الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 647الرجوع إلى "الثقافة"

قارة إطلنطه، محاضرة ألقاها مسيو البير بزيا في الليسيه فرانسيه بالقاهرة

Share

لنطو الزمن القهقري حتى تأتي أفلاطون في مجلسه بدهليز معبد رشيق أنيق فوقه سماء الإغريق الصافية ، وفي أفقه محر هوميروس ينبض ببصماته المتكررة . وألحانه المرددة . .

هذه حلقة من فلاسفة يتباحثون يحيط بهم الشباب من فتية في جمال ألمبياد وفتيات في فتنة قرينيه يصلحن كما صلحت نماذج يستوحي منها النحاتون أروع التماثيل ، حتى إذا دنونا من الحلقة وجدنا سقراط يسائل ، لا بل هو أفلاطون الحكيم يقص ، ومن حوله يستمعون .

يقول إن جده الأعلى لأمه سولون متسرع أثينا العظيم رحل إلى مصر في طلب العلم ، كما كان يرحل إليها في طلبه غيره من شباب الإغريق ، وإن انباء رحلة سولون تواترت في أهله ، ولربما كساها التواتر شيئا من نسج الخيال ، لكنها في جوهرها حقائق لم يشك في صدقها من القدماء مؤرخ ولا ناقد .

وهاكم بعض ما رواه سولون عما تلقي من العلم عن طائفة الكهنة في سخا عاصمة مصر السفلى ، قال كاهن قد أدركته السن العالية : ياسولون أنتم معشر الإغريق لا تزالون أيد الدهر أطفالا ، نعم باسولون إن الإغريقي لن تدركه الشيخوخة ، بل لا يزال عقله شابا ، إن عقولكم خلو من قديم الآراء التي تحصل من طول التواتر ومن العلم الذي أنضجه طول الزمن ، ذلك أن الناس أدركهم الفناء ولا يزال يدركهم ، تغنيهم النار ويغنيهم الماء لما ينزلان بهم من الفتك الذريع ؛ فقد يحدث تحول في الأجرام السماوية تكون عاقبته - في فترات من الزمن جد متباعدة - أن تأتي

النار على كل ما على وجه الأرض ، وقد يحدث أن يطغي الماء فلا يبقى على شيء ولا ينجو من الفناء إلا ساقة الأنعام ورعاة الشاة في رؤوس الجبال ، وما دام الماء لا يبقى إلا على الأمي والجاهل فإنكم تبقون صغارا لما استحوذ عليكم من الجهل بما كان من الأحداث في قديم الزمان ، ألا تري ياسولون أنكم معشر الإغريق لم يأتكم من أنباء طغيان الماء على الأرض سوى أنباء طوفان واحد ، على حين أن هذا الطوفان الذي تذكرون قد تقدمته طوافين أخري كثيرة . اه .

فأنتم ترون أن كاهن سخا قد أبان في حديثه الجيولوجي هذا عما كان في العالم من سلسلة انقلابات أرضية شهدها الناس وراحوا ضحيتها .

يقول أفلاطون إن جده قد أخذ منه العجب لما سمع ما سمع ، فالتمس من الكاهن أن يزيده علما ، أما نحن فيتملكنا العجب أكثر مما تملك سولون لهذا البيان في القرن السادس قبل المسيح الذي يدل على ما كان لدى الكهنة في مصر القديمة من علم غاية في الدقة عن تطورات وانقلابات أرضية ، نشأت على أثرها جبال وغاصت قارات ، ومعرفة بتطورات عصور الجليد التي أتت على الأرض (١) ، ولكن لنكن كسولون وتتطلب من كاهن سخا المزيد .

أخذ الكاهن يقص على الإغريقي الشاب أمورا أكد

أنها ترجع إلي ما قبل تسعة آلاف سنة ، فقال : كان من السهل في ذاك العهد عبور بحرنا هذا ؟ فقد كان أمام المجاز الذي تسمونه معبرة هيرقلس (بوغاز جبل طارق) جزيرة أوسع رقعة من ليبيا وآسيا جميعا - وانبهكم هنا إلى أن آسيا في حديث الكاهن لا يعني بها إلا آسيا الصغري دون سائر القارة الأسيوية - وكان الملاحون في ذاك الزمان ينتقلون من تلك الجزيرة إلى جزر اخري وراءها ، ومن هذه يصلون إلى قارة على الشاطئ الآخر لذلك البحر العظيم ؛ هذا وكان في تلك الجزيرة العظمى ، واسمها جزيرة اطلنطه . ملوك لهم دولة عريضة مجيبة ، دولة لها سلطان على الجزيرة كلها وعلى كثير غيرها من الجزر وعلى أجزاء من القارة الواقعة وراءها أما من ناحيتنا هذه فقد كان لها ليبيا إلى مصر وأوربا إلى تيراني اه . أقول وتيراني هذه هي ذاك الإقليم من إيطاليا الذي ازدهرت فيه مدنية الأترسك وما حوت من غرائب .

