أصبح من الجلي الواضح أن شقة الخلاف بين روسيا السوفيتة والجبهة الأمريكية البريطانية تتفاقم يوما بعد يوم ، وتبدو مظاهر هذا الخلاف في كل موطن تلتقي فيه السياستان ؛ ففي المشكلة الألمانية ، وفي سائر المشكلات الآخرى التي خلفتها الحرب ، وفي هيئة الأمم المتحدة ، تصطدم وجهات النظر السوفيتة بوجهات النظر الأمريكية البريطانية . ولم يبق خافيا أيضا أن هذا الجفاء بين السياستين قد انتقل من مرحلة الجدل إلي مرحلة العمل ، وان الاعتمادات المالية الضخمة التي أرصدتها واشنطون للمعاونة اليونان وتركيا عسكريا واقتصاديا ، والمشروع الشامل ، الذي وضعه الجنرال مارشال وزير الخارجية الأمريكية لمعاونة الدول الأوربية على مغالبة الصعاب التي خلفتها الحرب ، وتنظيم شئونها المالية والاجتماعية . كل هذه الخطوات العملية تتخذ جهارا لمقاومة نفوذ روسيا السوفيتية في أوربا ، ووقف الزحف الشيوعي الذي يحاول الاندفاع نحو الغرب من دول أوربا الوسطى والجنوبية التي تسيطر عليها روسيا السوفيتية
وقد وقع أخيرا حادث في السياسة الأوربية كان له اعظم وقع في أرربا وأمريكا وذلك أن الاحزاب الشيوعية في تسع دول اوربية ، هي : روسيا ويوجوسلافيا وبلغاريا
ورومانيا وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وإيطاليا وفرنسا ، قد اتحدت فيما بينها على إنشاء مكتب شيوعي مشترك في مدينة بلغراد ، يقوم بتوثيق الصلات فيما بينها ، وتبادل الأخبار ، وتنسيق الجهود المشتركة ، ويمثل كل حزب فيه ، عضوان تنتخبهما اللجان المركزية للآحزاب ذات الشأن ، ويقوم المكتب بإصدار مجلة نصف شهرية ، باللغتين الفرنسية والروسية . وقد صدر القرار بإنشاء هذه الهيئة الشيوعية المتحدة في مؤتمر شيوعي عقد اخيرا في وارسو من مندوبي الدول التسع المشار إليها . وجاء في البيان الذي أذاعة المؤتمر تبريرا لهذا القرار أنه اتخذ لتدعيم جهود الأحزاب الشيوعية لمواجهة مشاكل ما بعد الحرب ، والعمل علي حشد القوي الديقراطية في أوربا كلها ، وان العالم ينقسم الآن إلى معسكرين : معسكر الاستعماريين ، ومعسكر خصوم الاستعمار ، وأن الصراع يضطرم بين الفريقين في جو يسممه احتشاد الرأسمالية ، ولابد من العمل على تدعيم القوي الديمقراطية الاشتراكية ، وهزيمة القوي الرأسمالية
وليس من ريب في أن قيام هذه الهيئة الشيوعية المتحدة هو من وحي . موسكو وتدبيرها . والحزب الشيوعي الروسي في مقدمة الآحزاب المشتركة فيها ؛ والحزب الشيوعي هو مصدر السلطات العليا في روسيا ، وهو
الرأس المحرك لسياستها وتصرفاتها . وقيام هذه الهيئة الشيوعية في هذا الظرف الذي تضطرم فيه الخصومة بين روسيا السوفياتية وبين الجبهة الراسمالية ، أو بعبارة اخري الجبهة الأمريكية البريطانية ، في معظم الشئون الأوربية والعالمية ، يحمل مغزي مزعجا ، هو ان العالم يشهد من جديد قيام الدولية الشيوعية ، او ( الكومنترون ) . بعد ان ظن العالم حينما اعلن إلغاء الدولية الشيوعية في يوليه سنة ١٩٤٣ ، انها قد ذهبت بلا عودة ، وان العالم سوف يستريح من مساعها الهدامة ، ودسائسها الثورية الخطيرة .
