أنا اليوم مصطاف من لبنان الشرقى فى وادى الزبدانى الذى لو نزله من قبل لا مرتين لوصفه بما لم يصف به وادى حمانا فى لبنان الغربى، ولا سيما بجفاف الهواء، وصحة الماء، واعتلال النسيم، واعتدال الاقليم
أجل، إن لبنان الشرقى ليمتاز بجفاف الهواء لبعده عن رطوبة البحر ولقربه من البيداء، ولذلك وصفه مشاهير الأطباء للمصابين بأمراض الرطوبة كالرثية - الرومتيزم - والسل وعرق النسا، ووصفوه لعين (بُقَّين) التى تكاد تكون منقطعة النظير بين عيون بلاد الشام كلها فى صفائها وخفة مائها، وما اشتملت عليه من عناصر تذيب الرمل والحصاة، وتزيد فى الهضم ما تشاء فتتعب الطهاة. ولقد أشرت إلى عجيب تأثيرها فى السنة الماضية حينما وصفت فى هذه الرسالة عين الصحة المنبجسة من جبال حمانا فى لبنان الغربى
ليس مجال القول ذا سعة فأسهب فى وصف وادى الزبدانى الجميل، ولذلك اقتضبت الكلام في تحليته اقتضاباً: بذكر ما فيه من الطرق المعبدة والمغانى والمبانى، وبيان ما استوفاه من منافع وروائع تبر المصطافين وتسر الناظرين ...
يمتد وادى الزبدانى الجميل من الجنوب إلى الشمال بين طودين أو سلسلتين من الجبال الشرقية والغربية، وعلى سفوح الطود الشرقى تضطجع قريتا مضايا وبُسقَّين وقصر الجرجانية الأندلسى، وقرية بلودان أعلى قرى الوادى وفيها الفندق الفخم الذى يعد من أجمل قصور الفنادق الشامية، وفى الجانب الشمالى من بطن الوادى قامت قرية الزبدانى أم القرى، ومهوى قلوب الورى
إن شرايين الحياة فى هذا الوادى هى طرقه الكثيرة المعبدة المزفتة، والزفت شاع أنه نعت سوء فى كل شئ إلا فى الطرق، فإنه وصف خير ونعت يمن فيها يلبد غبارها وبقى السالك عثارها، منها الطريق السلطانية التى تصل دمشق بالزبداني، وطريق مزفتة
تصعد من الزبدانى إلى بلودان، وأخري مثلها تربط الزبدانى بالجرجانية وبقين ومضايا، وطريق مخضرة أخرى تصل قريتى بقين ومضايا بطريق دمشق على مقربة من مفرق طريق منبع نهر بردى: نهر دمشق الذى وصفه حسان بأنه (يصفق بالرحيق السلسل) وذكره شوقينا محيياً دمشق بقوله :
سلام من صَبا بردى أرقُّ ... ودمع لا ينهنه يا دمشقُ
أمام أم قرى هذا الوادى البهيج فهى الزبدانى مركز القضاء وعامله القائم بشؤونه رجل من أفاضل الرجال غيور على عمرانه، وتوفير أسباب الهناء والبلهنية على نازليه وسكانه؛ وفى الزبدانى محكمة يرأسها قاض ماض فى أحكامها، ومستوصف طبى للحكومة تام الأدوات يديره طبيب نشيط يداوى الأغنياء من المصطافين والفقراء على السواء. ولا يتقاعس عن تلبية نداء المرضى فى مساكنهم، يعودهم ليضعف من الداء الآلام، وليقوى في الشفاء الآمال، ثم هو يعطى الأدوية مجاناً للبائس والمعتر حتى الغنى المضطر إن لم يجد علاجه في صيدلية الزبدانى العامة. وفى قرية بلودان صيدلية كبيرة، وفى مضايا أخرى صغيرة، وبذلك يجد المصطاف الصحيح فى وادى الزبدانى نعيمه المقيم وهناءه؛ والمريض لا يعدم فى مغانيه طبيبه الحاذق وشفاءه
ومما تمتاز به الزبدانى على سائر قرى الوادى أنها مركز السيارات، وإن فيها محطة القطارات، فهى ملتقى الحاضر والبادى، ومنتدى الرائح والغادى، كما تمتاز برخص أسعار الثمار وكثرتها، وتنوع الخضراوات الغضة ووفرتها، وبسوقها الكبيرة المشتملة على جميع ما يحتاج إليه الاصطياف والانتجاع، وبمتنزهاتها المستوفية لشرائط الابداع والامتاع