وقبل أن أعود إلى الكلام عن الجزيرة العظمي جزيرة اطلنطه وهي موضوع حديثى هذا ، أرى واجبا علي أن أقف معكم وقفة تدبر فيها ما زودنا به كاهن سخا من دقائق جغرافية .

ينبئا ذلك الشيخ أنه قبل العصر الذي عاش فيه بتسعة آلاف سنة كانت تقوم فيما وراء معبرة هيرقلس من محيط جزيرة ضخمة ، وانها كانت مقرا لدولة عظيمة ذات حول وطول ؛ وهداه علمه إلى أن وراء هذه الجزيرة جزرا غيرها ، الوصول إليها من أطلنطه سهل ميسور ، ثم وراء هذه بحر عظيم وأرض تحيط به يصفها شيخنا الكاهن بأنها قارة . وعندي أنه لا سبيل إلى وصف أظهر من هذا يتعين به ان ذلك الجزر القائمة وراء اطلنطه إنما هي مجموعة من الجزر التي نسميها في جغرافيتنا الحديثة جزر الأنيل ، وأن البحر الذي يليها إما هو خليج المكسيك ، ثم القارة التي تحيط به والمقصود منها ذلك القوس من الأرض الممتد من فلوريد إلى فنزويلا ، غير أن الباحثين في العصر القديم وفي القرون الوسطى لم يعنوا بغير الجزيرة العظمى وأغفلوا النظر فيما ورد

عن سائر الجزر وعما وراءها من بحر وقارة ؛ على أن هذا الذي ورد عنها يجب في عصرنا هذا أن يقنع كل باحث منصف بصدق ما قرره أفلاطون . وهنا ألفت نظركم إلى وجوب الرجوع إلى محاورتي أفلاطون تيميه وكريتياس ، وفيهما بصور المدنية الإطلنطية تصوير الشاعر قوي الخيال ، وقد تجدون في قراءتها متعة دونها ما تستشعرونه من لمدة في أروع الروايات . بعد هذا انتقل إلى ختام حديث شيخ سخا ، حيث يقول : ولقد كان زمن توالت فيه الهزات المزعجة وما استنتجت من انقلابات في الكرة الأرضية ؛ ففي يوم واحد وليلة لبلاء غاصت اطلنطه في المحيط ومحيت من الوجود .

وجم السامعون لما قصة أفلاطون وصمتوا صمتا طويلا جعله يقول علي لسان سقراط : يجب أن يعد السامعون ما رويت حقائق تاريخية ثابتة لا أساطير مختلفة ا ه .

تلك لعنة من أفلاطون تنم عن حذر لا مندوحة عنه إذا اعتبرنا ما كان من نظرة السادة الأقدمين والسادة المحدثين إلى ما رواه . فقد جعلته قلة من أولئك وكثرة من هؤلاء في عداد القصص الخرافية .

ولقد كان من العسير في الماضي القطع بوجود تلك الجزيرة الشاسعة وما فيها من سلطان ضخم ومدنية ذات شأن ؛ ذلك أنه لم يكن دليل يؤيد وجودها إلا في قاع المحيط الأطلنطي ، فكان لا مفر من الانتظار إلى عصرنا هذا حتى تهتدى إلى الدليل ، وقد هدانا إليه علم الجيولوجيا ، وهو علم بعد حديثا ؛ فالواقع أنه ثبت جيولوجيا ثبوتا فاطما أن أوربا كانت تصلها بأمريكا الشمالية في الطورين الأول والثاني قارة شاسعة ؛ وكذلك كانت إفريقية وأمريكا الجنوبية ؛ فما كان الطور الثالث وقد شهد ظهور سلسلة جبال الألب انفصلت القارة القديمة عن القارة الجديدة بعد اتصالهما وتكون المحيط الأطلنطي .

