ادا قلت : واحد وواحد اثنان نطقت بحقيقة مطلقة لا ينازعك فيها احد . ولا تحتاج لاثبات ولا لاقامة دليل اما اذا قلت : الميت ساكن لا يتحرك ، طلب منك : ما تعني بالموت ، وما هو السكون وما هى الحركة ؟ اذا كان الحي هو من يولد ويتغذى وينمو ويلد ، هل من ختمت انفاسه مات وفقد الحياة ؟ ام هل يقبر حيا كما اثبت ذلك العلماء ؟ وهل هناك حدود فاصلة بين الحي كالانسان وغير الحي كالجليد ؟ أم هل يمكن الانتقال من احد صنفى المادة الى الآخر دون ان نشعر بفرق محسوس بينهما وهل لا وجود لاجسام لا يمكن اعتبارها كحية او كغير حية ؟ فالميت المضطجع على فراشه والذي وصفته بالسكون ، ميت نسبيا ، وسكونه سكون نسبي كما نبين ذلك فى ما يلي
سيدور بحثنا هذا حول " النسبية " من بعض نواحيها وبالاخص من الناحية النظرية . وليسمح لي القارىء بالاستعانة بتجارب وهمية ، لا يمكن اجراؤها في الواقع ، وما الغاية منها الا تصوير النظريات وتيسير فهمها .
نسبية المكان - اذا سئلت : أين انت ؟ وأجبت أنك جالس على كرسيك في غرفتك ، فقد عينت لسائلك مكانك أو موقعك من الفضاء واذا قيل لك : افرض أنك تبقى على حالك هكذا وأن الكرسي وجدران الغرفة تضمحل ، فأين انت ؟ قلت انك فى حي من أحياء تونس ، بجوار جامع الزيتونة مثلا واذا تكرر السؤال وأزلنا الحي ثم المدينة ثم الارض ، ثم القمر والشمس وجميع الكواكب حتى تبقى وحدك فى الكون ، فهل يمكن أن تقول أين أنت ؟ هل تتصور الفضاء الفارغ وموقعك منه ؟ وحتى لو تصورت الفضاء الذي لا يحوي سواك هل يمكن ان تتصور مكانك المطلق مع عدم وجود مادة اخرى تنبئك عن اختلاف المواقع ؟ ادا خرجت من منزلك تركت خلفك جزءا من الفضاء كان يحويك ، ثم صرت فى جزء آخر منه ، ويتعين الفرق بين المكانين بالنسبة لباب الدار والجدران والطريق ....
فلا نتصور الفضاء والاماكن منه الا بالنسبة للمادة وبفضل وجودها فيه . وكل موقع يتعين ببعده عن موقع آخر - فانت جاري وقريب مني والرئيس " موللى " اجنبي وبعبد عني والقمر جارة الارض وقريبة منها ونجمة القطب أجنبية وبعيدة عنها . وما ابعد رأسي عن الارض بالنسبة للنملة وما أقربه منها بالنسبة لقمة الجبل ! الفضاء والمادة شيئان متصاحبان متلازمان لا يمكن اعتبار أحدهما بقطع النظر عن الآخر ، وادا كان العالم المادي محدودا كما يدعي ذلك بعض العلماء ، فلا سبيل لاعتبار الفضاء الهندسي اللانهائي ، وحتى اذا اعتبرناه فلا سبيل الى الكلام على موقع منه عندما تبتعد عن الكون المادي بما يكفي لالغائه وقطع النظر عنه
نسبة الزمان : الارض تدور حول محورها دورة كل يوم وهذا ما جعل الليل تابعا للنهار وجعل الصباح سابقا للمساء وتدور الارض حول الشمس دورة كل عام وهذا ما تسبب فى توالي الفصول وقر الشتاء وحر الصيف - وتوالي الايام والاشهر والاعوام جعل الطفل كهلا ثم الكهل شيخا ثم الشيخ جثة وعظاما رميما . . ان دوران الارض ، والحركات على وجهها ، ونمو النبات والحيوان .. كل ذلك خلق في عقولنا فكرة الزمان - فالنهار قطعة من الزمان بدايتها طلوع الشمس ونهايتها غروبها وعمر الانسان قطعة أخرى بدايتها ولادته ونهايتها موته والمدة التى تقضيها سيارة لقطع مسافة قطعة ايضا من هذا الظرف بدايتها حين الخروج ونهايتها حين الوصول
لكن افرض أن الارض تستقر في موقع لها وان الحركة تنعدم من جميع الاجسام المحيطة بها ، وافرض أننا من جنس خيالي لا يتغذى ولا ينمو ولا يموت ولا يتحرك ، بل يبقى جامدا فى مكانه ينظر الى الكون الجامد في انظمته واشكاله والقار في مظاهره الخالدة ، فهل يمكن في هذه الصورة ان تكون لنا فكرة في وجود الزمان ؟ تصورنا الفضاء بفضل وجود المادة فيه ، ونتصور الزمان بفضل تغيرات هذه المادة والانقلابات التي تطرأ عليها ، كالنمو والانتقال من مكان الى آخر .
