فقد كوبر والدته سنة ١٧٣٦ وفي سنة ١٧٩٠ أعدت إليه بنت عمه " أن يورهام " صورة لتلك الوالدة العزيزة فكتب إليها :
" لم يكن باستطاعة القضاء أن يمنحني على يديك اعز مما تكرمت بإهدائه إلي وصلتني الصورة مساء أول امس فتلقيتها بحس ملتهب وقلب خفاق ، كما كنت أفعل لو أن العزيزة المفقودة أتت بنفسها إلي أحضاني - قبلتها ثم وضعتها حيث اغمض كل مساء وافتحهما كل صباح ، فتكون آخر وأول ما أري - ماتت وأنا في السادسة من عمري ، ولكني أذكرها أوضح الذكري ، وقد وجدت في الصورة أقوي شبه لها . .. "
وكان كوبر مرهف الأعصاب رفيق المزاج ، فنال منه فقد والدته وشتى بالدراسة وتعثر في حب خائب ، فهم بالانتحار ، ثم انتهي إلي ملجأ شفي به بعد ثمانية عشر شهرا ، وهو عندئذ في الرابعة والثلاثين من عمره ، وخرج من الملجأ إلي الريف حيث انفق حياته مع عائلة القسيس " أتوين " وتوفي القسيس فاصطحب كوبر زوجته إلي أولني على ضفاف الأوز ، وهنالك تحت تأثير قسيس أولنى " جون نيوتن " قوي إيمان كوبر ، فالتمس فيه ما يقيم به أئزان نفسه المحطمة . وكوبر مثل كولنس ومحارت وبليك وغيرهم من تلك الجموعة الغريبة من شعراء القرن الثامن عشر الذين الخمسوا من فيض الخيال الذي نسميه جنوبا مخلصا من طنيان العقل ؛ وهو القائل في أحد خطاباته ( ١٧٨٨ ) : " إن ما نسميهم مجانين هم في الواقع أعقل الناس " .
واضطربت حياة كوبر بين مرض وصحة ، وقلمه بيده رقيب على نفسه بحد من إسراف شاعر هائج الحس . ومن عجب ان يصدر شعر في صفاء شعر كوبر عن مزاج كمزاجة
وحياة ملؤها الآلام والأمراض كحياته ؛ وفي شعره من اليسر مانعجب منه ، إلى اجتماع تلك الرقة خلف ما غشي حياتة من جنون . ونحن قد نتساءل عما إذا كان للجنون في عرفنا معنى غير الخروج عما تواضع عليه عامة الناس ؟ ومن قديم عاشت قلوب وعقول في اغشية تنسجها من حياتها لتأوي إليها ، أملة ان تفلت من كل هذر مسف ، وهي بعد على عزائها اثبت في الحياة قدما ممن يطفون فوق الحياة . وفي " موسي فني " و " الأستور شيلي " أجمل تصور لتلك العزلة التى يساق إليها السابقون لعصورهم .
وضع كوبر صورة والدته أمام عينيه ثم كتب تلك القصيدة التى ننقلها اليوم إلى لغتنا ، أملين من القارئ لا ان يحاول فهمها وما في القصيدة من معني عميق فحسب ، ولكن ان يحس بما فيها وما يجري تحت الفاظها السهلة المألوفة من عاطفة لا حد لنبلها ولا ابلغ من حرارتها ؛ وسيري عندئذ كيف تنفذ إلى القلب لا لأنها صدرت عن نفس قوية فقط ، بل لأنها توحي إلينا من مواقف حياة كل منا ما يجعلنا نجد من انفسنا مثل ما وجد ، ونحن لا نعرف قيمة لأدب إلا بما فيه من قوة إيحاء .
