الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 167الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع

Share

البوذية في اليابان

فى القرن السادس قبل ميلاد المسيح ، في الشمال الشرقي من الهند ، على مقربة من جبال الهملايا ، كان يقطن قبيل من المحاربين تدعى بالساقيين وكان لهذا القبيل ملك . فأنجب هذا الملك غلاما . وقبل أن يولد الطفل ، وحين كان نطفة لم يستتم تكوينها ، طلب أبوه إلى المنجمين أن يخبروه خبره ، فقالوا : لن يقع بصر هذا الوليد حين يشب على رجل مريض ، أو شيخ كسيح ،

أو جثة هامدة حتى يعتزل الدنيا اعتزالا . ومن أجل هذا نشأوا الطفل المرهف الحس علي النعيم وأذاقوه من طيبات الحياة . ولكنه على الرغم من هذا لم يكد يبلغ التاسعة والعشرين حتى ترك بلاط أبيه ، وطلب الخلوة بنفسه للتأمل في أمر هذه الدنيا . وظل يفكر في غوامضها ستة أعوام كاملة ، تكشفت له في ختامها حقائق الوجود

من أجل هذا أسموه بوذا ، ومعناها المستنير ، ذلك لأنه استنار من بعد ظلمة ، وأبصر قلبه من بعد عماء . وبعد استنارته خرج أول ما خرج إلي مدينة في الشمال الشرقي من الهند اسمها بنارس ، وفي هذه المدينة بدأ الدعوة إلي دينه الجديد . ومن بعدها خرج إلي الهند يطوف فيها ويدعو ، وكان دين الناس البرهمي فلقي من البراهمة عنتا كثيرا . ولكنه احتمل ، وتلقي المهانة بالصبر ،

والغلو بالاعتدال ، وعاش عيشة البساطة والطهارة إلي أن مات في عامه الثمانين . وكان موته سنة ٤٨٠ قبل الميلاد .

وقبل أن يموت كسب المللوك لدينه , فعاش في كنفهم            فحموه زمانا وفي حياته ألف نظاما رهبانيا عظيما دخل فيه كثير من الراهبين والراهبات , فكانوا رسله بعد وفاته .

ودين بوذا دين فلسفي في أصوله ,غرضه الأسمي الخلاص من الوجود , لكن الوجود والألم مترادفان, ففي الوجود الولادة والشيخوخة والمرض والموت.  " فالولادة ألم . والشيخوخة ألم . والمرض ألم. والموت  ألم " . فللخلاص من الوجود يجب أن يخلص المرء من الآلام ، وللخلاص من الآلام يجب أن يفقه الطالب

أسبابها . وأسبابها توجد فى التحرق إلى المطالب ,في التحرق إلى إشباع الشهوات بشتى صنوفها وعلى اختلاف  درجاتها. فلزوال الألم لابد من زوال التحرق إلى إشباع  الشهوة , ولابد من إسكات المطالب وإخراس الرغبة في المتعة  بهذا الوجود . فان زال التحرق زال الألم , وإن زال الألم  زال الوجود وتخلص المرء من أعبائه فبلغ مراتب السعادة ,  فالسعادة إنما تكون في إنكار هذه اللذات وهذا الوجود.

أما الطريق إلى ذلك فيتألف من مسالك ثمانية , وهي  بلغتهم:النظرة الصائبة , فالنسبة الصائبة ,فالقول الحق، فالعمل الحق ، فالرزق الحلال ، فالمجهود الصادق , فالذكر   الصادق, فالتأمل الصائب .وسلوك هذا الطريق يتضمن     تدريبا شديدا شاقا لايتفق مع حياة الأسرة , ومن          هذا كانت الرهبنة . ومن أخطر هذه المسالك الثمانية ثامنها           وهو التأمل . ففيه يتركز المتأمل على شئ واحد يختاره ،

ثم هو يمعن فيه التفكير , وكلما أمعن بعد عن        نفسه واضمحل فيه الحس بجسمه , حتى يشمله الذهول فلا     يعود يرى أو يسمع أو يدرك مما حوله شيئا وهو يرتقي إلى                  هذة الغاية من التأمل على درجات أربع أو خمس أسموها بالمراتب .   والبوذية قانون في الأخلاق يتألف من أوامر , وأهمها           خمسة : أن لا تقتل . أن لا تسرق . أن لا تزن . أن              لا تكذب . أن لا تسكر.

وفي البوذية فضائل ستة , لاتؤهل بذاتها إلى غرض       العيش الأسمى - إلى الخلاص من الوجود - ولكنها        تعين عليه وتلك هي : الكرم , الطهر, الصبر,          الشجاعه ,الفكر ,العلم .

والكرم الذي تنصح به البوذية كرم كامل شامل  ،             فهو في اتساعه يشمل كل الخلائق , كائنة هذة ماكانت,      وهو في نوعه يكلف صاحبة أشد صنوف التضحية وأقسى         ضروب الحرمان.

