قال محدثي : يرجع عهد ما سارويه لك الى قرابة الثلاثة عشر عاما ، حين كنت فى منتصف العقد الثاني من عمري . وكنا سبعة او ثمانية شبان ، نعود أثناء كل عطلة صيف الى قريتنا الذي تأوي الى سفح الجبل ببلاد القبائل الجزائرية . وذلك بعد ان تنتهى السنة الدراسة التى نقضيها فى المدينة ومدرستها الثانوية . . المدرسة التى لن أنساها ما عشت ، لانها علمتني الحقد منذ اليفوعة ، واذاقتني مرارة الظلم والاستبداد ، أيام كانت نفسي أكثر ما تكون استعدادا للابتسام للحياة . ولهذا كله قصة اخرى ندعها الآن .
رجعنا إلى القرية فى تلك السنة كما نرجع كل عام ، لنشاهد صورا من نوع آخر للظلم والحيف
. . . كنت وبقية رفاقي نجتمع هنا أو هناك في أي وقت من أوقات النهار شأن من لا شغل له . الى ان صادف ان جمعنا موعد يد كان تاجر من أقرباء احدنا فجرى الحديث بيننا نواحي
ولم يكن حديثنا يتناول غالبا سوى مشاكلنا الدراسية ، وما نعانيه من ظلم قيم المدرسة وغطرسة أساتذتها وحيفهم
الى أن جاءت أخيرا المشكلة الخالدة التى لم يمر اجتماع لنا بدون ان تحضره وتأخذ فيه مكانا مرموقا . فاحيانا كان البعض يعنى بطرحها ، وتذكيرنا بان من الواجب إيجاد حل لها . .
. . واخرى ترد بدون مناسبة ، فتأخذ من الجميع اهتمامهم وفى مجلسنا هذا دارت أحاديث كثيرة لا أتذكر منها الآن شيئا ، وإنما أتذكر ان (مولود) تطرق الى ذلك الموضوع حيث قال :
" والله إن الامر لاقوى مما يستطيع بشر تصوره . . شعب متحدر من صلب الامة العربية . . نبيه عربى وكتابه عربي . . وإخوانه يتكلمون ويكتبون العربية . . وهو لا يعرف منها حرفا ! ثلثا رجاله يجهلون مدلول كلمتى (لغة عربية) حدثوا اي انسان من غير الجزائر . . وانظروا هل يصدقكم بسهولة .
وسرعان ما تعضنت الجباه ، وانعقد ما بين الحواجب ، وغض كل منا بصره وكأنما شعر بالخزى .
وعاد (مولود) يقول بصوت خافت كمن أيقن ان لا حيلة له فى الامر - ولكنه ليس ذنبنا نحن . . مضروب على ايدينا ! هل هناك منها ولم نسع اليه ؟ وصاح صاحب الدكان فجأة : - آه تذكرت . . هناك واحد ! . . هل أدلكم عليه ؟ .. فسأل الجميع : من ؟ ! . .
ففتح صاحبنا عينيه فينا جميعا ثم شرع يقول : - هل تعرفون " دا منضور " الذي يسكن قرب العين وأشارت الرؤوس ان نعم فتابع : - . . وابنه الذي جاء من تونس أخيرا هل تعرفونه ؟ . . فبان التساؤل فى الاعين المصوبة الى الرجل فقال :
- طبعا لا تعرفونه . . كنتم صغارا عندما ذهب الى تونس منذ عشر سنوات ، ليتعلم هناك ، واليوم عاد شيخا عظيما ، يحفظ القرآن كله ، ويحمل شهادة كبيرة من جامع الزيتونة ، والعربية . . يعرفها ، كانما قد رضعها . . فلو سعدتم الله وطلبتم منه ان يعلمكم شيئا مدة هذه العطلة.؟
وكنا ننصت اليه باهتمام ، فما ان انتهى حتى هتفنا نفسا واحدا : انحل المشكل إذن!.
وانحل المشكل فعلا ، فقد وافق الشيخ على تعليمنا شيئا من مبادىء العربية والدين ، وسورا من القرآن الكريم ، وبدون مقابل ...
