جمعت عائشة التيمورية شعرها فى ديوان سمته « علمية الماراز) به ١٣٩٦ بيتا ، منها ٥٥٤ بيتا في باب الغزل ، والباقي في أغراض مختلفة
وقبل أن نخوض في غزل عائشة نريد أن نسأل أنفسنا سؤالاً هل يحق للمرأة أن تقول شعراً في الغزل ؟ وإذا حق لها ذلك ففيمن تتغزل ؟ أنتغزل في أمرأة مثلها ؟ أم تتغزل في رجل ؟ الواقع أننا إذا نظرنا إلى ما وصل إلينا من آثار شاعرات العرب لا نجد لهن بيتاً واحداً فى الغزل . فما لا شك فيه أن عائشة انفردت دون سائر الشاعرات العربيات بما نظمته في هذا الباب وقد تكون سلكت بذلك مملكا وعراً ، وجاءت أمرا إذا
إن طبيعة المرأة لا تسمح لها بقول الشعر الغزلي . وذلك لأنها إذا تغزلت بإمرأة مثلها كان هذا شذوذا منها ، وهي أن تجرؤ على التغزل بالرجل ، ونظرة المرأة إلى الرجل تختلف عن نظارة الرجل إلى المرأة ، فإذا تغزلت المرأة في الرجل اختلف غزلها اختلافا كليا عن غزل الرجل فيها
والآن نستعرض بعض أمثلة من شعر عائشة في الغزل الغرى من أى نوع هو ، ومدى ما فيه من صدق الشعور . قالت :
أفديه حين تحيل الخصر منه بدا........ يهتز من خوف ردف خص بالثقل
بكر الكميت إذا دارت بحضرته........ من وجنتيه قدت حمراء في خجل
لو قابل البدر نشوانا بغرته......... لصار طالع بدر الأفق في زحل
وقالت :
أفديه لما مما من سكره سحرا والتطلى أثر في خـــــــده باقي
وقام بخطر والأرداف تقعده و خمره يشتكي سقما المشتاق
وقال لى بلسان السكر خذ بيدى فسدت من لحظه الماضى بخلاق
وقالت :
الصب بالأعتاب أصبح برنجى عطفاً ولكن المقال بعيد
أنسيت صدق في حروب ، واذلي وجميعهم شاكي السلاح شدید
قصد را بواری با لسلو و مادروا أن اصطباري في هواك أكيد
واقد أذمت هواك بين عواذلى وسهامهم تدى الحشا وتبيد
فأنت ترى أن عائشة تذكر الحواجب والوجنات والخصر النحيل والأرداف المكتنزة والخدود والألحاظ ، وتحدثنا عن وقوفها أمام أعتاب الحبيب وما كابدته من عناء وألم في سبيل الحب، وما لقيته من عذل العذال وكيد الوشاة والحساد ، وغير ذلك مما يجرى على السنة الرجال ، ويتغنى به الشعراء عادة في قصائدهم الغزلية . فكأنها – والحالة هذه الرجل ، وخلعت عنها أنوثتها
نصف شعر عائشة في الغزل . فإذا قيل إنها كانت تروض القول كداب الشعراء في ذلك العصر ، فلم اختارت باب الغزل بالذات لتتخذه ميدانا للتمرن على القول ؟ ولم أنت بهذا القول الماجن الذى يكاد يكون مكشوفا ؟ إن كثرة تغزل المرأة بواحدة من جنسها ، يخلق عندها شذوذا ، ويعتمد بها عن طبيعة الأنوثة ابتعادا كبيرا . وحبذا لو أنها لم تطرق هذا الباب . والظاهر أن عائشة لم تكن مكتملة الأنوثة ، ولذلك أخفقت في حياتها الزوجية إخفاقا تاما . وهجرها زوجها ، ثم إنها لم تذكر هذا الزوج ولا في بيت واحد من شعرها
ولقد أرادت عائشة أن ترفع لواء النهضة النسوية في مصر وحاولت أن تخلق حولها جوا أدبيا ، لذلك صنعت هذا الغزل وكانت فيه متكلفة ، ونشرته فى حياتها ، وهذه جرأة مجيبة وبخاصة في العصر الذي عاشت فيه ، ولو أنك طلبت من فتاة تعيش في هذه الأيام أن تقول مثل هذا الغزل ، لوجدت منها إعراضا تاما
