الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 464الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الأسبوع، الانتقام، (قصة لجى دى موباسان)

Share

كانت أرملة "باولو سافيريني" تعيش في عزلة عن الناس مع ولدها في بيت صغير حقير. بالقرب من مدينة "بونيفاشيو"، تلك المدينة التى تقوم في سفح الجبل، والتي تطل من بعض جهاتها على البحر، خلال مضيق تحف بجانبيه الصخور. وهو أوطأ مكان في جزيرة "سردينيا".

وهناك في الجانب الآخر، وتحت أقدام تلك المدينة، فجوة في الجرف تكاد تحيط بها إحاطة تامة وهي فجوة إذا رأيتها حسبتها دهليزا هائلا. وهي تقوم المدينة مقام ميناء لها.

وتلك الفجوة تؤدي إلى أول ما يلق السائر من بيوت المدينة. وما تلك البيوت إلا قوارب صيد السمك لملاكها من أهل إيطاليا وسردينيا.

وفوق الآكام البيض تقوم حفنة من البيوت، هي أشد بياضا من تلك الآكام. وهي لرائيها كأنها أعشاش الطيور الأوابد. ألصقت فوق تلك الصخور إلصاقا. وهي تطل على ذلك الممر المائى المخيف الذي قلما تجرؤ السفن على دخوله، إذ تعصف الريح هناك عصفا لا هوادة فيه. وهي تعكر هدوء البحر. كما تعكر صفو الساحل العريان، إذ هي تقضمه من كل جانب فلا تبقى إلا على قليل من النبت الأخضر.

وكان بيت الأرملة "سافيريني" ملصقا إلى حافة الحرف، وكانت شبابيكة الثلاثة تطل على ذلك الأفق المنعزل. وكانت تقيم هناك مع ابنها "أنطوان" وكلبتها "سميانت". وهي

كلبة مديدة الجسم نحيفة ذات شعر طويل خشن. وهي من ذلك الصنف الذي اختص بحراسة القطعان.

وكانت تلك الكلبة تقوم على خدمة ذلك الشاب أثناء الصيد.

وفي ذات ليلة قتل أنطوان غيلة بطعنة خنجر تلقاها من يد من يدعي نيكولا رافولاني، على أثر عراك دار بينهما، وقد عاد القاتل إلى "سردينيا" في تلك الليلة.

ولما استقبلت الشيخة جثة وليدها التي جاء بها إليها بعض المارة لم تبك عيناها. بل ظلت لا حراك بهما زمنا طويلا وهي تنظر إليه. ثم بسطت يدها المعروقة فوق جثته وأقسمت لتنتقمن له.

ثم رغبت الشيخة في أن لا يبق إلي جانبها أحد. فأقفلت باب بيتها الذي احتواها هي وكلبتها . والذي ضم جثة وليدها.

وعوت الكلبة. وتتابع نباحها تحت أقدام السرير. ومدت رأسها إلى حيث ترقد جثة صاحبها. وأخفت ذيلها بين أرجلها، ثم ظلت ساكنة لا تأتي بحركة كما فعلت أمه، وقد ارتمت فوق الجثة وعيناها مثبتتان. وهي تبكية أحر بكاء.

وقد استلقي الوليد القتيل على ظهره. وهو مرتد بذلة رمادية اللون وقد تمزقت. وسال منها الدم على صدره، وقد بدا وكأنه قد أخذته سنة من النوم.

وكان الناظر إليه يري الدم في كل مكان من جسمه وملابسه؟ فعلى قيمصه دم، وعلى صدرته دم، وعلى سراويله دم، وعلى وجهه دم، وعلى يديه دم.

وكذلك قد تخللت بقع من الدم المتجمد لحيته وشعر رأسه. ثم بدأت الشيخة تكلمه. وكانت الكلبة قد كفت عن النباح، فقالت الشيخة: تعال يا ولدي تعال! فأني سوف أنتقم لك يا صغيري. يا ولدي يا طفلي المسكين.

ونم آمنا. فإني آخذة بثأرك. فهل أنت تسمعني! إنها أمك التى تقطع على نفسها العهد! وهي إذا قطعت على نفسها عهدا أوفت بعهدها. وأنت من هذا القول على ثقة!.

ثم انحنت عليه في حنان ورفق. وألصقت شفتيها الباردتين بفمه الذي فاضت منه الحياة. وعندئذ بدأت الكلبة تعوي وتنبح مرة أخرى. وكان عواؤها يثير كوامن الحزن والأسي.

ثم ظل الثلاثة - الجثة والشيخة والكلبة - في مكانهم جاثمين حتى الصباح.