فالبقاء بلا نهاية ، والاستقرار في حال أبدي ، والجمود في ما لا بداية له ولا نهاية ...... كل ذلك مجرد من فكرة الزمان .
ليست نسبية الزمان محصورة في تصور وجوده فحسب بل هي أيضا في تعيينه وتقديره - مقياس الزمان هو " الساعة " ، تلك الآلة المعروفة والتي بها ابرة تدور
على وجه مدرج يحمل اثني عشر رقما - فعندما يبتديء عمل نظر الى الساعة فنرى موقع عقربها . ثم عند انتهاء هذا العمل ، نعيد النظر اليها ونعين الموقع الجديد لعقربها ثم نستنتج مدة العمل من قراءة هذين الموقعين - وما نقرأ الا اذا رأينا ، وما نرى الا بواسطة النور الذي يجعل داخل عينينا صورا واضحة من الاشياء التي نراها . والنور يسير بالسرعة المعروفة ( ثلاثمائة الف كيلومتر في الثانية الواحدة ) - ولما كانت الساعة التي تقرأ عليها الزمان قريبة جدا من عيوننا فنحن نلغي المدة التي يقضيها النور بين خروجه من وجه الساعة ووصوله الى العين ، بحيث تقع الصورة العينية فى الحين الذى تمر فيه العقرب من الموقع الذي نراه - أما إذا فرضنا للناظر بصرا حادا يمكنه من رؤية عقرب الساعة مهما بعدت عنه ، واذا فرضناه ينظر إلى ساعة أرضية من كوكب بعيد ، فانه يرى عقربها فى موقع ليست فيه عند الرؤية بل قد اجتازته منذ حين ، وذلك بسبب المدة التي قضاها النور بين خروجه من الساعة ووصوله الى عين الناظر وهذا ما يجعلنا في حيرة عندما نريد تحقيق المعية لحدثين يقعان فى مكانين مختلفين . هل يمكن ان نجزم مثلا أن زيدا يرفع يده بتونس في نفس الحين الذي يعطس فيه عمرو ببغداد ؟ ان المعية في الزمان تفرض لتحقيقها المعية في المكان وذلك ما دام الزمان يقدر بدوران عقرب الساعة وبالرؤية . وأي سبيل الى تعيين الاحيان وتقدير الازمان بدون اتخاذ حركة والنظر في مواقع المتحرك ؟ فظل الخيط أو العصا أو الشجرة ، والرمل الذي سقط من اناء الى آخر ، ومواقع النجوم في السماء ، . . كل ذلك يؤول الى حركة ورؤية
وبنجر عن هذا اننا نرى اليوم الكواكب والنجوم في مواقع ليست بمواقعهما الحالية ، وفي مظاهر مضت وزالت وربما انطفأت نجوم منذ آلاف السنين ولا نزال نراها تتلالا في السماء ، لان النور الحامل لصورة انطفائها لا يزال يعدو في الفضاء بعيدا عنا .
وهناك ناحية اخرى من نسبة الزمان يجب اعتبارها في صورة ما اذا كان الناظر متحركا بالنسبة للساعة - لو فرضنا مثلا ان الناظر يبتعد عن الساعة بسرعة كبيرة لا يمكن الغاؤها بالنسبة لسرعة النور - لا شك انه سيرى للعقرب حركة ظاهرية مخالفة لحركتها الواقعية اذ الصور لا تلتحق بعين الناظر الا بعد خروجها
بمدة - فلو كان ابتعاد الناظر عن الساعة بنفس سرعة النور ، لاستحال على الصور المتوالية التي تخرج بعده ان تلتحق به ولرأى العقرب ساكنة في الموقع الذي كانت فيه عند خروجه - اما اذا فرضناه يبتعد عن الساعة بسرعة تفوق سرعة النور فهو يرى الكون في مظاهر وصور غريبة : عقرب الساعة بالنسبة اليه تدور في عكس اتجاهها الواقعي والنهار يبتديء في المساء وينتهي في الصباح ، والانهار تجري من البحار نحو الجبال ، والميت يخرجه دافنوه من قبره ويسيرون به من خلف الى منزل له فيحيى ، ويأخذ سنه في النقص حتى يصير طفلا ويولد برجوعه إلى ارحام أمه ! اما الآكل الجالس على مائدة الطعام فهو يخرج المآكل من فمه بملعقته ويجعلها في صحنه الفارغ ... وربما تمكن هذا المسافر السريع ان يعيش في عصور سلفت ويثبت ما ادعاه المؤرخون !...