وكان بعض أدباء عصرها قد نظم قصيدة جاء فيها :
ماذا تقول إذا اجتمعنا في غد وأقول للرحمن هذا قانلى
فأجابته قائلة
إن كان موتك من قسى واجيه كالنون أو من سحر جفن ذابل
أو فرة مثل النهار وطرة كالليل أو من جور قد عادل
أو من لحاظ تسحر الألباب إد تروى انا صلب النهى من بابل
فهي التي فعلت ولم أشعر بما فعلت فكيف تلومني يا سائلى
أنا ما قتلت وإنما أنا آلة في القتل فاطلب إن ترد من قاتل
ومتى أربد قصاص سيف أو فنا هل من سميع مثل ذا أو قائل
والله قد خلق الجميل ولم يقل هيموا بلين قده المتمايل
ما قال ربك قط يا عبدى أظل نظر الملاح و يا جميلة واصلى
فعلام تطلب بالدعاء وتدعى زورا وتطمع في محال باطل
لبث الشعراء أجيالاً طوالا يشكون من سهام العيون وسحر الألحاظ ، ويبكون لهجر الحبيب وامتناعه فهم ، ويتألمون القسوته وإعراضه ، ويطلبون وصاله ويتمنون قربه ، فلم نهض للرد عليهم امرأة واحدة. وفى الحق أن هذا الجواب طريف ومفحم في نفس الوقت . طريف لأنه لم يسبق له مثيل في الشعر العربي ، ومفحم لقوة حجته ووضوح بيئته. فأنت ترى مقدمة منطقية تنتهى إلى نتيجة لا يسمك معها إلا التعليم . أما المقدمة فهي أن المرأة آلة وليست فاعلة للقتل . والنتيجة التي تصل إليها أن الآلة لا تسأل وإنما يسأل القاتل. ثم انتقلت بعد تلك الحجة المنطقية إلى حجة
دينية لا تقل إلماما وهي
ما قال ربك قط يا عبدي أطل نظر الملاح ويا جميلة واصلى
و من هنا تبطل دعوى من يطلب بدمائه المسنوكة لأن دعواه أقيمت على غير أساس كما تقول عائشة
ولو أن الشعراء من قديم الزمن سموا هذا الرأى واقتنموا به لأراحونا من بكائهم وتحيبهم على هجران الحبيب.. وأعفونا من الشكوى من بعده وصده ، ولفقد الشعر العربي جزءا كبيرا من ثروته
ولقد أضحكني قولها :
وإذا رأيت الحب من ألم الجوى القوى بشدائد البأساء
عاليه سلفات الحديد تكرما من قلبك الجاني بكل وضاء
فاستخدام سلفات الحديد هنا مما يضحك . وهذه دعابة لطيفة
و كانت الشاعرة قد أصيبت برمد شدید لازمها شهورا . وقد عانت منه مشقة كبيرة . فنظمت فى ذلك عدة قصائد وصفت فيها ما فعله الرمد بها وما جره عليها من البلاء . وهذه القصائد جديدة في موضوعها . والظاهر أن عائشة وجدت بجالا جديدا للقول ، فانتهزت فرصة إصابتها بهذا المرض ، وأنشأت في ذلك جملة قصائد . وكان من المحتمل أن تصور انا حالتها النفسية في هذا الشعر ، وتنقل لنا إحساسها الداخلي الذي سيطر عليها آنند . واسكنا - مع الأسف الشديد – نقرأ هذه القصائد فنجد أن هم الشاعرة هو التلاعب بالألفاظ والتعابير . وهذا مما لا يفعله الحزين الذى برح به الألم ، وأضناه السقم . قالت :
طفا ماء الجنون وما دنت بي سفين الشوق من جودى الوصال
وقد أصبحت في بحر عميق من الظلماء مجهود الملال
ضللت بليل أسقامى طريق إليكم سادتى فانهوا ضلالي
فوا أسفا على إنسان عينى فدا في سجن ستم واعتقال
حجبت بسجنه من كل خل وصرت مخاطبا صور الخيبال
الإنسان العيون فدتك روحي يهون المود نورك كل غالى
أترضى البعد من عينى أليف أضر بمزمه ضيق المجال