وإنما يكون ذلك الايحاء بتفاصيل الحياة ، وتفاصيلها رموز تحمل الوانا من النفس لا يمكن أن يعيرها أحد لغيره ، وإنما يستطيع الغير أن يعيننا على أن نجدها في انفسنا ، ولن يصل ذلك الغير إلى ما يريد او يصدق حسه وقوله ولقد كان لكوبر فضل الصدور عن نفسه في كل ما كتب ، وإنك لتقرؤه فتؤمن بما تقرأ ، وتحس ما يحس ، ونحن بعد لا نبغي من الأديب ان يطلعنا على مهارة تفكيره او قدرة خياله ، ولقد سود ادباء آلاف الصفحات في هذا العبث الباطل ؛ وإنما نبغي منهم ان يعبروا عن حق يؤمنون
به كما يؤمنون بجراح تألم لها نفوسهم ، أو أن يطلعونا علي حال تتلقاه حواسهم غفلا وتحس وقعه نفوسهم ، وهذا ما فعل كوبر
نعم ليس كوبر نسيج وحده ، وفي ليسيداس ملتون وادونيس شيلي و" ذكري " دون وفتاة ثارانت لشينيه ورثاء كانيلوس لاخيه ، وذكري تنسون ومونيين أصديقيهما ، وإيشيل لبتروكل ، امثلة جميلة للوقاء والمحبة ، ولكني والحق يقال أكاديمية أفضل قصيدة كوبر على كل ما ذكرت ؛ ولربما كان ذلك لعمق احساس كوبر وبعده عن كل صنعة ، وأنا بعد ممن يؤمنون أن الاحساس القوي يعقد اللسان ؛ فما بالك عن يجدون في نفوسهم ، وقد استحوذتها عاطفة قوية من الصبر ، ما يمكنهم من الجري وراء ألفاظ لا تحمل من نفوسهم شيئا
وكوبر بعيد عن كل محاولة للفهم أو التحليل ، وهذا نوع من الأدب اومن بصدقه ، وذلك لان كل فهم او تحليل لا يمكن إلا أن يغير حقائق الحياة . ومن الخير عندي ان يكتفي كوبر بذكر ما كان عند وفاة والدته وهو طفل في السادسة من عمره - من وعد الوصيفات له بعودتها وانتظاره تلك العودة يوما بعد يوم . ولا شك أن القارئ يري معي انه لا يمكن ان نصل إلى تحليل أو فهم ألم طفل اكثر مما نحس به عندما يخبرنا كوبر بهذا الوعد الذي ما كان له أن يتحقق.
هذا الوعدو من لحالة نفسية وهو بعد جزئية من حياة آلامه تحمل من المعاني ما تحمل الرموز ؛ والأدب الجيد لا يمكن ان يكون إلا رمزا . وقصيدة كوبر كلما على هذا النحو ، لم يحاول وصف حالات نفسه ولا بعث ذكرياته بأسلوب مجرد عار ، بل اختار لكل حالة امرا حسبا نعرفه جميعا في حياتنا ؟ ومن منا لم تخفف إليه امه في ظلام الليل يحدوها عطفها على ولدها ان يصيبه برذ او اذى اذي كما كانت تفعل أم كوبر .
أدب كوبر أدب حسي ، أدب رموز ، أدب وقائع
مادبة تحمل من فيض النفس ما لا يمكن لآي لفظ أن يؤديه ، وهذا هو الأدب إن كان للأدب معنى .
قال كوبر وصورة والدته أمامه : " من لي بحديث هذه الشفاء ، وقد انصرمت الحياة قاسية منذ آخر عهدي به - والشفاء شفاهك ، وتلك ابتسامتك كما الفتها يوم كانت ترفه عن طفولتي - لم يسكن إلا الصوت ، وإلا فما اوضح ماتبين : " ولدي لا تحزن ومح عنك مخاوفك " وها هي عيناك ما تزال تشع فتغمرني بروحك الرقيقة . الاتباركت آيات الفنون إن سخرت من طغيان الزمن فأبقت لي ما أحب .
