-٢-
وتوالت بعد ذلك حملات كوتسبوي ورسالاته ضد الجمعيات الوطنية وأمانيها وأعمالها؛ وقد كان يصدر فى ذلك بلا ريب عن خطة مرسومة ينفذها لحساب الحكومة القيصرية . وكان ساند يثور سخطا لهذه الحملات ويرى فيها خيانة وطنية شائتة، ويبدو من مذكراته أنه قد أخذ من ذلك الحين يتجه إلى عالم جديد، ويجول فى آفاق جديدة وأنه بدأ يصور لنفسه أنه قد ندب لتحقيق مهمة إنسانية جليلة؛ فتراه يكتب فى مذكراته فى أوائل سنة ١٨١٨، يدعو الله أن يعينه على تنفيذ فكرته فى إنقاذ الإنسانية، وأن يجعله مسيحيا منقذا لألمانيا، وأن يقويه على احتمال الآلام والمحن، ثم يكتب بعد ذلك فى شهر مايو ما نصه : " إن فكرة الوطن تقدم الغبطة والشجاعة لأشد الناس حزنا وأكثرهم ضعفا، وإنى لأدهش كلما تصورت أنه لا يوجد بيننا من تدفعه الشجاعة لأن يغمد خنجرا فى قلب كوتسبوي أو أى خائن آخر "
ونراه فى خاتمة هذا العام بدون فى مذكراته بصراحة ما اعتزمه من أمر خطير ، وهو فى هذه الفقرة يودع الحياة ويقول لنا إنه إذا قدر لقضية الإنسانية أن تنتصر ، وإذا
كانت ثمة بقية من العواطف الكريمة فى هذا العصر المجرد من الإيمان، فيجب أن يزول من الوجود هذا الوغد الخائن كوتسبوي مضلل الشباب ومزيف الوطنية؛ ثم يؤكد لنا أن عزمه قد استقر على الاضطلاع بهذا العمل العظيم .
وقد كانت هذه خاتمة مذكرات كارل لودفيج، والظاهر أن هذا المشروع المظلم قد استأثر من ذلك التاريخ بكل تفكيره، وبالرغم مما كانت تضطرم به نفسه يومئذ من ثورة وطنية ودينية جامحة، فقد استطاع أن حافظ على سكينته العادية، وأن يستمر فى دراسته بانتظام، حتى جاء شهر مارس من عام سنة ١٨١٩ .
ففى اليوم التاسع من هذا الشهر غادر ساند مسكنه فى بينا، وكان قد دعا أخص أصدقائه قبل ذلك بيومين، وأخطرهم بأنه اعتزم السفر لأسباب عائلية، وسار ساند إلى أرفوت، فايزناخ، ثم إلى فرنكفورت فدار مشتات ؛ ووصل فى صباح اليوم الثالث والعشرين إلى المرتفع المشرف على مدينة مانهايم؛ ثم دخل المدينة ونزل فى فندق فينيرج، وقيد نفسه فى سحل النزل باسم هنرى؛ وهنالك سأل عن مقام
كوتسبوي، وكان الكاتب الكبير يقيم يومئذ فى منزل فخم يقع على مقرية من الكنيسة الكبرى، فسار ساند إلى هذا المنزل فى نحو الساعة العاشرة، ولما سأل عن كوتسبوي قبل له إنه يتريض فى بستان مانهايم، فاستفهم عن صفته وزيه، ثم ذهب إلى البستان يبحث عنه، فلم يعثر به ؟ فعاد إلى المنزل يتابع سؤاله، فأجيب بأن الكاتب يتناول إفطاره ولا يستطيع استقبال أحد .
فعاد إلى فندقه وتناول طعام الغداء هادئا، وفى العصر قصد إلى منزل كونسبوي للمرة الثالثة. وكان الكاتب قد أقام يومئذ مأدبة لبعض أصدقائه، ولكنه أوحى باستقبال الزائر، فأدخل ساند إلى غرفة صغيرة، ولم تمض دقائق حتى ظهر كوتسبوي .
