أتينا فى العدد الماضي على ما استظهرته أرض اليابان من زروع ، ونبدأ اليوم هذه الكلمة بما استبطنته أرضها من معدنيات . وإن تكن الزروع حاجات الإنسان الأولى ، وهي من حاجات الحيوان ، فالمعدنيات حاجاته الأخرى التي لا بد منها للصناعة ، والصناعة سبب الانسان الأول للثراء ، وسبيله إلى القوة ، والقوة والثراء سبيل الناس إلى العزة وامتناع الذل وحفظ الكرامة في عالم تسوده الأثرة ، وتتحكم فيه صفرة الذهب وديب الحديد .
وسيد المعدنيات الفحم والحديد . وقد بلغ ما استخرجته اليابان من فحمها عام ١٩٣٥ ٣٣ مليون طن ، يقابلها ٢٢٦ مليون طن استخرجتها بريطانيا في نفس هذا العام . والفحم يوجد من جزر اليابان الأربع في الجزيرة الشمالية العليا ، والجزيرة الجنوبية السفلي ، وشيء منه في الجزيرة العظمي . ومناجم الفحم في أيدي شركات قاربت الستمائة عددا ، وقارب رأس مالها المدفوع ثلاثين مليونا من الجنيهات . وإذا اعتبرنا ما اختزنته أرض اليابان من رصيد وجدناه
غير كبير بالنسبة لما اختزنته أراضي الأمم الأخرى التي وهبها الله هبة الفحوم .
أما الحديد فليست اليابان فيه من ذوات الثراء ، فالقليل الجيد الذي بها منه بعيد عن مراكز الصناعات ، وبعيد عن مواطن الفحم ، والفحم لا بد منه لاستخراج الحديد ، وقربه منه ضروري لاستخراجه استخراجا رابحا . ولكن اليابان لم تأبه لهذه العقبات ، ولم تخذلها هذه المخذلات ، فاحتملت تكاليفها في سبيل أغراض أهم لديها وأخطر ، وهي أغراض الدفاع . فأنفقت الملايين في إنشاء مصنعين عظيمين للحديد والفولاذ أحدهما فى الشمال والآخر في الجنوب ، على مقربة من فحوم الشمال وفحوم الجنوب . واعتمدت في صناعة حديدها بعض اعتماد على خامة البلاد القليلة ، حتى تكون مناجمها حاضرة دائما ومفتوحة أبدا عندما تأزم الأزمات ، واستوردت إلي جانب هذه الخامة القليلة خامة كثيرة من خارج البلاد ، لا سيما من الصين ومنشوريا ، وعلى أكثر مناجمهما تسيطر اليابان .
والذي أنتجه العالم من الحديد الزهر في عام ١٩٣٥ بلغ نحوا من ٧٤ مليون طن ، أنتجت منه اليابان نحوا من ٣ ملايين ، وبريطانيا نحوا من ٧ ملايين ، وألمانيا نحوا من ١٣ مليونا ، والولايات المتحدة نحوا من ٣٢ مليونا . وقس على مثل هذه النسب أو علي قريب منها ما تخرجه هذه الأمم من الفولاذ
وعند ذكر الفحم والحديد ، لا بد من ذكر المصدر الخطير الآخر للقوي : أعني البترول .
فهذا ليس لليابان منه شئ ، إلا القليل . ومنابعه في الجزيرة العظمي على ساحلها الغربي . وقد استخرجت اليابان من البترول عام ١٩٣٥ نحو مليوني برميل ، استخرجت فيه مصر مليونا ونصف مليون ، والولايات
المتحدة ٩٥٠ مليونا . فأين الثريا وأين الثري ؟ والبرميل نص طن تقريبا .
والقوة في البترول والفحم قوة كاملة يخرجها الحريق . وهي في مساقط الماء قوة عارية لا كمون فيها ، تصب على العجل فيتحرك ، وتتحرك بتحركه محاور ولفائف من الأسلاك تنتج الكهرباء ، ومن الكهرباء تستمد الحركة والحرارة والضياء وقد انتفعت اليابان من مساقط أنواعها ، وهي كثيرة شتيئة ، كل انتفاع . ففي عام ١٩٠٥ كان لها منها قوة ١٢٠٠٠ حصان ، صارت في عام ١٩١١ نحوا من ١٠٤٠٠٠ حصان ، صارت في
عام ١٩٢٤ نحوا من ١٧٥٠٠٠٠ حصان ، ثم زيدت بعد ذلك زيادة كبرى .