" على بركة الله نزلت أيها الضيف العزيز وقد أتيت بعد انقطاع امل ، فبعثت ذكري امينة ، وما أعز من ذكرتني به - وها انت ترغب إلى في ان احي بسذاجة الشعر من طال فقداني لها ، وان احمل القول ما في النفس من فيض الحب ؛ وها أنا اخف إلي إجابة ما رغبت إلى فيه ، فأطاوع النفس إلي الخماس النشوة التي تجد في الاستماع إلى رغبة كأنها منك صدرت ؛ وها هو محياك الجميل يحرك من ولدك الأشجان ، فلا يجد مرفها في غير أنسجة الخيال ، وإنها لأحلام الرحمة تهيئ له برهة من الزمن أن الرسم شخصك .
" أماه ! حدثيني - أتلقيت ما ذرفت من دموع يوم نعاك الناعي ؟ أماه ! أرفرفت روحك فوق ولدك الحزين وقد عاجلته المحنة وهو بعد في مستهل شوط الحياة ؟ أماه - ما أحسب إلا أنك وإن غادرت الحياة قد منحتني قبلة أو دمعة - إن كان للأرواح أن تدمع وقد آوت إلي كنف الله ؛ وها هي ابتسامة الأمومة تجيبني : ان نعم ! اماه - دق الناقوس ينعي الرحيل ، وفي بطء حملوك في حفل الموت ، وسمعت الدق ورايت الحفل ، وعدت من النافدة إلى غرفة الطفولة حيث ارسلت زفرة مالها من قرار ، واسلمت الدموع وداعا لك الوداع الاخير . وقضي الامر ، فسرت إلى حيث لا تسمع تحية ولا وداع ،
أني لي بلقائك حيث اطمأنت منك الروح بضفاف السلام ، وحيث لن يكون بيننا وداع ؟ وحزنت الوصائف لولدك وقلن إنك عائدة عما قليل ، ونزلت مني رغبات النفس الملتهبة منزلة الحقائق الثابتة ؛ وكلما تساقط عنى أمل جد بي غيره من خوادع الامال . وكرت الأيام وفي كل خيبة إغراء بأمل جديد ، حتى نقضت حياتي على نحو ما قدر لي منذ الطفولة ، جريا وراء سراب المستقبل ، وتتابعت الأيام حزاني حتى نفد كل ما يملك طفل من الم ، فلم يبق لي إلا أن أستسلم ولكنى- اماه - ما نسيتك وإن خففت من أحزاني .
" لم يعد اسمنا يتردد حيث درجت طفولتي وبالدار ولد غير ولدك ، وإلى ذمة التاريخ سار ما كان لنا من منزل بالريف - ما أسرع ما فقدناه - ولكم سرت فيه بصحبتي البستاني " روبين " خلال ما يؤدي إلي المدرسة من طرق ، وقلبى يبتسم امر بني الصغيرة الهو بها ، وقد تدثرت بمعطفى الأحمر ، وغطيت رأسي بقبعتي الحريرية . وأما ما خلف حنوك بولدك من جميل الذكري ، فذلك ما لا يزال مستقرا بنفسه ، وإن عصفت بها زوابع الحياة فذهبت بما هو أخف منها أثرا مازلت أذكر - أماه - وسأذكر حتى أسلم آخر أنفاس الحياة ، ما كان من سيرك إلي مهدي في ظلام الليل يحدوك الرفق بولدك أن يصيبه برد أو أذى - ما اعتدت في كل صباح من لطف به تحملين له الفطائر والحلوي ، وبيدك الطاهرة تصبين العطر على خدوده حتى تنضر وتشرق . وفوق كل ذلك وأعز منه ما كان من فيض حبك الذي ما نضب له معين وما اعترض له من سبيل ما تقذف النفس من عارض الغضب . أذكر كل ذلك فيستحيل الواجب سرورا أؤدي لك به ما علي من واجب ما واناني الشعر ، أقيم لك منه تمثالا وفيا على ضالته ، تمثالا ترمقه عناية الله وإن صدف عنه البشر .
" هل للزمان أن يعيد الكرة فيحي أوقانا كنت أتناول فيها خياطا انتر به ما يحلي ثوبك من بنفسح وقر نفل وياسمين ، فتبسمين راضية مترفقة في القول ضاربة رأسي في دعابة ، وقد اشرقت اسار برك سعادة - لو كان لنا ان نميد تلك الساعات ورغبت في هودنها اثراني فاعلا ذلك ؟ لست أدري مع ستحدثني النفس والنفس ضعيفة ما استحوذنها رغبة قوية ، وفي النشوة ما يغري . ولكن كلا وما في حياتنا الدنيا مايحب ، وفيك - اماه كل ما يحب ، حتى ليعز على ان اطلب إليك العودة إلي سجنك الحسي بعد أن أفلتت منه روحك الطليقة .
" وقد سرت عن هذه الحياة كما ينطلق زورق جريء عن سواحلنا إلى مرفا أمين ، وقد ناهض العواصف ، وعبر المياه إلي حيث تثبت القوابل وتبتسم الفصول المشرقة ، إلى حيث يستقر إلى صفحة المياه الهادئة ، فينعكس شبحه الحميل صافيا بأعماق المياه ، والنسيم العطر يرقص من حوله ، وقد أخذت أنفاسه تموج منه الأعلام الباسمة . سرت حثيثة القلاع ، وأرسيت حيث لا تقصف ريح ولا يهدر موج ، وغادر شريك حياتك النبيل صخب ولييانا إلى اللحاق بك
" وأما أنا فقد عزت على الراحة وكلما دنوت من المرفأ أقصيت منه ، وكما أنصبت تزايدت آلامي - تحملني الرياح عن السبيل ، وتتقاذفني العواصف وقد مزقت فلاهي ، والتسع منها الخرق وعمى القصد ، حتى اتقصيني الأيام يوما بعد يوم عن مستوى الخلاص ، ولكني انعزي عن بلواي ما اعرفه عنك وعنه من طيب المقام ، وفي ذلك من الغشوة ما يجعل أتلق راضيا كل ما يأتي به القضاء . وما أباهي يأتي ولدت لأباء طوقتهم العروش وتحكموا في رقاب العباد ، وإلى ما دون ذلك ، تسمو كبريائي - تسمو إلي ما وفق إليه آبائي من الحظوة لدى الله .
" والآن الوداع - فقد سار الزمن ما ألف من سيرة ، ولكنني قد بلغت ما أريد من بعث أيام الطفولة بما واثتني
الذكريات من عون ، فتجددت مسراني دون أن أنال من نعيمك . وما دامت أجنحة الخيال طليقة ، وما دامت ملامحك وعن بصري ، فما للزمن ان يتم استلاب ما حرمني منه ؛ فلئن ذهبت بشخصك فقد بقي لي ما ينبعث عنك من عزاء " .
قال كوبر هذه القصيدة البالغة التأثير سنة ١٧٩٠ ، وفي سنة ١٧٩٧ قيل إن مسز انون طلبت إليه ان يصحبها إلي رياضة تحت ضوء الشمس ، وكان ذلك يوما من
الأيام القليلة التي عادت فيه مسز أنون إلي وعيها ، فقبل كوبر راضيا ما طلبت ، ولكنهما لم يعودا من تلك الرياضة حتى ولي كل منهما عن الحياة - ماتت مسز انون ، وما استطاع كوبر لها وداعا غير صيحة مخيفة ذهب معها عقلة الذي لم يعاوده إلا لماما ، حتى قضى إلى جوار والدته كما طال ان تمني سنة ١٨٠٠ . وهكذا استطاع ان يصل إلي الرفأ الذي أسف غير مرة لعجزه عن إدراكه أتره قد وجد من الراحة ما توقع إيمانه ؟