ربما خيل إلي المتأمل فيما تقدم أنه لا ينصر ما جاء به أفلاطون عن اطلنطه وما قدره كاهن سخا من تلكم الفترة

الضئيلة فترة ٩ آلاف من السنين ، وهي فترة لا يؤيه لها ، فإن ظهور المحيط الأطلنطي في الطور الثالث إنما يوغل بنا في ماض سحيق يكون التقدير فيه بمئات الآلاف من السنين . فلنحكم إذا معلومات جيولوجية حديثة أثبت أساسا وأوفر من الصحة حظا .

ذلك أن مد حبال التلغراف عبر المحيط والحاجة إلى اصلاحها غير مرة استلزم سير غور جزء من الأطلنطي تحدده جزر كناري وأزور والرأس الأخضر - وهو قدر من المحيط عظيم تبلغ مساحته مساحة ليبيا وآسيا مجتمعتين - فتبينت طبيعته ، وظهر أنه منطقة غير منتظمة أخص صفاتها أنها بركانية تكونت في عصر قريب . والواقع أن تلك النواحي لا تزال مبدأنا للنشاط البركاني ؛ فكثيرا ما يشاهد الفلاحون فيها جزرا تبدو فجأة ثم تختفي فجأة . وفي سنة ١٩٠٩ ثار في جزيرة تتريف وكان تبد ثورة غاية في العنف ؟ فالخلاصة أن جزر كناري وأزور بقايا تشهد بوجود الجزيرة الكبرى اطلنطه ؛ فما تلك الجزر إلا الأجزاء العليا من تلك الجزيرة التي اختفت ، واختفاؤها إنما كان في عصر أقرب إلينا مما يظن الجيولوجي الأوائل .

وهاكم مستندا يقرب عهد الفاجعة التي آلت إلى اختفاء الجزيرة من العصر الذي حدده كاهن سخا في بيانه ، ولندع الكلمة الآن للعالم الجيولوجي ترمبيه قال :

في صيف ١٨٩٨ كانت إحدي السفن تعمل في مد حبل تغراف في المحيط ، واتفق أن انقطع الحبل وأعمل العمال خطاطيفهم لينشاؤه فكان يعلق بها قطع من المواد البركانية كالزجاج . يقول ترميه : ولم يدرك مغزي هذه الظاهرة من علماء الجيولوجيا إلا فئة قليلة . ثم يقول : لو أن تلك المواد البركانية تجمدت بضغط الماء عليها لتباورت ، أما وهي كما هى فإن تجمدها يكون بفعل الضغط الجوي ، وإذا فالأرض التي هي قاع الأطلنطي في منطقة الأزور تكون قد غطيت بسيل المواد البركانية وهي مكشوفة قبل أن تغور اه . ويستخلص ترمييه من هذا أن تلك الأرض قد غارت في عهد قريب

جدا في عصر من عصور الطور الرابع ، وهو ما يعرف عند الجيولوجيين بالطور الحالي أي الطور الذي عاصره الإنسان .

وهذا سترابون وعلماء الجغرافيا من الأقدمين يشيرون - عند كلامهم عن طريق العنبر والقصدير الذي يقضي إلي الجزر البريطانية - إلى أن الأقاليم التي يغطيها المانش وبحر الشمال غارت في عصر شهده الإنسان .

وعلماء الجيولوجيا كانوا يذهبون - وهم موقنون - إلى أن فتحة المانش قد وجدت قبل عصر الجليد ، أى قبل ٣٠٠٠٠٠ سنة ، ومع هذا كان من الطرافة المستملحة السخرية من سترابون ومن آراء الأقدمين المتواثرة .

منذ ثلاثين سنة تبين أثناء التماس بعض المواد في قاع البحر أن تلك المنطقة التى نحن بصددها غمرها الماء وانحسر عنها مرات آخرها كان في العصر البرونزي حوالى سنة ٢٥٠٠ قبل الميلاد ، أي في زمن شهده الإنسان وفي إبان المدنية الإيجية والمدنية المصرية .

أرجو أن تغفروا لي هذا الاستطراد فقصاراى إبداء مقدار ما يجب على العلماء من تبصر وحكمة قبل الإقدام على إنكار ماتواتر عن الأقدمين .

إن ما ألمعنا إليه من أن قدماء المصريين كانوا على علم بما جري في الأطلنطي قبل زمنهم بتسعة آلاف سنة يثير مشكلة غامضة من مشاكل التاريخ ، هي : من أين جاءت المدنية المصرية ، ينيرها بنور جديد ، وإن شئت فقل بنصر ما جمعه في عهد البطالسة الكاهن المصري مانبتون من معلومات لبث علماء التاريخ المصري زمنا طويلا ينبذونها احتقارا لشأنها .

