جلس في ظلمة الليل يرنو إلي السنة اللهب التي كانت تعكس على وجهه معنى رهيبا. ولقد كان هناك تجاوب شديد بين هذه النار ونار أخري كانت تتراقص ألسنها في جوفه. كان يشعر وهو محاط في أعماق الغابة بالصمت والحزن والظلام، كما لو كانت كارثة عظمي قد نزلت بالعالم؛ فهدأ وميض النجوم وحفيف الأغصان أمام ما نشرته هذه الكارثه من ثكل ويتم وبوار.
والحقيقة أن كارثه مهولة كانت قد نزلت بهذا الجزء المجهول من العالم، الذي صب عليه آلهة المادة نقمتهم وغضبهم، ولكن صاحبنا لم يكن يفكر في شئ من هذا، وإنما كان يفكر في أخيه الذي رآه بعيني رأسه
يتخبط في دمائه تحت طلقات الرصاص التي أفرغها في رأسه وصدره قائد أسباني غليظ، فترك المدينة هائما على وجهه إلي أن استقر به المقام هنا، فلما أدركه الليل أوقد هذه النار ليبادلها الحديث في صمت الغابة وظلامها البهيم.
وأي حديث! حديث ذكريات الصبي يوم كان هو وأخوه يؤنسان البيت بلعبهما وضجيجهما، وما كان يضمره من الحب لهذا الأخ الحنون الكريم، والحزن للكارثة التى حلت بأبيه وأمه، والملل من الحياة بعد أن أصبح فيها وحيدا، والغضب لتلك الصورة البشعة التي لقى عليها أخوه حتفه القاسي. أيقتل ذلك الأخ الوديع الرحيم كما تقتل الكلاب الشريرة على قارعة الطريق؟ وهكذا تضارب في نفسه الحزن والملل والغضب، وثارت هواجسه إلي أن أصبحت ألسنة اللهب عاجزة عن متابعة الحديث.
كان أخوه جنديا أسره الأسبانيون في إحدي الوقائع
وأرغموه على الالتحاق بخدمة ضابط برتبة جنرال، وكان هذا الضابط خير وارث لتلك الأحقاد التاريخية الصبيانية التي يضمرها الاسبانيون للمرا كشيين، فتفنن في التنكيل به وفي إذلاله. كان يرغمه على أن يلبس ثياب النساء، ويحمل القاذورات بيديه؛ وأرسل الأسير ذات يوم يطلب زيارة أخيه ليستشيره، وبينما كان الاثنان يتجادلان، باغتهما الضابط وأرسل سيلا من السباب في وجهيهما. ثار الأسير ثورة جامحة بائسة، فأجابه الجنرال بثورة مماثلة ولكن بواسطة مسدسه.
برقت عينا محمود فجأة، وهو يرنو إلي النار، وأحس بصوت يهتف به من أعماق نفسه: "إلي جيش عبدالكريم" هذا هو النداء الذي طغى عليه، وكان قويا غامرا حتى خيل إليه أنه يسمع صداه يتردد في أنحاء الغابة مدويا مجلجلا.
لم تصرفه المعامع التي خاضها في الجيش المراكشي الباسل عن التفكير في الجنرال السفاك، بالرغم من توالي الانتصارات، وقد طال الزمن، ولذلك عزم على زيارته في غارة مباغتة.
كانت العادة أن تفاجيء مدينة نطوان من آن لآخر عصابة مسلحة قوية لتحطيم المراكز الحيوية، ومغادرتها قبل أن ينتبه الأسبانيون، ولا سبيل إلي زيارة الجنرال إلا أثناء غارة من هذه الغارات.
دخل المدينة على حين غفلة من حراسها أثناء الليل، في جماعة من الجنود ولم تكن هذه مهمة صعبة، لأنه لم يكن من السهل تمييز أنصار عبد الكريم المحاربين، ودخل حديقة المنزل بعد أن خدع الحارس، ثم تسلل إلي الداخل فوجد الغرف كلها ساكنة مظلمة إلا واحدة، فتقدم إليها وأخذ يتنصت فإذا بصوت غليظ يقول مخاطبا شخصا آخر وكان الصوت متقطعا منهوكا كأنه الحشرجة:
"اسمعي يا ابنتي! لقد دوخنا هؤلاء الأوغاد، أبناء الجبال وقطاع الطرق. إن المسدس الذي صرعت به عشرات منهم لم يعد يشفي لي غليلا. هؤلاء الصعاليك الذين جللوا بنات أسبانيا الجميلات بسواد الحداد، كما فعلوا حينما نازلونا في بلادنا من قبل. لن يلذ لي نوم إلا بعد إحراق بضعة آلاف منهم وهم أحياء. نعم، سوف تتخطفهم لعنة أسبانيا مهما صمدوا للقتال، وسوف تشرق الشمس ذات يوم ومرا كش كلها راكعة عند قدمي أسبانيا، تكفر بذلها ومهانتها عن هذه الدماء الزكية التى سفكتها. إننا نكسب الآن نقطة ارتكاز في الشمال للزحف على هذه البلاد كلها، ولسنا نفعل ذلك لاستعمارها بقدر ما نفعله للقضاء عليها وأخذ ثأرنا القديم منها. آه يا ابنتي! إن ما أريده هو أن أضرم النار بيدي في شخص واحد منهم على الأقل قبل أن أموت".
هنا فتح الباب بضربة قوية من رجل محمود، فإذا بالجنرال المخمور أمام الخطر الداهم، فقام مترنحا، ولكن رصاص المسدس أرجعه إلي مقعده، وصحب ذلك صراخ الفتاة، فوثب إليها محمود ليخنق صوتها، وخشي أن تفضحه إذا هو تركها، فسحبها من يدها فلما اعترضه الحارس أرداه، ثم قفز بها إلى ظهر الفرس، وانطلق بها في شوارع المدينة في جرأة وبراعة، بحيث لم يفطن أحد لما حدث إلا في صباح اليوم التالي.
أقامت ماريا مع محمود في كوخه قريبا من خطوط النار، كأنها الهرة الشرسة، ولكنها لم تجرؤ على الهروب خوفا من أن يمزقها الرصاص. كان يرجع إليها كل مساء لتنغص عليه الليل بالبكاء والعويل، ولم يكن يقيم لها وزنا في أول الأمر، ولكن صورتها الجميلة ما لبثت أن بدأت تتسرب إلى نفسه قليلا قليلا، إلى أن بدأ يعطف عليها، فلم يزدها ذلك إلا شراسة، ثم شعر بالحب يهمس في أعماقه،
ثم هام بها إلي أن هيمنت علي فكره حتى في خطوط النار. ومرت شهور، فإذا بها هي أيضا تحس نحوه بشعور مبهم لم يكن من السهل تجاهله، ولكنه قاتل أبيها. - إنك قاتل أبي يا محمود، إنك سفاك مروع، فكيف يعرف الحب إلي قلبك السبيل؟ - ولكن أباك هو البادىء، ألم يقتل هو أيضا أخي، وليس بإنسان من لم يأخذ بثأره. - وإذا فلا سبيل إلي ما ترمي إليه، لقد فصلت بيننا الأيام يا محمود.
كان جسمها يطفح بالأنوثة والنعومة والجمال، أما هو فكان مثالا للرجولة والمتانة والقوة، وكان مع ذلك رقيق العاطفة، فلم تكن لتخطئ الإخلاص الذي يغمر قلبه، لأنها كانت نافذة البصيرة. ومرت الأيام فإذا بكل واحد منهما يهيم حبا بالآخر بعد أن لم يعد هناك مجال للمكابرة وتجاهل ما يخفق به القلب، وهكذا تلاشث الأحقاد وانمحت معالم الدماء في حياتيهما.
ولكن ماريا ضاقت ذرعا بالحياة في هذا الكوخ الحقير، وبهذا الشدوذ الذي باتت فيه حياتها، إنها تعرف أنه أنقذ حياتها في نفس الوقت الذي أراق فيه دم أبيها، وقد فكرت في المكر به وقتله خيانة، ولكنها بعد أن أحكمت المؤامرة خانتها عواطفها؛ وكان محمود يعرف أن في استطاعتها أن تقتله، فقد كان ينام ملء جفونه وإلى جانبه أسلحة مختلفة، ولكنه مع ذلك لم يفكر في حماية نفسه منها.
- لنتزوج يا ماريا. - محمود، أرجوك، لقد قتلت أبي كما قتل أبي أخاك، ولن نستطيع أن نتجاهل هذه الحقيقة الدامية مهما عشنا سعيدين، إنك وديع ورحيم بالرغم من الدماء التي سفكتها. وإنني لأستغرب كيف يكون مثلك مرا كشيا، فأرجعني إلي قومي يا محمود، لست أستطيع أن أعيش هنا أكثر مما فعلت.
كانت تبكي وتنتحب في حزن عميق وقد عصف بقلبها الحب والألم، ولكن محمودا كان عاجزا عن تنفيذ رغبتها، وتقدمت الأيام فإذا بماريا تشحب، وإذا بها عاجزة عن مقاومة هذه التيارات المتضاربة في نفسها، فعرتها الشراسة من جديد، وأرغمه ذلك على أن ينزل عند رأيها بعد أن تيقن بأن كل محاولاته قد ضاعت سدي.
وبكيا وهما يستعدان للفراق وسارا في الطريق صامتين حزينين، ولكنهما معا كانا مؤمنين بأن هذا هو الحل الوحيد، وتسلل بها داخل خطوط النار معرضا حياته للخطر، ثم اقترب بها من المدينة معرضا نفسه لخطر أشد؛ وهناك في منحدر قريب منها وقف ليودعها، فإذا بهما ينتحبان والألم يمزق نفسيهما. وفجأة، قفزت إليه وعانقته في حرارة وشدة، ثم انطلقت نحو المدينة مهرولة إلى أن غابت عنه وهو واقف يرنو إليها بعينين دامعتين.
انتهت الحرب الآن وماريا تزحف نحو الأربعين من عمرها، وقد عرفت رجالا كثيرين، ولكن أحدا منهم لم يشغل من نفسها مكانة قاتل أبيها، ولذلك فإنها فضلت أن تعيش عذراء. بيد أن الأمل لم يمت في نفسها أبدا. بل ما تزال إلي الآن تجوب بوادي مرا كش ومدنها باحثة عن محمود، وهي تزور مكان الكوخ القديم الذي عاشت فيه مع حبيبها ثلاثة شهور هي أسعد أيامها، بالرغم من أنها كانت أسيرة، وبالرغم من الخطر الذي كانت محفوفة به. وإذا كانت تذكر أباها والصورة التي لقي عليها حتفه، فهي تعرف أن المقادير - مقادير الغزو والفتح - هي التي كتبت هذا الفصل من حياتها بقطع النظر عن أبيها وعن محمود.
وهي بعد ذلك ما تزال أسيرة، ولكن الذي أسرها هذه المرة هي الحوادث والأيام.