وعندئذ بادر ساند ، فانقض عليه بسرعة البرق ، وأغمد خنجره ، فى قلبه ، فبدرت منه صيحة واحدة ، ثم سقط على مقعد ، وزهق على الأثر .
ومرءت على الصيحة طفلة فى نحو السادسة شقراء ساحرة وارغت على القتيل وهي تصيح يا أبناء، وكان ساند ما يزال واقفا بالباب، فما كاد يرى هذا المنظر، حتى رفع خنجره وأغمدة إلى النصل فى صدره ! ولكنه لم يسقط، ولم يشعر بالموت يسرى إلى أوصاله . وخشى أن يقع فى يد الخدم الذين هرعوا على الصيحة، فوثب إلى السلم مترنحا ؟ ورأى المدعوون فتى شاحبا يقطر منه الدم، فأفسحوا له الطريق مرتاعين، وما كاد يخرج إلى الشارع، حتى لمح ثلة من الشرطة آسير فى طريق المنزل؛ فاعتقد أنها جاءت للقبض عليه فجنا فى الطريق، وأغمد خنجره فى صدره للمرة الثانية وسقط مغشيا عليه.
ولكنه لم يمت ، بل حمل إلى المستشفى فاقد الوعى ، ولبث ثلاثة أشهر بين الحياة والموت .
ووصل نبأ مصرع كوتسبوي إلى " بينا " بعد أيام قلائل ؛ وفي الحال بدىء التحقيق ، وفتحت الشرطة مكتب ساند وألقت فيه خطابين ؛ أحدهما موجه إلى جماعة الفتية ، وفيه يعلن استقالته منها ؛ والثانى موجه " إلى أعز الناس
وأقربهم ". وفيه يقص قصته لأسرته، ويعتذر فى ألفاظ مؤثرة عن الآلم البالغ الذى يسببه لهم، ويشرح الظروف التى ارتكب فيها عمله والبواعث التى حملته على ارتكابه، ويصف محنة ألمانيا، وكيف أنها أصبحت على وشك أن تخسر كل النتائج العظيمة التى أحرزتها بتضحية الآلاف من بينها، وكيف أن كوتسبوي يستعمل براعته ومواهبه الخلابة فى إغراء الشباب وإفساده، ويرتكب فى حق وطنه خيانة بعد خيانة، ومع ذلك فإنه يبقى معبودا لنصف الشعب الألماني، ويرتدى ثوب الشاعر الكبير، ويذهب إلى روسيا ليعيش بثمن إجرامه فى بذخ وترف؛ تلك هى البواعث التى دفعته مضطرا إلى ارتكاب عمله الذى حطم كل أحلامه الجميلة .
وفى هذا الخطاب الذى أرخ فى أوائل مارس يودع ساند والديه وإخوته أحر وداع .
ونقل ساند بعد ثلاثة أشهر من المستشفى إلى سجن مانهايم، وقد شلت ذراعه وضعف صوته؛ وسارت لجنة التحقيق الفلكية فى التحقيق يبطء، ظاهر؛ ولعلها كانت تتوقع وفاة ساند، وترى من الخبر أن يموت، وإلا يقدم إلى النطع، لأنه لم يكن فى نظرها مجرما عاديا، ولكن ساند شفى، واضطرت اللجنة أن تسير فى مهمتها؛ وكان قيصر روسيا يطلب إجراء العدالة بإلحاح، والانتقام لمصرع مستشاره؛ ولم تر اللجنة مناصا فى النهاية من اتمام التحقيق ورفعه إلى المحكمة العليا، ولم تر المحكمة العليا من جانبها بعد أن وقفت على نتائج التحقيق وأقوال المتهم ودفاعه مناصا من أن تصدر حكمها المحتوم . وصدر الحكم فى الخامس من مايو باعتبار كارل لودفيج ساند مذنبا فى جريمة القتل وبمعاقبته بالاعدام، لكى يكون عبرة لغيره؛ وصادق أمير " بادن " على هذا الحكم فى الثاني عشر من مايو؛ ثم أعلن للمحكوم عليه فى حجرته بسجن مانهايم فى السابع عشر . فاستقبله ساند بهدوء وثبات، وشكر وصولى المحكمة، ووصفهما بالملكين، إذ قدما لإنقاذه من آلامه المعنوية الهائلة . وكتب فى نفس اليوم إلى أسرته يؤكد لها أنه مازال
عند إيمانه بمبادئه ، وأنه يتجه إلى الله ببصره وقلبه ، ويسأله القوة لكى يموت شجاعا كريما .