وفي اليوم التالي دفن "أنطوان سافيريني" وسرعان ما أمسك القوم في مدينة "يونيفاشيو" عن التحدث عنه، فلم يكن له أخ أو قريب. ولم يترك وراءه رجلا يثأر له وينتقم من قاتله. فكانت الأم الشيخة هي التي فكرت وحدها في أن تأخذ بثأره.

وكانت تتراءي لها في صباح كل يوم ومسائه على الضفة الأخرى من المضيق بقمة بيضاء في الأفق. وكانت تلك البقمة هي القرية السردينية الصغيرة "لونجوساردو" حيث كان يلتجيء قطاع الطريق من أهل "كورسيكا" كلما جد الشرطة في طلبهم.

وقد كان قطاع الطريق هؤلاء هم كل سكان تلك القرية الصغيرة التى تقوم قبالة بلادهم الأصلية. وكانوا يظلون بها منتظرين ساعة العودة إلي أوكارهم.

. وقد علمت الشيخة أن تلك القرية قد اتخذها قاتل وليدها ملجأ ومثاب أمن.

وفي محبسها الذي ظلت رهينته طول الأيام. كانت ترنو ببصرها في الغداة والعشي - وهي جالسة قبالة شباكها - إلي تلك القرية وهي تفكر في الانتقام.

وكانت تقول لنفسها: كيف تستطيع أن تأخذ بثأر وليدها دون مساعد أو معين، وهي التي اضنتها العلة وتوالت

عليها الأوجاع. وقد أشفت على الموت وأشرقت؟

ولكنها قد قطعت على نفسها عهدا. وقد أقسمت فوق جثة ولدها على أن توفي بعهدها. فهي لن تستطيع أن تنسى. وهي لا ينبغي لها التأجيل والتسويف.

فكيف تفي بما فرضت على نفسها؟ إنها تظل الليالي ذوات العدد حليفة سهد وأرق، وهي لا تعرف طعم الراحة ولا طعم الهناء. وقد فكرت وأطالت التفكير في إصرار وعنف. وكانت الكلبة ترقد تحت قدميها، وكانت ترفع رأسها أحيانا وهي تنبح الأفق البعيد. وهي تنبح هذا النباح منذ غاب سيدها وكأنها تناديه. وكان تلك الكلبة قد استحال عليها العزاء والتأسي. وكأن ذكري من ذكرياته قد علقت بروحها فلا يستطيع الزمان لها محوا، وكأنها تشكو الوجيعة لما مات راعيها.

وفي ذات ليلة وقد بدأت الكلبة تنبح نباحها الذي وصفت مر بذهن الأم خاطر مفاجئ، خاطر قوامه التوحش وحب الانتقام والعنف. وظل ذلك الخاطر يراود عقلها حتى الصباح.

فلما قامت من مرقدها أخذت طريقها إلى الكنيسة وأدت فرض الصلاة. وركعت متوجهة إلى الله. مبتهلة إليه أن يكون لها عونا وعضدا. وأن يؤتيها القدرة على الانتقام لولدها الذي قتل.

ثم رجعت أدراجها وأمسكت بيرميل كان في فناء بيتها - وكانت تعده لتلقي ماء المطر من ميازيب المياه - وأفرغت ما فيه ثم قلبته. ثم ثبتته في الأرض بأسناد وأوتاد. ثم ربطت الكلبة إلى ذلك البرميل وقيدتها تقييدا.

ثم دخلت غرفتها وظلت تمشي جيئة وذهابا. لا تكل ولا تمل، وعينها لا تني عن النظر إلى ساحل "سردينيا" وهي تقول لنفسها: إن القاتل هناك!

وظلت الكلبة تنبح ليل نهار. وكانت الشيخة تحمل

إليها قليلا من الماء في الصباح. ولكن لا شئ غير الماء. فلا حساء ولا خبز!

ومضى النهار . وبرح بالكلبة الجوع ، فأسلمها الضعف إلى النوم. وفي اليوم التالي كان لعينيها بريق. وأصبح شعرها خشنا. ثم حاولت محاولة البائس أن تفك عنها القيد.

وعلى الرغم من ذلك لم تعطها الشيخة شيئا تأكله. فأصاب الكلبة سعار الجوع، فطفقت تنبح نباحا يبعث الرعب والخوف. ثم ذهبت الشيخة إلي بيت جار لها. وطلبت إليه أن يعطيها حزمتين من القش. وجاءت بخرق قديمة، وهي بقية مما كان يلبس زوجها، وجعلت القش حشوا لها، وشكلته في صورة مخلوق آدمي، ثم جاءت بعصا. ودست أحد طرفيها في التراب، وأسندت إليها ذلك التمثال ثم جعلت لهذا التمثال رأسا من قماش.