ومن معادن اليابان النحاس ، وتنتج منه في العام ما تزيد قيمته على خمسة ملايين من الجنيهات ، ومنها الفضة ومنها الذهب ، وتبلغ قيمته فوق المليون .
فاليابان إذا ليست من الأمم ذات الثراء الواسع ، حتى ولا الثراء المعتدل ، في المعادن والمعدنيات . فالذي بها منه بأرضها الأم قليل المقدار لا يكفي حاجاتها . وهناك أنواع أخري من المعادن ليست بأرضها أصلا . فهي لا بد أن تخرج من أرضها لجلب حاجاتها كما تخرج الأمم . أو هي لا بد أن تخرج فتمتس كما تمتس السباع .
من أطاق التماس شيء غلابا .. واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
وهي لا تخرج المعادن والمعدنيات وحدها ، وإنما تخرج كذلك المزروعات . فقد علمنا أن أرضها تقع في المناطق المعتدلة الباردة ، وخير الأرض التي تقع في المناطق الحارة
وكان امتساسها أول الأمر فيما حولها من جيران . فحاربت الصين عام ١٨٩٤ ، واغتصبت منها جزيرة فرموزا ؛ واقتطعت منها كورية وجعلتها مستقلة إلي عام ١٩١٠ ثم ضمتها إليها . وغزت منشورية اقتصاديا بعد ذلك ، ثم سيطرت عليها سياسيا . كذلك غزت الصين اقتصادا وسياسة وحربا منذ أعوام قريبة ، وهي لا تزال تغزوها . واليوم تمتد جنوبا إلي مناطق الاستواء ، حيث الأرض أخصب ما تكون ظهرا ، وأملأ ما تكون بالكنوز بطنا . ففيها البترول ، وفيها القصدير ، وفيها المطاط ، ثلاثة أسس من أساس الصناعة والمدنية ليس لليابان في بلادها نصيب منها . وأخطر الثلاثة في هذه الحرب القائمة المطاط . وكان محصول العالم منه قبيل
الحرب فويق المليون طن ، جاء أكثر من ٩٥ % منه من شجره المزروع في جزيرة سيلان وفي برما وجزيرة جاوه وجزيرة سومطرا وجزيرة بورنيا ، أي في الجانب الجنوبي الشرقى من آسيا الذي تهدده الآن اليابان .
وقد توقع الحلفاء انقطاع وارده بالغزو ، فحملوا ما استطاعوا منه إلى بلادهم قبل أن تشتد الحال ويتعذر في هذه الجزر الإصدار وقد أبلغتنا الاذاعة الأمريكية منذ أيام قليلة أن الذي استوردته الولايات المتحدة من المطاط منذ ٧ ديسمبر الماضي ، أي منذ أطلقت اليابان نيران حربها ، بلغ ١٤٠ ألف طن . وقد قدرت هذه الإذاعة أيضا أن بالولايات الآن من المطاط ما يكفيها عاما ونصف عام . وأنها آخذة من الآن في تجهيز مصانع تخرج المطاط من زيت البترول ، ووعدت بأنه لا تأتي نهاية هذا العام والنصف حتى تكون هذه المصانع قد أخذت تنتج من المطاط الصناعي مقادير تكفي حاجة الحلفاء جميعا
ولليابان غير ثروة الأرض ثروة الماء وما احتوته البحار . والياباني صياد للسمك قديم ، ولكن السماكة في اليابانيين ظلت على حالها البيدائي الأول حتى جاءت النهضة ، فنهضت هي الأخرى مع الناهضات من شئون اليابان . وترأس السماكة أمير من الأسرة المالكة إعلانا بتوسيعها وتمديدها ، وإيذانا بخطرها . وفتحت المدارس لتعليمها وتدريب الصغار على الصيد ، لا كما كان يصيد الجد الذي قوسه الزمن ، ولكن كما يصيد الشاب المدرب في أحدث الأمم . وجيء لهذه المدارس بأحدث الأجهزة ، وصنعوها في بلادهم نقلا وتقليدا ثم ابتداعا . وبنوا سفن الصيد على أحدث طراز ، فدارت في المحيط الأعظم الهادئ ، فبلغوا بها ، وهي سفن الصيد ، إلي شواطئ أمريكا شمالها وجنوبها ، وضربوا بها في برد
الشمال إلي الروس ، وفي حر الجنوب إلي حيث تترك الأمم الآن . وتعلموا بذلك إلي جانب الصيد من الشاطئ صيد الأعماق وتعلموا وعلموا إلي جانب الصيد تربية الأسماك ، فربوها في حظائرها المائية كما يربي البط والدجاج - تطعم لتبيض وتبيض لتفرخ ، ثم هم يقومون على الفراخ بالطعام حتى تشب وتطول .