وشرعنا نفكر في مكان يليق لذلك ، فدلنا صاحبنا التاجر على مسجد صغير مهجور ، تابع لضريح أحد الاولياء
ونتجت عن ذلك مشكلة صغيرة ، فأرض المسجد لم تكن مفروشة ، ولذا يجب شراء حصير للجلوس عليه . واتفقنا على ان يدفع كل واحد منا 25 (سنتي) كقسط له في ثمن الحصير ، وكان لقطعة الخمسة وعشرين (سنتي) قيمة ومقدار حينذاك . وذهبت إلى والدي لاقص عليه الامر ، فاستبشر وجهه ، وأسرع بيده إلى جيبه لي قطعة ذات ٢٥ ( سنتى ) ، وهو يدعو لى بالتوفيق
واشتري الحصير ، وبدأت الدروس ، ولك أن تتصور كيف أقبلنا عليها . مضي أسبوع فقط على ذلك ، حين دخل علينا أثناء أحد الدروس ، مأمور من رجال السلطة ، فتلفت جميعنا إليه باندهاش بالغ . ولكنه لم يأبه لنا بل وقف يحرم وتوجه بكلامه إلى الشيخ قائلا :
- إن السيد (الكوميسار) يدعوك لمقابلة في الحين . فننظر إلينا الشيخ نظرة قلقة واستأذننا في تأجيل درسنا إلى الغد .
ولكن أحدنا لم يجد جوابا ! بل لبث كل على وجومه إلى أن انصرف الشيخ صحبة المبعوث ، فقمنا وذهب كل واحد إلى منزل له وفى نفسه قلق كبير .
تلك الليلة بينما كنت أتهيا للأيواء إلى فراشى، دخل والدي من سهرته بالمقهى . ولما رآني نظر إلى طويلا ، نظرة قلقة حزينة . وقبل أن أسأله الخبر أدار عينيه عنى وقال بمرارة :
- الشيخ في السجن - ماذا قلتها بما يشبه الصباح - رهن التحقيق وأخذوا الحصير وما وجدوا من كتب فأحرقوها قالوا ان اجتماعاتكم لا تبعث على الراحة . . . وإن منظركم يشبه منظر المتآمرين . لم يطف النوم بعيني تلك الليلة ، وكنت أسمع ، طوالها ، أبي يسعل من
حين إلى آخر ، أو يتنهد من أعماقه كلما تقلب فى مضجعه بالحجرة المجاورة
الشيخ محجوز ، والدروس معطلة ، وأثناء ذلك كنت أتقابل مع الصحاب ينظر بعضنا إلى الآخر نظرات خرساء تنضح يأسا وقلقا .
ودخل أبي في إحدى الليالي كعادته من السهرة ، ونظر إلى مبتسما ، فنظرت إليه مستطلعا ، ولكنه بادرنى بقوله :
- أطلقوه هذا المساء فاندفعت نحوه هاتفا : من ؟ ! الشيخ ؟ !
- نعم لم يجدوا دليلا لما زعموه من أنه محرض على الفتنة وانه.. إلخ والأن ما تركوه إلا بعد أن انذروه بانه سيكون المسؤول الوحيد ، فى حالة حدوث ما يعكر الامن ، وسيعتبر ذلك ناتجا عن دروسه الغير قانونية :
- ولكن يا أبي ، ما سمعنا من الشيخ ما يحرض على تعكير الامن . إنني لا أفهم
- ستفهم يا ولدي إنك لا تزال صغيرا ستفهم فيما بعد أن ذلك كله لس الا مناورات القصد منها افساد معنوياتكم ، والقضاء على رغبتكم فى تعلم العربية الذي تحمل العدوى ، عدوى مرض القومية ، التى يخافون منها ، ويقرأون لها الف حساب
وسكت والدي قليلا ثم مد يده إلى جيبه فأخرج منه قطعة نقود بيضاء ذات ثقب في الوسط فتناولني إياها ، وقال :
- هاك ٢٥ ( سنتى ) . . قسطك فى ثمن حصير جديد . وأخذت القطعة من يد أبي ، ثم نظرت إليه ، فابتسم لي ابتسامة لا استطيع أن اصف لك ما بذرت في من روح . ورفع يده الغليظة إلى كتفي فربت عليه برفق ، ثم قال لى بحنان :
- اشتروا حصيرا جديدا أعيدوا الجولة لا تيأسوا الله معكم ودار قاصدا حجرته لينام