بعض مناظرها الساحرة: كل ما في وادي الزبدانى بهيج جميل: بهيج لعمرى مقهى أبى زاد ومنظره الساحر الجميل، ومقهى بقين وعينها التى يحق أن تسمى السلسبيل، وجميل كل الجمال قصر الجرجانية الأندلسى بشلالاته وفواراته، وفخم كل الفخامة فندق بلودان بمقصوراته وحماماته، ورائعة - شهد الله -
قرية مضايا بصفاء سمائها. وصحة هوائها، وماذا عسى أن يقول قائل في محاسن الزبدانى ومفاتنها؟ فلعل أصدق ما يقال فى جنتها قول الشاعر فى وصف دمشق وغوطتها:
هذه الغوطة ما أبهجها ... وهى ق نيسان قيد المتجلى قال سبحان الذى دبجها ... من رآها فتنة للمُقّل إنه قد شاء أن يخرجها ... جنة فى الأرض للمستعجل
إن بطن هذا الوادى المبارك ينقسم إلى قسمين شمالى وجنوبى: أما الشمالى منه فعامر يبدو بلون أشجاره أخضر نظراً؛ وأما الجنوبى منه فجله غير مغروس ومختلف ألوانه: هذه بقعة منه محصورة تبدو صفراء فاقعة، وهذه بقعة محروثة تبدو حمراء قانية، وتلك رقعة بائرة لم تحرث ولم تزرع فهى نارنجية غير قرمزية؛ وهنالك رقعة مزروعة بضرب لون خضرتها القاتمة إلى السواد فتجتلى عين الناظر من هذه البقاع وهاتيك الرقاع مجموعة من الطنافس المحروثة والزرابى المبثوئة تستهوى الأفئدة وتقيد النواظر
إن من ينكر السحر من أهل هذا العصر يؤمن به مثلى بعد أن يرى ما رأيت من جمال إشراق الشمس على سلسلة الجبال الغربية، ثم يزداد استيلاء الضياء حتى يغمر ما تحت الشناخيب والذرى فتزداد بهجة النفس، فاذا ما بلغت الشمس أشجار الروابى المغروسة راعك مشهد سواد الأشجار مع بياض الأنوار فتخيلت النقاء الليل بالنهار عندما يتنفس الصبح فى الأسحار.
وإن أنس لا أنس تلك العشية التى ذهبت فيها إلى مغارة (النابوع) تلك العين التى لا يكاد يرتوى واردها لشدة برد مائها وفرط عذوبته، وكان رفيقى الوفيق فى ارتياد هذه العين العجيبة الشيخ حسن بو عياد المغربى من زعماء الإصلاح فى المغرب الأقصى، وهو على رأيي في إصلاح المرأة بإصلاح تربيتها وبيئتها، ثم خرجنا من المغارة والشمس فى صفرة وجه العاشق الوامق فانتقلنا من لذة إلى لذة: من نشوة الارتواء إلى نشوة الاصغاء. ماذا رأينا من مشهد فخم، وماذا وجدنا من نعيم روح، وماذا سمعنا من حسن لحن؟ مشهد لعمر الحق رائع، ونعيم روح غامر، ولحن مزمار ساحر. شهدنا فوق مغارة النابوع على سفح الجبل قطيعاً من المعزى يثير من ورائه عجاجة منتشرة، ومن أمامه هاديه
وراعيه يطرب قطيعه بألحان مزماره الجبلية، كما يطرب الجيش بألحان موسيقاه الحربية، وقد امتزج أنين المزمار برنين الأجراس، وكأنما كان الداعى يهنئ بسلامة الوصول قطيعه الطروب، ويودع بلسان المزمار ملكة النهار الجانحة إلى الغروب، ولا يزال القطيع الزاحف في هبوطه حتى يبلغ قرارة الوادى فينقع ببرد الماء غليل الأحشاء، ثم يتابع سيره الهادئ إلى حظيرته ونحن نتابعه بأبصارنا، ونشيعه وأجراسه وراعيه وأنفاسه، ولا نزال من خلفه مسحورين حتى يتوارى عن العيون بحجاب الليل ...
وهل أحدث أخي القارئ عن القمر، وكلنا يهوى القمر، وهيهات أن أنسى لياليه القمراء على شاطئ البحر صغيراً، أو لياليه السواحر والفلك يجرى بنا فى بحر النيل الجميل. لا، ولا أنسى تلك الليالى البهيجة، والقمر يفضض الطبيعة من حولنا ونحن مضطجعون على هضاب المزه الفيحاء. وما لى ولحديث القمر فى الدهر الغابر، وأنا أستطيع التحدث عنه فى هذا الشهر الحاضر، ذاكراً للقارئ أن أهل دمشق من أعشق خلق الله للقمر، ولو أن الدمشقى كان نباتاً لكان (عَبَّاد القمر) فلقد أخبرنى عامل الزبداني عشية أمس بأن عدد المصطافين فى الزبدانى وحدها قد بلغ فى هذا العام نحو ألف نفس يؤلفون مائتي أسرة، ولكن هذا العدد يبلغ فى الليالى القمراء أضعافاً مضاعفة فيعج وادي الزبداني بالمصطافين عجيج الحجيج، ولكنهم من حجيج القمر. وتمتلئ الطريق السلطانية بين دمشق والزبدانى بالسيارات الممتلئة بعشاق القمر، وتغص بهم مقصورات القطار، فى الليل والنهار، وأقمار النساء تشارك الرجال فى عشق قمر السماء، وكأنه لا غنى للجنسين اللطيف والعنيف عن المشاركة التى ازدادت في هذا العصر تشابكاً ووشوجاً. فهنالك التربية المشتركة والسباحة المشتركة، والسباقات المشتركة، وهنا فى الوادى النزه المشتركة ليالى القمر على طريق الجرجانية وبقين ومضايا.
إن تطور المرأة من الحجاب إلى السفور فالحسور كان سريعاً
جداً فى مصر، ولكنه بطئ في ديار الشام، ولا تزال الدمشقية مع تعلمها وولعها بالنهضة الاجتماعية تؤثر التدين الصادق على التمدن الكاذب، والكمال والعفاف، على الابتذال والاسفاف وبعبارة أوجز إنها تفضل السفور الشرعى على الحسور البدعى، فلا تخلو المرأة المسلمة ولا تسافر إلا بمحرم يحافظ على عرضها وشرفها ويحول دون ما يؤذيها ويرديها
ويزداد السفور الشرعى فى دمشق يوماً بعد يوم، ولا يلبث أن يسود على الحجاب أخيراً. ومن الناس من يقاوم هذا التطور الحيوى الذى لا مناص منه بالسفاه والشتائم لا بالحجة والبرهان، بيد أن من عقلاء رجال الدين من يحب للغانيات سفور الراهبات الذى لا حسور معه، ويسعى لإعادة الحاسرات إلى سفور الشرع المحتشم الذى يكفل للمرأة تعلمها وتقدمها، والتربية الإسلامية فى المنزل إذا كانت صحيحة تعد البنات للسفور الشرعى الشريف الذى تصان به الكرامة، وتوقى به الحسرة والندامة. وليت رجال الدين يتعاونون تعاوناً معقولاً يتمكنون به من المحافظة على اعتدال المرأة المسلمة، ويبرهنون به على إمكان تعلم المرأة وتقدمها مع ذلك الاعتدال، وإلا فإنا لا نأمن جانب الفوضى فى السفور الحاضر كما نشاهد من نماذجه المشوهة الفاسدة في وادى الزبدانى من برانيط البنات وقمطات الأمهات، وارتياد السينما والقهوات، وغدا البالات والحانات، ومما أوحى إلى بالأبيات التاليات:
يا صبايا
يا صبايا الزبدانى رأفة ... بهواة الحسن منا يا صبايا
قنّعوا عّمن يراكم أوجهاً ... صُقِلت حتى حسبناها مَرايا
واستروا عنا عيوناً خُلِقت ... لقلوب المستهامين بلايا
فَوَّقت ألحاظهن أسهماً ... مُصمياتٍ نحن قد كنا الرمايا
لست أدرى ما الذى قد فعلت ... أسهاماً رشقتنا أم منايا
قد سرى يغزو الورى من فِتن ال ...
عين - ما أكثر صرعاها - سَرايا
يا سقى الله المناديل التى ... صنتمُ الأعراضَ فيها والملاياَ !
ولحى الله البرانيط التى ... أخذت الأحسابَ منكم والسجايا !
كم عرقنا خجلاً من شربكم ... عَرقاً يعرقكم ديناً ورايا
في محار الصَّون كنتم دُرراً ... كن للأزواج لا غير هَدايا
لم نكن نأمن منكم فِتناً ... في الزوايا، كيف من بعد الزوايا؟
والفؤادُ الحيُ منا هدَفٌ ... لعيون وخدودٍ وثنايا
مسرح الألالم قد هجت لنا ... من رسيس الوجد والحب بقايا
انا إن لم أكُ أنسى زمنا ... من حياتي فهو هاتيك العشايا
يا رعاكَ الله لولا سربة ... كنَّ ينثرن على الناس الخطايا
رائحات غاديات ضَلَّةً ... بين (بُقَّين) مساءً و (مضايا)
سافراتٍ حاسراتٍ وغداً ... هنَّ أنصاف عرايا فعَرايا!
الزبدانى