وقد عنوا بالأسماك من ذوات الصدف فربوها كذلك . ومن مجهودهم ، وشاهد صبرهم في هذا السبيل . قصتهم المشهورة في تربية اللؤلؤ بالصناعة ، واللؤلؤ يجده الغواصون طبيعيا داخل أصداف المحار في أعماق البحار . ولكن أستاذا لعلم الحيوانات في جامعة طوكيو خال أن اللؤلؤة التي توجد في جوف المحارة لا يمكن أن تؤدي وظيفة كائنة ما كانت في حياة هذا الكائن البحري ، وفسر وجودها في بعض هذه الكائنات - وهي لا توجد إلا في القليل الأقل منها - بأن جسما غريبا كقطعة من عشب أو حصوة رمل نفذ ما بين الصدفتين فأصاب جسم الكائن في الداخل ، وهو رخص طري ، فجرحه . والكلب إذا جرحه جارح لعق جرحه ، وكذلك يفعل القط ، والإنسان يهرع إلي اليود أو هو يلعقه كما تفعل القطط والكلاب . أما المحار فطريقته في دفع الأذي أن يحاصر الدخيل الغريب الذي جرحه ، أو هو حكه فأوشك أن يجرحه ، بافراز ينشره حوله ، فيتجمد عليه طبقا فوق طبق ، فيكون من هذا حب أبيض هو اللؤلؤ الذي يزين لبات الحسان ، أو يفرط منهن الآذان وعلى هذه النظرية اشتغل العلماء اليابانيون منذ خمسين عاما كاملة . صابرين متصابرين . ونجحوا أخيرا في مضاهاة الطبيعة .
وتتلخص طريقتهم في أنهم يربون المحار بادئين من بيضه ليضمنوا الذرية القوية التي تدافع الأمراض فتدفعها فإذا بلغ عامه الثالث ، فاستكمل نموه ، أجروا في جلده
المشرط ، ثم لفوا بعض جلده السليخ على حصاة من أصداف المحار ، فهذه تقوم مقام الشوكة في جانبه ، فلا يلبث أن ينضح عليها بمادة اللؤلؤ عاما بعد عام . فإذا مضي عليه سبعة أعوام أخرجوا اللؤلؤ من محاره . واللؤلؤة الجيدة من محصول هذه الصناعة لا تفترق عن أختها التي تتولد بالطبيعة الكاملة إلا في نسجها ، فهو غالبا أدق في المصنوع منه في المطبوع . وقد عجز العلم إلي عهد قريب عن التفريق بينهما تفريقا جازما ، إلا أن تشق اللؤلؤة نصفين فتظهر في مركز المصنوعة حصاة الصدف الدفينة .
ولقد يعجب القارئ إذ يعلم أن اللؤلؤة على غلو ثمنها وعلى ما منحها الحب والشعر من معان تطرب القلوب ، تتألف من مادتين غاية في الحقارة : إحداهما مادة الحجر وهي في جبل المقطم أطنان فوق أطنان ، وثانيتهما مادة من زلال ثخين يجمد بالجفاف ، فيكون كزلال البرض إلا أن الانسان يعود فيقول : إن الإنسان نفسه والانبياء من كأس وزلال ، أو هم من فحم وماء ، والقيمة كل القيمة في تلك الصناعة التي تؤلف من المألوف الخسيس ، تحفة الفن ، وزينة الحسن ، وعجائب المخلوقات
والأسماك في اليابان طعام رئيسي يقوم بأود الكثيرين ، ومن فاسدها ومن مخلفاتها يصنع السماد .
ويشغل صيد السمك أعدادا وفيرة من السكان ، بلغوا منذ عهد غير بعيد مليونا ومائتي الف من الرجال . والذي صدرته اليابان من السمك ومنتجاته بلغت قيمته في العام ٢٣ مليونا من الجنيهات والذي تنتجه مصر من محصولها الرئيسى ، القطن ، في العام قيمته نحو من ٣٠ مليونا من الجنيهات
ملاحظة : جاء في العدد الذي قبل السابق عن جزر اليابان أن " مساحات هذه الجزر هي ١٥،٧،٩٠.٣٥ مميزة بالأميال المربعة . وقد سقطت عند الطبع لفظة ) مليون ( تجيء بعد هذه الأرقام .