نسبة المادة والطاقة : المادة تدركها حواسنا الخمس - فنرى التراب ، ونلمس الحجر ، ونذوق الماء ، ونسمع دوي الارياح في الاشجار ، ونشم رائحة الازهار ... ولكل مادة وزنها يمكن تقديره بالميزان . اما الطاقة فهي القدرة على انشاء العمل . أي شيء معنوي نتصور وجوده ولا تقع عليها حواسنا . فالحجرة المعلقة فوق رؤوسنا مثلا لها طاقة نخشاها وتظهرها عندما تسقط علينا فتشدخ ادمغتنا وللسيارة السريعة طاقة نخاف شرها وتظهرها عندما تصدم حاجزا فتحطمه وتتحطم . وللفحم طاقة نستغلها عند احراقه لتكوين البخار المسير للفطار ... فالطاقة والمادة شيئان متباينان ومن جنسين مختلفين . وقد قرر لهما البقاء علماء العصور السالفة ، بحيث ان كلا منهما يتغير حاله وينقلب من مظهر الى آخر وتبقى كميته قارة - فاذا اتحد الكبريت والحديد ، نشأ جسم جديد يتميز عن مؤلفية غير ان وزنه مجموع وزنيهما .
وثبت عندنا اليوم ان المادة تحال الى طاقة والعكس بالعكس . فالتفرقع الذري مثلا يطلق كمية مدهشة من الحرارة ، ناشئة عن انعدام قطع مادية تضمحل بتاتا من نواة الذرة . واذا خفي عن العصور المنصرمة هذا التبادل بين المادة والطاقة فذلك سبب ضعف الكميات المتبادلة في التفاعلات العادية والتي لا يمكن اثباتها بالميزان مهما كان حساسا . وصنع علماؤنا آلات لخلق المادة من الطاقة والطاقة من المادة ، وصرنا لا نفرق بين هذين الصنفين من الكائنات بل نعتبرهما كمظهرين
مختلفين لشيء واحد . فتزحزحت العقائد الراسخة اذ صارت المعنويات ... تقاس بالميزان ! كنا نعتقد ان الحركة لا تغير كتلة ( masse ) المتحرك - وصرنا اليوم نتيقن من انها تزداد بازدياد السرعة - فالانسان الذي كتلته ستون كيلو في الراحة والسكون ، يصير وزنه مائة كيلو اذا تحرك بسرعة تساوي اربعة اخماس من سرعة النور - والمادة في حركة مستمرة ، ويكفي ان نعلم ان الارض تتجول بنا في الفضاء حول الشمس بسرعة تقرب من ( ١١٠٠٠٠ ) كيلو متر في الساعة ، ولو نمكنت أيها القاريء من الانتقال بهذه السرعة لدرت حول الارض خمس مرات ونصف مرة في ظرف ساعتين . فماذا تكون كتلة المادة لو سكنت سكونا مطلقا يا ترى ؟
نسبة الحركة والسكون - هل يصح أن يقال : هذا جسم ساكن أو متحرك دون أن يتعين ما ينسب إليه السكون والحركة ؟ انك عندما تنام على فراشك تسكن بالنسبة لجدران منزلك لكن الارض تتجول بك فى الفضاء بسرعة يعسر عليك تصورها .
هب أنك تتماشى على سطح باخرة مع قرين لك . فأنت ساكن بالنسبة لصاحبك الذي لا يفارقك ولا يقترب منك ولا يبتعد عنك . ولك حركة بالنسبة لجوانب المركب ، وحركة بالنسبة لمياه البحر ، وحركة بالنسبة للسمك الذي يسبح فيها ، وحركة بالنسبة للقمر ، وحركة بالنسبة للشمس ..... وحركاتك هذه مختلفة بلا ريب لكنها مرتبطة بعضها ببعض . فبمعرفة حركتك بالنسبة للباخرة ، وحركة الباخرة بالنسبة للارض ، نعين حركتك بالنسبة للارض ولا يمكن تصور الحركة بدون معرفة ما تنسب إليه - فادا صعدت في منطاد وبعدت كثيرا على سطح الارض يعسر عليك ان تشعر بالاستمرار في الصعود أو بالاستقرار والسكون .