وأنت تحاول أن تتلمس شهوراً ولو تافها في هذه القصيدة في مجزك ذلك . وكذلك كل ما نظمته في هذا الموضوع . إلا أنك ستلاحظ أنها اتخذت من قصائدها الرمديات ميدانا للغزل . فشخصت إنسان عينها وشرعت تتغزل فيه وتتألم لبعاده ، و تتمنى قربه ومثال ذلك قولها
وقالوا مات ، قل موتوا بغيظ في لى القصد حيا قد أتاني
وجـدد بالوصال حياة روحى أعوذه بآيات المشاني
فدعني يا خلى والخل تخلو ونكمل الثنا جفن الأماني
اراة الجمال ووجه بدر دماني يوسف الثاني دعاني
حبيبي بالذي أعطاك نورا تقود به کما ترضى عنان
فهذه الأبيات تكشف عن نفسية خاصة . فالشاعرة قد استحضرت في ذهنها صورة يوسف الصديق وقد امتنع من امرأة العزيز حين همت به وغلقت الأبواب وقالت هيت لك فقال معاذ الله . فشبهت نفسها بإمرأة العزيز وإنسان مينها بيوسف . ثم نخيلت أنها نهضت وغلقت الأبواب وراودت يوسف من نفسه
و همت به فلم يمتنع عليها ولم يقل معاذ الله ، وهذا الغزل مهما كان من أمره - تظهر فيه الأنوثة . وهو بذلك يختلف من غزلها المتقدم الذي ذكرت فيه الأرداف والأعجاز ، والذى تقمصت فيه شخصية الرجل ونظرت إلى المرأة بمنظاره وفكرت فيها بفكره
وعائشة أول شاعرة تقول هذا الغزل الأنثوى المكشوف وهى بذلك قد خرجت على العرف والمألوف. ولكنها كشاعرة لا يضرها هذا ولا ينقص من قيمتها ولا يحط من قدرها . وأي
شاعر موهوب حافظ على العرف ووقف عند التقاليد ؟!
وقد كررت في قصائدها الرمديات كثيرا من الصور والمعاني والتراكيب .. ومثال ذلك قولها
طفاء ماء الجنون وما دنت بى سيفين الشوق من جودى الوصال
وقولها :
سفينة المين قد فازت من الفرق وأشرقت زدهى من ساحل الحدق
فليس أمامها غير صورة سفينة.. فتارة تقول « سفينة الشوق» وتارة أخرى تقول ( سفينة المين )
ولعائشة التيمورية رثاء جيد . ولا عجب في ذلك فالمرأة بطبيعتها تجيد البكاء وتحسن العويل وبخاصة إذا أصيبت بفقد بنها أو ابنها أو والدها أو أمها ، ومن أحسن مراثيها وأشهرها تقصيدتها التي رئت بها بنها « توحيدة ، ومطلعها :
ان سال من غرب الميون يحور فالدهر باغ والزمان فدور
ولكن يجب أن نلاحظ أن الأبيات الأولى من القصيدة فيها تكاف ، وأن الشعور الداخلي فيها لا يكاد يرى . وأن الجزء المؤثر من هذه القصيدة يبدأ من قولها
طافت بشهر الصوم كاسات الردى سحرا وأكواب الدموع تدور
وبعد أن ذكرت المرض وما فعله بيتها وتحدثت من الطبيب الذي جاء وبشر بالشفاء ، أدارت حواراً على لسان بنها فأنطقها بأبيات إذا قرأها الإنسان تحلوت منه العبرات . وهذا هو الشيء
الذى أسبغ على تلك القصيدة روعة ، وأكسبها قوة وضمن لها الخلود . انظار إلى قولها
أماه قد عز اللقاء وفي غد سترین نمشي كالمروس يسير
وسينتهي المسمى إلى الأحد الذي هو منزلى وله الجموع تصير
قولى لرب اللحد رفقا بابنتی جاءت مروسا ساقها التقدير
و مجلدى بإزاء لحدى برهة فتراك روح راعها المقدور
عودي إلى ربع خلا ومأثر قد خلفت عنى لها تأثير
صولى جهاز العرس تذكارا فلي قد كان منه إلى الزفاف سرور
جرت مصائب فرقتي لك بعد ذا لبس السواد ونفذ السطور
للكلام بقية

