كل مواطن في هذا البلد يطلب الإصلاح ويتمناه ، " ويتلمس الطريق له ، ويتحمس لكل دعوة في سبيله ، ويستجيب لكل نداء ، ويساهم في كل مشروع يقترح أو خطة ترسم لتحقيق أي نوع من الإصلاح في أي مرفق من المرافق أو ناحية من نواحي الحياة ، أو منشط من المناشط العامة ، سواء اتصل بالسياسة القومية او الاقتصاد المالي ، أو رفع مستوي المعيشة أو تحسين الحياة الاجتماعية . وبالجملة أية محاولة لإسعاد سكان الوادي وزيادة نصيب كل فرد . منهم من العافية وراحة البال والاستمتاع بالخيرات وتجنب الويلات ودرء البلايا .
والمتتبع للصحف يقرأ كل يوم في الأنباء الداخلية ما يملأ النفس اغتباطا ويفتح أبواب الأمل في تحقيق السعادة للأغلبية العظمي من البؤساء الذين يعيشون عيشة يخيم عليها الفقر المدقع ويشيع فيها الجهل المخزي وينخر في هيكلها المرض الفتاك . فلا يكاد يمضي يوم إلا ونسمع فيه عن جماعة ألفت او جمعية أنشئت أو مشروع بدأ لتحقيق بعض ما يتطلع الناس إليه وتصبو النفوس إلي نجاحه .
والتأمل بعد ذلك في حالة السكان والمجتمع بعجب كيف أن التحسن بطئ والأثر غير محسوس والشكوي لا تزال عالية والحال علي ما هي عليه ؟ وكان التنظر بمنطق الحوادث العادي أن تؤدي هذه الحركة الإصلاحية وتلك المشروعات التي تبدأ والهيئات التي تقوم ، إلي عمل منتج وتقدم محسوس وتحسن ظاهر في كل مظهر من مظاهر الحياة ، يطمئن الإنسان على أننا سائرون في السبيل المؤدي إلي كل ما ننشده من آمال ونبتغيه من إصلاح .
فما هي العلة ياترى في ذلك كله ؟ وما هي الأسباب المؤدية إلى هذا التناقض بين الدلائل القاهرية والنتائج الفعلية ؟ السبب في ذلك كله في رأينا أن عناصر الاستقرار
غير متوافرة ، ودوافع الاستمرار غير موجودة ، ومن ثم فالنجاح غير مضمون ، بل لعله غير متوقع ؛ فكل جماعة تتألف او جمعية تنشأ تبدأ متحمسة نشيطة ولا تلبث بعد قليل أو كثير من الزمن حتى تقتر عزيمتها ويقل نشاطها ويتسلل أعضاؤها ، ثم تفتش عنها بعد هذه الفترة الزمنية القليلة فلا تجد لها أثرا .
وكذلك المشروعات تبدأ كبيرة نشيطة على نطاق واسع ثم تصادفها العقبات وتصطدم بالصعوبات التي لم تمكن متوقعة ولم يعمل حسابها ، فلا تقوي علي منازلتها والتغلب عليها ، ولذا سرعان ما تفشل وتموت .
ولا يقتصر الكلام هنا على المشروعات الأهلية ، بل يشمل الأهلية والحكومية على السواء . وهذه ظاهرة مؤلمة طالما شكونا منها ، وقد آن الأوان لأن نلقى عناية وتحليلا حتى يتغير هذا الحال ، ويتحقق ما ترجوه للهيئات المنشأت وللمشروعات المبتدئة من النجاح والثبات واطراد التقدم وهذا لا يتأتي في نظرنا إلا إذا توافرت لهذه جميعا عناصر الاستقرار ودوافع الاستمرار ، وهي في نظرنا تتلخص فيما يلي :
أولا : أن يكون القائمون بأي عمل من الأعمال أو مشروع من المشروعات غير مدفوعين إليه بمجرد العاطفة أو التحمس الوقتي الذي يثيره ظرف خاص أو حادث معين أو خطيب مؤثر أو غير ذلك من الدوافع الوقتية ، وإنما يجب أن يكون الأساس هو الميل الشخصي والاستعداد الفطري والرغبة المتغلغلة في النفس والمسيطرة على الشخص تدفعه إلي الأمام بقوة .
