قال جون بريدل وهو عزب قديم قضى حياته كلها لا يحفل بشيء : " إن أعظم المآسي لا تحزنني إلا قليلا ! لقد شهدت الحرب عن كثب ، وطالما مشيت على جثث الموتي دون رحمة . فان أعمال الطبيعة الوحشية القاسية التي تجعلنا تصرخ صرخات الفزع لا تهز أفئدتنا ولا ترسل الرعدة في أجسامنا كتلك المناظر الصغيرة العابرة التي تمتلئ بها الحياة . ولا شك أن أقصى الحزن هو ذلك الذي تحسه الأم لفقد طفلها ويحسه الابن لفقد أمه . فهو حزن شديد طاع يحز في النفس ويترك فيها جراحا ، بيد أن الإنسان يبرأ من مثل هذه المصائب كما يندمل الجرح الكبير النازف ، لكن هناك حادثات صغيرة تثير فينا سيلا من الأفكار الحزينة وتفتح أمامنا باب العذاب النفسي ، عذاب شديد بقدر ما هو غامض ، عميق وإن كان خافيا ، وشعور بالأسي وإحساس بالفسق بلازمنا طويلا ، وهناك حادثة من ذلك النوع ، قديمة ولكنها تلازمني كأنها حدثت بالأمس . إنني الآن في الخمسين من عمري . وقد كنت أيامها صغيرا وكنت كثير التأمل للطبيعة . حزينا قليلا وحالما قليلا وتملأني فلسفة الحزن ، فلم اكن أحفل بالمقاهي المضيئة ولا بالأصدقاء المرحين ولا بالفتيات الطائشات . كنت أستيقظ مبكرا فأقوم بجولة حوالى الثامنة صباحا في منتزه اللكسمبورج وحدي . وربما لا تعرف ذلك المنتزه ، كان جميلا كالبسمة على الشفاء وكانت المماشي المستقيمة المنتظمة تمتد بين صفين من الأشجار المتناسفة شذبتها جناية مقصات الحدائق الكبيرة ، أو بين أحواض الزهر الجميلة ، وكانت النحل تتخذ لها ركنا بأكمله في هذا الدغل البديع ، ونسكن في بيوت من القش تستقر جناية على ألواح الخشب .
وكان هناك ركن لا تصل إليه إلا من فتحة في السياج ، فكنت أذهب إليه كل صباح وأجلس على مقعد أقرأ ، وأحيانا أدع كتابي يقع على ركبتي بينما أسبح في الأحلام وأستمع إلى صوت باريس يأتيني من بعد ، وأشعر بالاطمئنان التام إذ تحوطني تلك الصفوف من الأشجار العتيقة ، ولكنني أدركت بعد حين أنني لست الوحيد الذي يؤم المكان ، فقد كنت أصادف من وقت لآخر وجها لوجه رجلا كبير السن يلبس حذاء ذا أبزيم ذهبي وسروالا له ذيل ، وحلة بلون الدخان ويضع شريطا بدل ربطة العنق وقيمة قد بليت حافتها . وكان نحيفا ، نحيفا جدا ، وعصبيا ، فهو تارة يبتسم وتارة يعبس ، وكانت عيناه المضيئتان تقعان على الدوام وهما دائمتا التحرك ، وكان عمل دائما عصا فخمة ذات مقبض من الذهب ولابد أنها هدية ، هدية ثمينة . .
ولقد أدهشني أمر هذا الرجل الطيب في أول الأمر ، ولكني أحسست بعد ذلك عبقة لا حد لها وأنا أرقيه من وراء سياج من الخضرة وأتتبعه عن بعد وأنا أقف وراء أكمه كيلا يراني ، فحدث ذات يوم وكان يظن نفسه وحيدا أن بدأ يقوم بعض الحركات ، قفزات صغيرة ثم انحناء ، ثم قوس رجليه المتراخيتين ثم استدار بمهارة كأنما يرتكز على محور وهو ينثني ويتأرجح بطريقة تبعث على السخرية ، وهو يبتسم كأنه أمام جمهور يشاهده ويرمي بتحيات رقيقة إلي الهواء . لقد كان يرقص . .
وظللت دهشا ذاهلا أسائل نفس : هل هذا الرجل مجنون ؟ ولكنه وقف فجأة وتقدم كما يفعل الممثلون على خشبة المسرح وانحني ثم خطا بضع خطوات إلى الخلف وهو يبتسم
ابتسامة الممثل الهزلي ويلقي قبلات يديه المرتعشتين إلى الصفين من الأشجار الجميلة . وبعد ذلك استأنف سيره في جد .
ومنذ ذلك اليوم ظلت أتبعه وهو يعيد هذه الحركات بعينها كل صباح ، وتملكني رغبة قاهرة في أن أتحدث إليه ، فتشجفت وانحنيت ثم قلت له . . إنه ليوم جميل . هذا اليوم يا سيدي .
فانحني . وقال : أجل ياسيدي . . إنه يذكرني بجو الأزمان الخوالى . .
وما انقضي أسبوع حتي كنا صديقين وعرفت قصته ، لقد كان الراقص الأول في الأوبرا منذ أيام لويس الخامس عشر . وعصاه الجميلة منحة من الكونت دى كارمونت . وكان إذا تحدث عن الرقص لم يفرغ حديثه أو تنضب جعبته . وكان قد وثق بي حين قال : لقد تزوجت لا كاستريس يا سيدي وسأقدمها إليك لو أردت ، ولكنها لا تأتي هنا مبكرة كما أفعل . إن هذه الحديقة كما تري متعتنا وحياتنا ، فهي كل ما بقي لنا من الأيام الماضية ، وإنه ليخيل إلينا أننا ما كنا نستطيع العيش لو لم تبقى لنا ، إنها قديمة ولكنها ممتازة ، أليس كذلك ؟ هنا استطيع أن أستنشق نفس الهواء الذي استنشقته أيام شبابي ، وأنا أحضر مع زوجي كل يوم في الأصيل ، ولكنني أحضر ثانية في الصباح وحدي لأني أستيقظ مبكرا . .
وفي الأصيل عدت إلي اللوكسمبورج ، ولمحت صديقي يمنح ذراعه في احتمال كبير لسيدة عجوز ترتدي السواد قدمها إلى . وكانت هي لا كاستريس الراقصة العظيمة التى أحبها الملوك والأمراء وكل من عاش في ذلك الزمن الجميل الذي كان معطرا بشذي الحب .
وجلسنا على مقعد وكنا في شهر مايو ورائحة الأزهار تعبق الجو والشمس تنتشر كبقع كبيرة من بين أغصان الأشجار ، وكانت الحديقة خالية وصوت العربات يصلنا من بعيد . . وقلت للراقص القديم . . هل تستطيع أن تشرح لي كيف كان رقص المينوت ؟ . .
فأجاب على الفور . . " المينوت " يا سيدي . . هي ملكة الرقصات ورقصة الملكات . هل تفهم ؟ أما وقد انقضي زمن الملوك فلم يعد هناك اليوم مبنوت !
" ثم بدأ يثني على هذه الرقصة ويشرحها في مباهاة شرحا لم افهم منه شيئا ، وأردت أن الخطوات والحركات والسكنات ، فاضطرب بأنه قد فقد قوته . ولكنه قال فجأة في عصبته وهو يلتفت إلى العجوز التى ظلت طوال الحديث سامة في جد :
- أليس : هل ؟ . أقول هل تتكرمين بأن تدري هذا السيد كيف كان المبنوت حقيقة ؟ . . فأدارت عينيها الهادئتين في كل ناحية ثم قامت دون أن تنبس بكلمة ووقفت أمامه ، ثم شاهدت شيئا لا يمكن أن ينسى
لقد بدأ يتحركان إلي الأمام وإلى الخلف في خفة الطفل ويتقلبان وينحنيان ويقفزان كدميتين صنعهما صانع ماهر منذ زمن بعيد تتحركان حركة ميكانيكية ، ولكنها فسدت قليلا علي مر الأيام . .
كنت أشاهدهما وقد استولي على حزن عميق ، كأنني أري مشهدا فكاهيا مؤثرا ، ولم أدر أهي الرغبة في الضحك لتملكني أم الرغبة في البكاء . ولما انتهيا من الرقص وقفا بضع ثوان أحدهما الآخر وهما يبتسمان في حنان ثم تعانقا في هدوء . .
وغادرت بعدها بثلاثة أيام إلى الريف ، فلم أرها بعد ذلك فلما عدت بعد سنتين كانت حديقة اللكسمبورج قد أتلفت . تري ماذا فعل الزوجان الهرمان بعد أن فقدا الحديقة العزيزة التي تذكرهما بالأيام السالفة ، بتعرجاتها والمماشي التي تظللها الأشجار . . هل ماتا ؟ أم هل هما يضطربان في الشوارع الحديثة كأنهما منفيان لا أمل لهما في العودة إلي الوطن ؛ أم تراهما يرقصان في مكان ما ، يرقصان رقصة المبنوت بين أشجار السرو إلى جانب المقابر في ضوء القمر . . إن الذكري تضنينى . . وتلازمني كأنها جرح يأبى أن يتدمل . لم ؟ لست أدرى ربما نجد هذا الأمر غريبا . أليس كذلك ؟