نسبة الانجذاب والثقل - الاجسام تسقط على الارض كلما تركناها بجوارها وذلك بسبب الثقل أي قوة الجذب التي تسلطها الارض على الاجسام . وطبقا لقانون " نيوطن " سرعة السقوط في الفراغ واحدة بالنسبة لجميع الاجسام. فاذا تركنا مثلا في آن واحد وفي مكان واحد كرتين احداهما من خشب والأخرى من رصاص ، لاحظنا أنهما تصلان معا على سطح الارض بعد ما قطعتا نفس المسافة فى نفس الزمن ، وذلك بالرغم من الفرق المحسوس بين وزنيهما .
تعين هذا القانون بالنسبة للناظر الانساني المنتصب على الارض والذي يجري التجربة - أما لو فرضنا أن الناظر نملة صغيرة ، أرضها كرة الخشب وشمسها كرة الرصاص ، ولا ترى من الكون سوى هاتين الكرتين ، ولو فرضنا انها تمسك حبة رمل وتتركها فى الفضاء بجوار أرضها ، فما ستلاحظ ، وما ستقرر ؟ لا شك أن حبة الرمل تصاحب فى سقوطها النملة وكرة الخشب وكرة الرصاص بالنسبة للناظر الانساني فهي تبقى حينئذ فى نفس المكان بالنسبة للنملة ، ولا تتحرك .، يقول الانسان : تجذب أرضي الاجسام وتسقطها عليها - وتقول النملة : لا انجذاب ولا سقوط ، ولا نفور ولا صعود ، والاجسام تستقر بجوار ارضي في المواقع التى أتركها فيها . كل من الانسان والنملة أجرى تجربة واستخلص منها قانونا ، والقانونان مختلفان لانهما اتخذا بالنسبة لعالمين مختلفين - فالجاذبية ليست بحقيقة في ذاتها وإنما هي مجرد أداة تاويل لحقائق نسبية مثل الحركة . إن دوران الارض حول محورها من شأنه أن يبعد الاجسام عن سطح الارض وأن يعاكس الجاذبية ، وذلك طبقا لقانون الفرار من مركز الدوران ( انظر فستان الراقصة كيف يهتز ويبتعد عن ساقيها عندما تدور بسرعة ) - وقوة الفرار من محور الدوران تشتد بازدياد السرعة . ولو تضاعفت سرعة الارض سبع عشر مرة لانعدم تاثير الجاذبية بتأثير الدوران ، ولاستقرت الاجسام في مواقعها دون أن تسقط على الارض كأن لا وجود للثقل .
الجاذبية فى علم الحركة . قوة صادرة عن مركز الجاذب ومتسلطة على جسم تعين بعده عن هذا المركز . وشدة هذه القوة مناسبة عكسا لمربع هذا البعد . لكننا عند ما نريد تصور هذه الجادبية عن بعد ، نجد انفسنا فى حيرة ونتساءل مع " آينشطاين " : كيف يعمل جسم فى جسم آخر بعيد عنه وبدون الاتصال به ماديا ؟
نحن نتصور فعل الالتصاق كالاحتكاك ، واللطم ، والضغط ، والجر .... أما الاستعباد عن بعد والرضوخ الى ارادة الجاذب فذلك من باب السحر وعمل الشياطين . ينكر " آينطايش " القوى عن بعد وبدون واسطة . ولا يؤمن الا بقوى الالتصاق ( المباشر أو بواسطة مادة ) ، وفى نظره تنشأ القوى المحركة للاجسام غير المتصلة بعضها ببعض عما سمي بالميدان (champ) وهو قول دقق " آينشطين " معانيه وبين نسبيته
النسبية والعلوم الحديثة : شيدت العصور السالفة ، والقرن التاسع عشر بالاخص ، هياكل علمية ضخمة ركزتها على الفحص التجريبي وعلى التفكير العقلي المتسلسل ، وقررت حقائق عديدة أقامت الدليل على صحتها وحسبت لها الدوام والبقاء . ودخل الفلاسفة مدرسة العلماء ودرسوا طرائقهم للتفتيش والبحث واستخلاص النتائج ، وبعد الفحص والنقد والتحليل ، نسقوا الاساليب وسنوا لها قوانين عامة يسرت لاهل العلم عملهم وزادتهم تحريا من الوقوع في الخطأ فاندفعت العلوم والفنون الى النمو والرقي بسرعة لا نظير لها فى تاريخ البشرية ولا يحصى اليوم عدد الانجازات الفنية فى مختلف الميادين ، ويفتخر القرن العشرون الذي نعيش فيه بالنصيب الاوفر فى هذه النهضة العلمية البديعة . ويفتخر ايضا بالعلامة " آينشطاين " الذى ملأ اسمه العالم والذى يحق ان يعتبر من أعظم علماء الانسانية ومفكريها .