ثانيا : أن يبدأ العمل علي صورة مصغرة ولو علي سبيل التجربة ، وأن ينمو ويتسع ويتشعب تبعا لتراكم الخبرة وظهور أمارات النجاح وإقبال الجمهور واطمئنانه واطراد الزيادة في ثقته بنجاح المشروع وثقته بالقائمين عليه وإحساسه بفائدته المؤكدة
ثالثا : ألا يبدأ بتأسيس المشروع إلا بعد دراسة جدية يحيط بكل ما يكتشفه من ظروف ، وما يعترضه من صعوبات ، وما يدعو إليه من احتياجات ، وما يقدر له من نجاح ، وما يخشى عليه من فشل ، وهذه الدراسة الجدية يجب أن تقوم في كل عمل من الأعمال وبالنسبة لأي مشروع من المشروعات على أساس علمي رقمي أي إحصائي ، لا على أساس من التخمين والظن والاستماع لملاحظات عابرة أو أقوال تلقي بتقدير أن تدعم بيانات حقيقية مؤيدة كما يجب أن تشمل هذه الدراسة الدقيقة المشروعات المشابهة التي نفذت من قبل ، سواء أكانت في بلادنا بالذات أو في بلاد أجنبية مع الالتفات بنوع خاص إلي العوامل التي أدت إلي النجاح فنوفرها أو التي سببت الفشل فنتجنبها رابعا - ألا تقتصر هذه الدراسة على المرحلة الابتدائية من تنفيذ المشروع ، بل تصحبه باستمرار ، فكل عمل يعمل أو خطة تنفذ يجب موالاتها يتعرف أثرها عند الناس ووقعها لدى جميع المتصلين بها ؛ علي أن يعهد بهذه الدراسة للقادرين عليها المخلصين في أدائها ، بحيث يصورون الوقائع كما هي لا كما يتمناها المنفذون للعمل ، أو كما يصورها ذوو الأغراض المتعلقون الذين يجرون وراء إرضاء هؤلاء المنفذين ابتغاء منفعة شخصية يظفرون بها .
خامسا : يجب أن يكون رائد القائم بأي عمل من الأعمال أو مشروع من الشروعات التجديد والتحسين المستمر ؛ فالعالم يقفز الآن في كل يوم قفزات واسعة في سبيل تحسين الآلات وتطور الوسائل ودراسة نفسية الجماهير وقواعد الاقتصاد ، ويقضي التزاحم الشديد والمنافسة العنيفة بالحرص على تخفيض الإسعار واجتذاب رضا الجمهور ؛ كما أن ضمان تحمس القائمين بالعمل سواء أكانوا موظفين أو متطوعين أو ممولين يتوقف على استمرار اهتمامهم به وعدم إرهاقهم بما لا يطيقونه ، سواء من حيث الجهد الذي يبذلونه أو الزمن الذي يصرفونه او المال الذي ينفقونه .
سارسا : وأخيرا لا بد من موالاة الاتصال بالجمهور دائما . فالمشاريع كلها ترمي إلي سعادة الفرد ورفاهيتهيته . فلا يصح أن يكون القاعون بها في واد المنتفعون بها في واد آخر . بل يجب أن يكون هناك تفاعل مستمر وصلة مستديمة بين هذين الطرفين حتي نضمن تعاون الجمهور واستمرار حماسته هو أيضا ، وذلك من طريق تعرف رغباته وتحقيق المشروع منها والنافع وصرفه عن غير المشروع منها والضار بالإقناع والهوادة والحسني .
هذه هي عناصر الاستقرار ودوافع الاستمرار كما يتصورها وهي ليست على سبيل الحصر ، وفي استطاعتنا أن تحلل كل مشروع من المشاريع التي بدأت ثم فشلت أو هيئة من الهيئات التي ظهرت ثم انحلت ، وترجع ما أصابها من فشل او انحلال إلي عدم نوافر هذه العناصر أو معظمها . ولكنا نكتفي بهذا القدر في هذه المرة .
وفي المقال التالي سنحاول ضرب أمثلة عملية لما هو حادث بالفعل خصوصا في المشروعات الحكومية والتعديلات التي نري إدخالها على وسائلنا وأساليبتنا وخططنا لضمان توافر عناصر الاستقرار والاستمرار هذه ، وبالتالي لضمان النجاح والاستفادة حتى تكون النتائج أجدي وأنفع . فجدير بنا من غير شك أن تفتح صفحة جديدة جديرة بماضينا المشرف وبما نرجوه من مستقبل زاهر لبلادنا إن شاء الله .