وحدد للتنفيذ يوم العشرين من مايو، واستقبلت مانهايم وألمانيا كلها الحكم بأسف بالغ، وقضى ساند أيامه الثلاثة الأخيرة هادئا رابط الجأش . وسمح له بهذه المناسبة أن يستقبل من شاء من الأصدقاء واللمجين، وكان يحادثهم برقة ويشرح لهم مبادئه الفلسفية والأخلاقية، ثم زاره ثلاثة من رجال الدين وبقى أحدهم معه بضع ساعات؛ وكذلك زاره الجلاد فندمان تحقيقا لرغبته ليحادثه فى تفاصيل التنفيذ .
واختارت السلطات للتنفيذ السهل الواقع على طريق هيدليرج ؛ فنصب النطع هنالك ورأت السلطات أيضا أن تتفادى ضغط الجماهير الغفيرة التى قدمت إلى مانهابم لتشهد التنفيذ، فقررت تقديم موعده بضع ساعات، وقررت إجراءه فى الساعة الخامسة من الصباح ؟ وضاعفت عدد الحراس، واستقدمت فرقة من الجيش تحوطا لكل طارئ ومحافظة على المحكوم عليه، وحمل ساند من سجنه فى الصباح الباكر فى عربة يصحبه فيها مأمور السجن والجلاد فندمان ومن حولها الجند، وكان يرتدى ثياب الطلاب الألمان، وكان الحو رطبا، والسماء ملبدة بالسحب . وكانت مانهايم قد خرجت كلها لرؤيته، وكانت الأصوات ترتفع متهدجة لوداعه، وتلقى عليه باقات الزهر من النوافذ، واشتد تأثر ساند لهذه المظاهر كلها، فأخذ يذرف الدمع على طول الطريق
وأخذ المحكوم عليه إلى مجلسه من النطع وقرئ عليه الحكم للمرة الأخيرة؛ ورفع ساند يده قائلا إنه يموت فى سبيل حرية ألمانيا؛ ثم قص الجلاد شعره، وأوثق يديه وعصب عينيه؛ ولم تمض لحظة حتى لمع سيف الجلاد كالبرق وسقط رأس المحكوم عليه، فخرجت صيحة هائلة من ألوف النظارة، وهجمت الجماهير الغفيرة رجالا ونساء على النطع واقتحمته من كل ناحية، بالرغم من مقاومة الجند، يغمسون مناديلهم فى دم المحكوم عليه ويتخاطفون حطام الكرسى الذى كان يجلس عليه تذكارا لهذا اليوم المشهود .
ثم حملت جثة المحكوم عليه ورأسه إلى السجن فى نعش مجلل بالسواد؛ ودفنت سرا تحت جنح الظلام فى مكان خاص، غطى بالعشب الأخضر، فى نفس المقبرة التى دفن بها كوتسبوى قبل ذلك بأشهر، بيد أن قبره عرف فيما بعد وغدا مزارا يحج إليه .
واهتزت ألمانيا كلها لتلك المأساة واعتبرت ساند شهيدا وضحية وطنية، ولبث اسمه دهرا يعتبر بين الطلاب وجماعات الفنية رمز الإخلاص والتضحية، وما زال المكان الذى أعدم فيه فى مانهايم، يسمي إلى اليوم " موضع صعود ساند إلى السماء " (١ )