حكوا عن بوذا في تنقل روحة بين الأجسام                    التي تقمصها قبل أن يحيى حياته الأخيرة في الهند , مر على          لبؤة فوجدها تتضور جوعا , ووجد حولها أشبالها                        يعتصرون منها ضرعا جف اللبن فية . فما لبث أن جاد                 بجسمه للبوءة كي يمتلئ ضرعها فيتغذى صغارها.

وفي البوذية أخلاق أخرى يتخلق بها المريد لبلوغ          الغاية , ولكنها لاترتفع إلى درجة ما سبق . ومن أمثلة                          هذة حب الكافة , والصفح عن إساة الأعداء , وأن                            يمتنع البوذي عن مقالة السوء , وعن السفه والهذر ,               وعن خشونة اللسان .

ومن عقائد بوذا ما اعتقدة البراهمة من قبله من تنقل          الروح الواحد في الأجساد العدة على الأجيال المتتابعة في         سبيلها إلى الخلاص الدائم ، فالحياة ألم وإيجاب , والخلاص               راحة وسلب وهذا التنقل درجات إلى السلب الكامل                    والفناء الأخير الهانئ . وفي نحو هذا قال البراهمة                   الموحدون :سل كينونتك بكينونة الله الذي لا ذات له,

بكينونة الله الذي أنت منه , فانك عند الموت تفقد ذاتك ,       وتفقد فرديتك , وتفقد الاحساس بوجود شخصيتك,                  لتندمج في الاله الأكبر الذي هو الوجود كله , كما تندمج        قطرة الماء في المحيط .

ومن عقائد بوذا دفع ما ارتآه البراهمة من قبله من                أن الناس مراتب , علياها القساوسة البراهميون,                 وسقلاها الأنجاس المنبوذون . فمناقضة لهم أسس دينهم على              أن الناس سواء مهما اختلفت الأصلاب وتباينت الدماء .                            فالرجال عنده  بأعمالهم لا بأصولهم .ومن أجل هذا رحب                       بالكبير كما رحب بالصغير وأكرم الشريف الرفيع كما               أكرم المنبوذ الوضيع .

فهذا هو الدين الذي جاء يدق باب اليابان في منتصف                              القرن السادس بعد الميلاد .

وكان لليابان دينها الذي وصفناه في المقال السابق ,           وهو دين بدائي , غاية في البساطة , وغاية في الاجداب ,               لاينظر إلا إلى أصول أهل هذة الجزر اليابانية , ولايفرض                إلا أنهم نزلوا من أصلاب الآلهة فهو ينظر إلى مأتى                  الناس ولا نظر إلى مآلهم . وهو لايفترض لهم كينونة              إلا هذا الواقع الذي تراه العين وتسمعة الأذن , وهو                   لايرسم طريقة للحياة ولابرنامجا للأخلاق والمعاملات.              وهو لايدعوا الآباء الآلهة إلا لزيادة الخير ودفع الضر في          هذة الحياة الدنيا . أما الحياة الاخرة فهي ليست عنده              إلا أروحا تعبر الفضاء بالنفع والايذاء لمن خلفت على              الأرض من أبناء , فاليها ترفع الدعوات , وفي سبيل ترقيق            مزاجها واستدرار رحمتها تقام الصلوات .

حار اليابانيون بين دينهم القديم , وهذا الدين الطارق         الجديد . وكان هذا الدين الجديد دين الصين . وكانت مدينة           الصين سبقت إلى اليابان , فأخذ اليابانيون منها أخذا,                وأكبروا كل ما أخذوا منها  إكبارا , وجاء هذا الدين                         أخيرا في أذيال ما أخذوا . فلم يكن بد من إكباره,                                             لا بسبب ما تضمن من فلسفة فحسب , بل لأنه صيني ,                 والصينية كانت جواز المرور لكل شئ يريد أن يدخل

اليابان دخولا سهلا هيناً .

ولكن حدث أن نزل باليابان في تلك السنين وباء ,                              فزعم القوم أنه غضب الآلهة على هذا الدين الجديد , فعندئذ                حرمت البوذية على الناس . ولكن الوباء زاد واستفحل                           شره ، فزعم الآخرون أنه غضب بوذا , وأنه سيهلك                            البلاد والعباد . فعندئذ أذن الامبراطور لكبير الامراء                           ان يعتنق هو وأهله البوذية على سبيل التجربة ففعل.