النظرية العلمية التي استقرت قرونا تنحصر في القول بمجيء كل مدنية من الشرق ؛ وعلى هذا لبث علماء التاريخ المصري زمنا طويلا ينكرون أن وادي النيل شهد الإنسان النبوليطيقي ، أى إنسان عصر الحجر المصقول ، وذهبوا إلى أن قبائل سامية نقلت إلي مصر السفلى مدنية الكلدانيين التي ازدهرت في وادي دجلة والفرات ؛ وإنما ألجأهم إلى

اقتراض هذا اضطرارهم إلى الناس تفسير ما ظهر فجأة في مصر من مدنية قاربت الكمال ولم تبق بها حاجة إلي غير الاستمرار ، وذلك فيما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف سنة قبل المسيح

ولقد اصر العلماء ولا يزالون يصرون على القول بأن مدنية مصر شرقية الأصل . استهواهم القول القديم بأن الشرق مصدر كل عرفان ، على حين أنا لا نكاد تلمح شبة من الشبه بين المدنيتين فيما أبانت مستنداتهما من تعاصرهما .

لكنا أمام أخبار مصر المتواثرة وأمام شاهد من تاريخ ما نبتون وقد كتبه في عهد البطالسة ولم يصل إلينا منه سوى المنزر اليسير ، كالبيان المعروف عن أسماء ملوك مصر ، وهو بيان لا تزال المكشوفات الحديثة تزكيه وتؤيد منه دقة كان يرضي العلماء من قبل التشكك فيها . أقول ومانيتون يروى أنه كان في مصر ، من قبل مينا رأس الأسرة التاريخية الأولى ، أسر إلهيئة من أبناء حوروس هي التي أنشأت في مصر دينها وعلمها وقتها .

وإذا كانت الجيولوجيا قد أمدتنا بما لم نكن نتوقع من تأييد لما رواه افلاطون ، فان علوم ما قبل التاريخ وهي علوم حديثة العهد : قد جاءتنا بما يؤيد رواية مانيتون ، فقد أسفرت مباحث ما قبل التاريخ عن وجود آثار لقبائل نيوليطيقية من صائدى الحيوان والسمك ، وجدت هذه الاثار على طول وادي النيل في الهضاب المطلة عليه . ثم إن ماوجد في منطقة حلوان من مقابر أقدم من عصر الأسر يدل على قيام مدنية راقية استكملت في عهد الأسر التاريخية الأولى أكمل حظها من الازدهار .

إذا تقرر هذا فمن أين جاء أولئك الموك الإلهيون الذين أمدوا سكان وادي النيل البدائيين بدين أساسه عبادة الشمس ويغني الهندسة والزراعة الذين أجريا الخصب في الوادي والدلتا حتى جعلا من أرض مصر جنانا نضرة ؟ هنا ايضا نجد الجواب فيها تواتر من الأخبار الدينية . لقد قدم الملوك الإلهيون من الغرب ، ثم إلى الغرب موطن الأجداد ،

نعم إلي متي ذلك اللغز الغامض ، كان مصير فرعون بعد أن تحوله الطقوس الجنازية فتجعل منه أوزيس .

في هذا الغرب كانت أطلنطه . وليكن لنا على بال أن اختراق تلك القارة العتيدة كان في عصر ما يسيرا خلوا من المصاعب المعروفة ؛ فهذه لم تكشفه إلا في عهود جد متأخرة ، ذلك أن الصحراء اتي عليها زمن كانت فيه على غير ما تعهده الآن ، كانت تشقها الأنهار وتتخللها البحيرات ، كانت أشبه بأرض معشبة مترامية الأطراف فيها الغابات وعليها تعيش جموع من ذوات الثدى عثر الباحثون عليها متحجرة حول بحيرة قارون .

وفي الصحراء الكبرى آثار تشهد بأن أهل أطلنطه فروا على أثر النكبة التي حلت بجزيرتهم واخترقوا أفريقية مشرفين حتى استقروا في وادي النيل ؛ فإذا لم نسلم بصحة هذا الافتراض فإننا نعجز عن تعليل ما في بعض الطوائف الافريقية كالمهل مثلا من خصائص وما يشاهد في تلك النواحي من آثار حضارة قديمة فيها عناصر الحضارة الفرعونية .

(للبحث بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية