هذا هو عنوان المحاضرة التي ألقاها الأستاذ ساطع الحصري بك بدار جمعية الوحدة العربية .
وقد استهل المحاضر حديثه بلفت أنظار السامعين إلي اكتفائه بسرد الحقائق التاريخية ، تاركا لهم مهمة التعليق عليها ، واندفع يقول : عندما نستعرض تاريخ الأمم نجد أنها كثيراً أما منيت بكوارث فادحة نتج عنها أحد أمرين : إما انهيار الأمة بعد الكارثة وتحطيم مجدها بحيث لا تنهض ، وإما بعثها بعثاً جديداً لاتخاذها من الكارثة عبرة تتعظ بها وتنهض بعدها ، وتدع الأمم التي هدتها النكبات لتتحدث عن الأمم التي حفزتها المصائب للنهوض ودفعتها للاصلاح ، وأوضح مثال لذلك كارثة بروسيا عندما حاربها نابليون . وكانت ألمانيا يومئذ مجزأة إلى ولايات متعددة أقواها بروسيا التى هاجمها نابليون فانهزمت أمام قواته شر هزيمة ، وأذعنت صاغرة إلى قبول كل الشروط التي أملاها عليها وكانت قاسية جداً ، ولكنه لم يمض عليها سبعة أعوام حتى استطاعت أن تجهز جيشاً لجياً يحارب نابليون ويهزمه . وأن تسترد مجدها وتستعيد مكانتها في العالم ؛ فكيف تمكنت من ذلك ؟
عرفت أنه لابد لها من القوة ، ولكن ما السبيل للقوة وحالتها الاقتصادية سيئة ، والمستعمر يتربص بها ويحول بينها وبين ما تريد ، فنظمت التدريب المسكري في بلادها بحيث يأتي بنتائج عسكرية سريعة ، وطبقت هذا النظام على جميع أفراد الشعب تطبيقاً تاماً . ووجهت عنايتها للرياضة البدنية وعممتها بين طبقات الشعب ، وكانت ترمي من وراء ذلك إلى تحسين الصحة بين أفراد الشعب ليكونوا على استعداد للتربية العسكرية لا ليتغلبوا على خصومهم في المباريات . ثم اتجهت إلى الناحية الاجتماعية فنهضت بها نهضة تناولت الفوارق بين طبقات الشعب وجعلت منه طبقة واحدة ، وانصرف المفكرون والمعلمون والأدباء والكتاب والفلاسفة جميعاً إلى الدعوة للإصلاح وجمع الكلمة وبث روح القوة والكفاح في نفوس الأمة حتى قال بعض
الفلاسفة : إن ألمانيا لم تسمع شعراً حماسياً يتردد في أرجائها فيلهب القلوب ويشعل النفوس كالذي سمته في هذه الفترة القاسية من محنتها ، وذلك كانت كارثة بروسيا عاملاً كبيراً في نهضتها في النواحي الفكرية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية ؛ إذ عبأت الأمة قواها . وتضافرت جهود أبنائها على استعادة حريتها واستقلالها .
ونكبت فرنسا سنة ١٨٧٠ نكبة كبيرة حين أعلنت الحرب على بروسيا ، بعد أن حققت ألمانيا وحدتها ، وظنت فرنسا أن من السهل عليها الاستيلاء على برلين ، ولكن الرياح جرت بما لا يشتهي الفرنسيون الذين لم يكتفوا بالهزيمة أمام الجيوش الألمانية ، بل استولى البروسيون على القسم الشمالي من فرنسا واحتلوه ، وضموا إلهم منطقتى الألزاس واللورين ، وفرضوا على فرنسا مقداراً كبيراً من الأموال ، أو بتعبير ادق غرامة مالية فادحة ، وقد هزت الكارثة الأمة الفرنسية هزاً عنيفاً ؛ فأخذت تعيد النظر في سياستها ، وتدرس أسباب الهزيمة ، وتعالج نقط ضعفها على ضوء ما أسفرت عنه تجارب الكارثة ، ورأت أولاً ان تمحو الاحتلال من بلادها فدفعت الغرامة المالية . وجلا الألمان عن القسم الشمالي الذي احتلوه . ثم ظلت تعمل على استرداد الآلزاس واللورين حتى تمكنت من ذلك في الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ بفضل اتحاد أبنائها وتفهم أسباب ضعفها والاستفادة من الكارثة .
وواصل المحاضر حديثه قائلا : ومالي أضرب لكم الأمثال بأمم اوربا وأترك امم الشرق التي أصيبت بالمحن . فاستيقظت بعدها وبنت مجدها من جديد ، فهذه تركيا أصبيت بكارثة في حربها مع البلقان أفقدتها كل بلادها في أوربا ، وطوحت بعدد كبير من أبنائها ، ولم تمض أعوام حتى كان الاتراك قد استردوا مدنهم ، وعزا المحاضر ذلك إلى أن تركيا قد أدركت أسرار السياسة الأوربية ووقفت على ألاعيب الدول العظمى الاستعمارية التى تنقض اليوم ما أبرمته بالأمس ، وتتحلل من عهودها ووعودها إذا كانت مصلحتها
الاستعمارية تتطلب ذلك ، ولقد كان فهم الأتراك للعقلية الأوربية من اكبر الأسباب التي هيأت لهم النجاح ورفعت من شانهم في الميادين الدولية ، لأنهم بعد ذلك نهجوا سياسة جديدة تعتمد على القوة وحدها ، وهي اللغة التى لا تفهم أوربا لغة غيرها .
وفي حرب الاستقلال أو الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ هزم الأتراك ، واحتل الحلفاء قسماً من تركيا ، وفرضوا عليها معاهدة سيفر التي تقضي بانتزاع بعض البلاد التركية من الوطن التركي ، ولكن الأتراك قبلوا انفصال الأجزاء غير التركية عن بلادهم ، أما الأجزاء التي أصلها تركي فلم يقبلوا أبداً انفصالها عن تركيا بأي حال ، ولذلك قامت حركة مصطفى كمال ، وقاوم الكماليون جنود الحلفاء ، دون موافقة الخليفة وعارضوا معاهدة سيفر . وأصبحوا أمام عدوين : الخليفة والحلفاء الذين طلبوا من الخليفة تجهيز جيش لمحاربة أتاتورك ، وقد حشد الكماليون جهودهم وعبأوا قواهم في هذه الحركة الاستقلالية المجيدة ، وكانت النتيجة انتصاراً باهرا لهم وهزيمة للأعداء ؛ إذ أخرجوا اليونان أولا ثم الحلفاء بعد ذلك ولم يتردد الأتراك يومئذ في الاتفاق مع الروس للوصول إلى أهدافهم . وهكذا كانت نكبة تركيا في حرب البلقان هي الدرس الذي جعلها تنهض نهضتها الأخيرة .
ثم ذكر المتحدث نبذة قصيرة عن اليابان ختم بها محاضرته فقال : إن اليابان كانت حتى سنة ١٨٦٨ في عزلة عن العالم فأرغمها الأوربيون على أن تفتح أبوابها للتجارة وأخذت تقيس النظم الأوربية من الناحية العلمية ، وهي أول دولة أسيوية استطاعت أن تتغلب على الأوربيين إذ أعدت جيشها وسارت في ركب الحضارة الأوربية وسايرت النهضة الصناعية في أوربا ، وبعد هذه الحركات الإصلاحية جربت قوتها أولا مع الصين وحاربتها فانتصرت عليها ثم انسحبت منها ، ولكن لم يمض عامان على انسحابها حتى أخذت أوربا تحتل مدناً من الصين وقد أثر هذا أسوأ التأثير على اليابان وقامت الحرب بينها وبين الروس وانتهت بانتصار اليابان . وأدى انتصارها إلى تغيير العقلية الرجعية ، التى كانت تعتقد أنه لا يمكن أن تتغلب دولة أسيوية على دولة أوربية ، وبذلك انتهت المحاضرة .
ونحن بدورنا نؤثر أن نقدم المحاضرة للقراء دون تعليق عليها أسوة بالمحاضر ، ولكنا نأمل أن تتخذ الأمة العربية ذات التاريخ المجيد من كارثة فلسطين ، عبرة تحفزها لنهضة إصلاحية شاملة في النواحي العلمية والاجتماعية والعسكرية ونرجو أن تحقق الأيام آمالنا .