ومن يومها أخذت البوذية تنتشر في البلاد . فاعتنقها  الأباطرة . وكان من أكبر نصرائها ولي العهد اسمه  تيشي , مات دون أن يبلغ الملك عام ٦٢١, ولكنه  حكم البلاد قبل موته قرابة ثلاثين عاما , وكان رجلا مثقفا ,  وكان بطبعه فنانا , وكان أديبا عالما , وكتب كثيرا في  تاريخ بلاده , وكتب في الدين الجديد باحثا ومفسرا ,  ولكنة فعل باسم البوذية خيرا من ذلك . وكان سوء

الحال بلغ في اليابان أقصاه , فلم يعد الزوج يحنو على                        امرأته , ولا المرأه على زوجها , ولم يعد الرجل يرحم ابنه ,               ولم يعد الابن يرحم أباه . فقام تيشي بسن القوانين ,                  ورسم أسلوبا للمعاملة وطريقة العيش الطاهر , أخرجها                     للناس في ثلاثين مادة , وكانت أول ماعرف اليابانيون من               أمثالها وكانت سلطة الامبرطور قد ضاعت , أضاعها                         حكام الأقاليم من الأمراء , فأعاد تيشي إلى الأمبرطور                                         سلطانه ليكون حاميا للدين الجديد والفلسفة الجديدة من                      بعد ذلك واختصارا فالتاريخ يذكر تيشي بأنه صاحب

الفضل الاول فى تدعيم البوذية في اليابان .

وبدخول البوذية استفاق الناس إلى رأي في السيادة                                   جديد . فقد كان النظام الإقطاعي بلغ حداً مرهقاً من                 الإجحاف , سار به , لا إلى فوق حيث جلس الامبراطور               على عرش ليس له منه غير مظهره , ولكن كذلك إلى               تحت حيث خلق في جمهور الأمة طبقة مسخرة من                        الناس , هي أكثرية الناس , بلغ بها التسخير درجات                      العيش الدنيا , فكانت أشبه بالعبيد . فبدخول البوذية                   استفاق العبيد إلى انهم وأسيادهم سواء , وأن العبودية

ليست إلا من أوضاع البشر , وأنها ليست من قوانين                   الوجود . وأن الناس , كما قال بوذا, بأعمالهم لا بأصلابهم.                وحدثت الثورة المرجوة , فخلع سادة الريف عن             سيادتهم , وردت ملكية أرض اليابان جميعا إلى                              الامبراطور - بعد أن صار رب الدولة حقاً - ليفرقها                      على الناس من جديد , على أساس الفكر الجديد الذى                يقول أن الناس سواسية , وأن ما تخرجه بطن الأرض                      من ثمرات رزق حلال يوزع بالقسطاس على من حل                     على ظهرها من الخلائق .

والبوذية عند دخولها اليابان كانت بلغت من عمرها نحو  ألف عام . فكان لها ، إلى جانب فلسفتها وأخلاقها ،  آداب كثيرة تراكمت على القرون، وكان لها إلى جانب  الآداب فنون ظهرت في معابدها ، فكانت قطعاً روائع من  الفن الخالد. واليابانيون لهم سليقة في الفن لا تجحد. فدخلت  هذه الثروة الكبيرة من أدب وفن مع البوذية إلى اليابان .  فتلقف الناس هذا الفن الجديد فصنعوا منه فنا يابانياً أصيلا  يتراءى إلى اليوم في صورهم ومعابدهم ، حتى وصناعاتهم .

ولكن بقى بين قلوب الناس وبين هذا الدين الجديد  شيء من تجاف تحسه المهج في قراراتها ولا تنطق به الألسنة  ذلك أن آباءهم ، وهم معبودوهم ، والمحاور التي دار و يدور  عليها العيش فيهم ، لم يكن لهم مكان في دين بوذا . وأباطرتهم  وهم نسل الأرباب ، وهم من هذا النسب القديم يستمدون

سلطانهم على هذه الأرض , لم يكن لهم مكان في                       دين بوذا , وبقى هذا الشعور كالعظمة في الحلقوم ,                           حتى إذا استحفل استحفالا وأصبح النداء فيه                                 تصريحا وإعلاناً , قام قس ياباني يؤلف بين العقيدة                        القديمة , وهي وطنية قومية صميمة , وبين العقيدة الجديدة               وهي روحية صميمة , فأعلن في الناس أن بوذا قد حل                        في أجساد هؤلاء الأرباب والآباء قديما , فهم ليسوا إلا نسخا

منه . وبهذا أشيعت القومية في أكثر المعارضين وزالت                           الجفوة واستقر الدين ، وسلم الشينتيون معابدهم إلى البوذيين

وما جاء ختام القرن السابع حتى كانت اليابان بفضل                          البوذية والمدنية الصينية , بلداً متحداً تحكمه حكومة                           مركزية , على رأسها امبراطور ذو سلطان , وقد امحت                    فيها نظم الاقطاع امحاءً كبيرا, وتوزعت الأرض على                             الناس توزيعا أكثر إنصافاً. وكان للناس أسلوب مدني                        إنساني عليه يعيشون وقواعد جديدة للتعامل والتخلق             إليها يرجعون

اشترك في نشرتنا البريدية