ومن ثم ، فقد كان لهذه الخطوة التي اتخذتها روسيا في الوقت الذي تدوي فيه أدوات الخطباء في الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة منادية بتوثيق أواصر التعاون الدولي ، وتدعيم أركان السلم ، التي تهتز أمام الصراع العالمي ، الذي يضطرم بين روسيا وخصومها ، في المثل والنظم والأهداف الدولية ، أعمق وقع في جنبات هذه الهيئة التي تعتبر آخر وسيلة لجمع كلمة الدول الكبرى والصغري لإنفاذ السلم ؟ ولم تخف دوائر لندن وواشنطون ما تعلقه من نتائج خطيرة على هذه الخطوة التي يصفها متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية بأنها ضربة قاضية للتعاون الذي ساد بين الدول العظمي خلال الحرب . ومن الواضح أن هذا التعاون بين روسيا وحليفتيها أمريكا وبربطانيا قد وهنت أركانه ، مذ وضعت الحرب أوزارها ، وهو اليوم ينقلب إلي خصومة واضحة الدلائل ؟ ولم يكن من المتوقع بعد أن كشفت أمريكا عن سياستها في مناوأة الاتحاد السوفييني ومقاومة خططه وأهدافه في غربي أوربا وجنوبي البلقان ، بما اتخذته من أهبة لمعاونة اليونان وتركيا التي تعتبرها روسيا واقعة في منطقة نفوذها ، وبما تضمه من خطط شاملة لمعاونة الدول الأوربية الغربية على النهوض من كبوتها ، وتنظيم قواها لتقيم جبهة متحدة ضد الزحف السوفيتني ؛ لم يكن من المتوقع بعد ذلك كله أن
تقف روسيا جامدة إزاء هذه الجهود الساهرة التي تنظم لمقاومتها ؟ وقد بادرت روسيا بالعمل وفي طريقتها المأثورة ، حشدت الأحزاب الشيوعية في تسع دول أوربية ؛ وإذا استثنينا فرنسا وإيطاليا ، فإن الدول التي حشدت روسيا أحزابها الشيوعية للعمل المشترك واقعة كلها في دائرة النفوذ السوفيتي ؛ وناهيك بهذا الحشد لآحزاب برعت في تنظيم الخطط الثورية ، وتحريك الطبقات العاملة وبث القلق الاجتماعي ، واستعمال اساليب التحريض والتخريب المدمرة ، خصوصا متي اتفقت خططها واتحدت جهودها على نحو ما قرره مؤتمر وارسو .
وإنا لنقرأ بوضوح في برنامح الهيئة الشبوعية المتحدة وأهدافها نفس الوسائل والغايات التي اشتهرت بها الدولية الشيوعية أو " الكومنترن " ، التى لبثت تزعح الدول الغربية بدعايتها ونشاطها الثوري عن طريق الأحزاب الشيوعية المحلية زهاء ربع قرن منذ قامت في سنة ١٩١٩ حتى ألغيت خلال الحرب . ولهذا فإن الدوائر السياسية المختلفة لم تتردد في القول بأن إنشاء المكتب الشيوعي الجديد في البلغراد إنما هو بعث لا مرية فيه " للكومنترن " ، بل لقد ذهب البعض إلي أن الدولية الشيوعية لم تحل في سنة ١٩٤٣ حسبما أكد المارشال ستالين يومئذ ، وقد ذكر في بيانه أن الدولية ألغيت لوضع حد للدعاية الكاذبة التي تزعم أن روسيا تسعى بواسطة الدواوسة إلي التدخل في شئون الشعوب الآخرى ، وإن الأحزاب الشيوعية في هذه البلاد تعمل وفقا لتحريض الدولية الشيوعية وتوجيهها ؛ ويري هؤلاء أن الإجراء الذي اتخذته موسكو يومئذ لم يكن إلا خدعة لدحض الدعاية الألمانية التي كانت تتذرع لغزو روسيا بالقضاء على الخطر البلشقي ، ولتسكين مخاوف الأمم المتحدة . أما اليوم فإن الدولية الشيوعية تستأنف حياتها في صورة أخري وباسم آخر ، وإن بدت في صورتها الجديدة هيئة أكثر تواضعا . وهي تقوم اليوم في بلغراد حصن الشيوعية في أوربا الوسطي والجنوبية الذي
تشرف منه موسكو على بلاد البلقان وإيطاليا . وسنري ماذا يعقب قيام " الكومنترن " في صورتها الجديدة في المستقبل القريب . بيد أن الذي لا ريب فيه هو أنه سيترتب على قيامها نتائج دولية خطيرة وسوف تزداد شقة الخلاف بين روسيا وامريكا وبريطانيا ؟ ويري البعض فوق ذلك ان روسيا قد تترك هئة الامم المتحدة ؛ فإذا صحت هذه النبوءة ، فإن الامم المتحدة تصاب بضربة قد تكون القاضية ، وهي تترنح اليوم بالفعل من جراء سخط كثير من الدول الصغري عليها وعلى اتجاهاها ؟ وعندئذ تنهار الآمال الأخيرة التي يعقدها عالمنا المضطرب على جهود هذه الهيئة الدولية العتيدة في صون السلام العالمي ، ويعود العالم سرابا ليشهد بوادر المأساة التي انتهت بقيام الحرب العالمية الثانية

