف  أشعر من المتنبي، وأستطيع أن أجيب بأن الشريف في كتابي  أشعر من المتنبي في أي كتاب. ولن يكون المتنبي أشعر من  الشريف إلا يوم أؤلف عنه كتاباً مثل هذا الكتاب!)

وله العذر فيما يقول فكتابه عن الشريف وعبقرية، ضرب  من السحر لم يشرع في الكتابة من قبل ولم يأت على طريقة الأدباء  بعد، فهو توجيه جديد في الدراسات الأدبية حيث يقف المؤلف  من الشاعر موقف الصديق من الصديق، ويحصى عليه ويحصى له  ويتحدث إلينا بإخلاص وأمانة، ويسجل رأيه الخاص في كل  ما يعرض له، فالكتاب حافل بآراء جديدة وفلسفة فريدة

ولقد امتزج روح المؤلف بروح الشريف، وتأثر به أعمق  التأثر وانتقل معه إلى عصره الذي كان يعيش فيه، وأحبه حباً  عنيفاً، حتى أصبح يزكي خلاله مسرفاً في التمدح بأفضاله، فإذا  مر بهفوة له فإنه يرفق به ويشفق عليه شأن ما يحدث عادة بين  الخلصان من الأصحاب والأصدقاء

ولقد أربي البحث في هذا الكتاب - وهو يقع في جزأين  كبيرين - على عشرين باباً، احتفل فيها المؤلف بكل باكورة  من بواكير الشريف العبقري، وعالج موضوعات دقيقة عميقة  لها أكبر الأثير في توجيه الشريف في حياته

ولقد أجاد المؤلف وأفاد في الحديث عن   (أعوام البؤس في  حياة الشريف)  و   (العلا والمعالي في قصائده)  و   (صلة الشريف  بحياة خلفاء بني العباس)  وهي من موضوعات الجزء الأول

كما أنه برع في الكتابة عن   (غراميات الشريف)   و   (عفافه)  و   (حجازيات الشريف)  وغير ذلك من النواحي  والاتجاهات العميقة التي ضرب فيها فكر المؤلف وخياله بسهم  وافر، فنفذ إلى مكنونات وطريف كان لها أثر كبير في إخراج  هذه السفر على آنق أسلوب وارفع خيال، حتى حقَّ للدكتور  زكي مبارك أن يستهل الكتاب بتعليقه على قول الشريف: أنا النضار الذي يُضَنُّ به ... لو قلُّبتني يمينُ منتقدِ بعبارته: اشهدْ أنك وجدْتَ المنتقد أيها النُّضار.

هذه كلمة قد عنَّ لي أن أكتبها وفاءً للأدب في شخص  الدكتور   (زكي مبارك)  مؤلف عبقرية الشريف جزاه الله عن  الأدب خيراً

اشترك في نشرتنا البريدية