فبدا العجب على الكلبة، ولو أن الجوع كاد يقتلها. ونظرت إلي ما شبه لها أنه مخلوق آدمى

ثم غدت الشيخة إلى الجزار. واشترت حبلا طويلا من السجق الأسود، ثم عادت إلي البيت، وأوقدت في فناء البيت نارا وأنضجت هذا السجق.

فهاجت معاطس الكلبة لرائحة الشواء وسال لعابها، ولم تعد عيناها عن اللحم، وقد ملأت رائحته أحناء جوفها.

ثم قفت الشيخة، بأن جعلت من هذا السجق الذي يطمر منه الدخان رباطا لرقبة ذلك التمثال. ثم لفته حول رقبته لفة بعد لفة. فلما اتمت عملها فكت القيد عن الكلبة.

وفي قفزة مروعة استلمت الكلية الجائعة حلق التمثال وأنشبت مخالبها بين كتفيه، وطفقت تمزفه كل ممزق.

ثم أقمت وفي فمها قطعة من فريستها. ثم أعادت الانفضاض وظفرت بقطعة أخرى من اللحم. ثم أقمت مرة ثانية وقد بلغ بها السعار مبلغه.

ثم انهالت على وجه التمثال عضا ونهشا، ومزقت رقبته تمزيقا.

وظلت الشيخة تنظر وترى وهي صامتة لا تتحرك، وقد برقت عيناها.

ثم أعادت الكلبة إلي القيد. ثم أجاعتها مرة أخري يومين متتابعين وأعادت كذلك حكاية التمثال والشواء.

وظل هذا الحال حالها ثلاثة أشهر حتى اعتادت الكلبة هذا اللون من الكفاح وحتى اعتادت ذلك الطعام الذي تظفر به بحد الأسنان وقوة المخلب.

فلما اطمأنت الشيخة إلى بلوغ الكلبة تلك الدرجة من المران فكت القيد عنها. وكانت تومئ إليها بالانقضاض على التمثال فكانت تكفيها الإشارة.

وقد علمتها أن تمزق التمثال وأن توسعه نهشا وقضما بغير أن تعلق في رقبته شيئا يؤكل. وكان جزاء الكلبة بعد الفراغ من ذلك التمزيق والنهش قطعة من السجن كانت تعدها لها من قبل.

وأصبحت الكلبة كلما رأت التمثال تنبح وترنو ببصرها إلى سيدتها التي كانت تصرخ قائلة: عليك ان تنشبى مخالبك! وكانت تقول هذا القول في صوت هو بالصفير أشبه. وكانت ترفع إصبعها علامة البدء.

ولما أيقنت الشيخة أن قد آن الأوان للانتقام مضت ذات صباح إلى الكنيسة فاعترفت لقسيسها. وأدت طقوس "التناول" في تقي وورع بالغين.

ثم عادت إلي بيتها فلبست ملابس الرجال. وبدت في زي رجل تقدمت به السن ووهن العظم منه.

ثم مشت في صحبة أحد صيادي السمك من أهل "سردينيا" فمضى بها وبكلبتها إلى العدوة الأخرى من المضيق.

وكانت تحمل في حقيبتها قطعة كبيرة من السجق،

وكانت الكلبة صائمة منذ يومين. وكانت الشيخة تقرب بين لحظة وأخرى السجق إلى أنف الكلبة لتهيج معاطسها ويشتد بها القرم.

ثم دخل المركب مدينة "لونجو ساردو" وذهب الصياد إلي إحدي الحانات وذهبت هي إلى دكان خباز. وسألته أين يقيم "نيكولا رافولاني" فقال لها: إنه عاد يعمل نجارا كما كان من قبل. وهو يعمل منفردا وراء حائط دكانه. فذهبت المرأة وفتحت الباب ونادت: ها أنت  "يانيكولا" وهأنذي! فاستدار لكي يستقبلها فما لبثت أن فكت القيد عن الكلبة.

وصرخت تحرضها وتقول لها: انهشيه نهشا ! ولا تبقى منه شيئا.

فانطلقت الكلبة وقد ثار ثائرها. وانقضت على رقبته، فمد الرجل ذراعيه وأمسك بها في قوة وظل يتدحرج على أرض المكان. ثم ظل بضع دقائق بتلوي من فرط الألم وهو يضرب الأرض برجليه. ثم هدأت حركته. وظلت الكلبة تعمل مخاليها في رقبته حتى مزقتها تمزيقا.

وقال جاران كانا يجلسان أمام بيتهما: إنهما يذكران كل التذكر أنهما رأيا رجلا هرما يخرج من الدكان، وإلى جانبه كلب اسود. كان يأكل وهو في طريقه شيئا أسود، كان يأخذه من كف سيده.

وفي تلك الليلة عادت الشيخة إلي بيتها قريرة العين ونامت ليلتها أهنأ رقاد وأنعمه (مترجمة)

اشترك في نشرتنا البريدية