تغلغل هذا الدماغ الفذ فى الحقائق العتيقة والحديثة ، ومخضها مخضا . وطاف بها من شتى النواحي وغربلها ونقاها ، وبنى بجانب العلوم " الكلاسيكية " علوما جديدة مكملة لها ، وحدد لكل علم نسبيته وميدان صلوحيته . فعلم الحركة القديم لا يصلح الا اذا امكن الايمان ببقاء المادة والكتلة . ويصح ذلك في الحركات العادية والمعروفة عند الناس ، كحركة الفارس والسيارة والباخرة . . . . أما اذا خرجنا عن هذا الميدان ، واعتبرنا حركات جديدة اكتشفناها عند دراسة الاشعة الكونية (Rayons Cosmiques) ودراسة تركيب الذرة ... وغير ذلك من الحركات السريعة ، وجدنا أن قوانين علم الميكانيك الكلسيكى او " النيوطنى " غير صالحة . وأنه يتحتم ايجاد علم جديد للحركة ، يراعي التبادل بين المادة والطاقة ، ويراعي نسبة الكتلة ، ويرتكز على نظريات جديدة " كفرضية " التماوج hypothese ondulatoire وفرضية الكميات (hypotese des quanta) جعلتنا التصورات الجديدة تميز اليوم بين العالم الكبير (macrocosme) والعالم الصغير ( microcosme )
العالم الكبير لا يعتبر المادة والاحداث الا في جملتها ، لا في اجزائها الرقيقة اذا درسنا مثلا سقوط الاجسام في الفراغ ، اعتبرنا قطعة مادية تحوي الآلاف من الملايين من الذرات مهما صغرت ، وتقدر المسافة التى تقطعها والمدة التى تقضيها ونستخرج من نتائج هذا الفيس قوانين السقوط . وهذا العالم تتفق قوانينه ونظرياته وفرضياته مع قاعدة " الحتمية " (determinisme) بحيث تتحتم النتائج كلما تعينت
الاسباب ، ويمكن لنا احداث هذه النتائج وتوقعها بمجرد هذه الاسباب والظروف اما العالم الصغير فهو لا يخضع الى هذه القاعدة كما اثبت ذلك هايز نبرغ (Heizenberg) والمادة ( كالذرة أو جزء منها ) لا تتحرك ولا تتطور كما نشاء نحن بل كما " تشاء " هي وادا تصورنا ذرة واحدة فى الفراغ بجوار الأرض لا يمكن ان نعلم " سلفا " ما ستصنع : هل ستسقط ، ام هل ستستقر ، ام هل ستتجول في الفراغ حسب " شهواتها " ؟ ولا سبيل الى الجواب اذ لا يمكن ان نعلم نتيجة وجود الذرة بجوار الارض ، كما علمنا نتيجة نفس هذا السبب بالنسبة لكرة الرصاص او حبة الرمل ، ليس الفرد كالجماعة وليست مواقفه كمواقفها .
اننا لا نفكر عادة فى النسبية لاننا من العالم الكبير وفيه نعيش ، وما كنا نتصور العالم الصغير قبل اكتشافه ودراسته وتذليله الى حاجاتنا ، وتعودنا طيلة القرون على الاستقرار فى ميدان صلوحية القوانين والنظريات التي اقررناها . واليوم صرنا فى حاجة الى الخروج من هذا النطاق قصارت معارفنا وعقائدنا الراسخه شيئا نسبيا لا يمكن ان نعيش دوما فى ظل متانته وصحته ، حقائقنا جلها نسبية في ذاتها وفي قيمها ، ومعاني كلامنا تحتاج دائما الى المراجعة والتدقيق والتجديد نأخذ الالفاظ من كلام الشعب ولغة الادباء نثرا وشعرا ويختطفها كل اختصاصي ويعيرها لونا ويكسوها ثوبا وتعددت المعاني حتى كاد يغني كل اغنيته ولا يبالي بما عسى ان يحدثه هذا المسخ من تشويش وبلبلة !

