-٧- اخفاق ثورة ميلان - الجمهورية الرومانية
سرت متزيني انباء ثورة ميلان ، واجدت حماسته ، فأسرع في العودة إلى إيطاليا دون تردد مستهدفا لخطر القبض عليه ومحا كمته ، وكان الموظفون الرسميون معنيين بالبحث عنه ومراقبته ومراقبة قدومه ، وكان مع ذلك يجاذبهم الحديث وهو يشعل السيجارة بغير اكتراث ، فخدعهم ثبات جنانه وحضور خاطره وبراعة حديثه عن حقيقته ، وكانوا في بعض الاحيان يعتذرون إليه ، ويعزون تدقيقهم في البحث والتحري إلى خوفهم من المتآمر الرهيب متزينى ، وكان هذا الهدوء والاتزان وعدم المبالاة بالأخطار ينفعه أكثر مما ينفعه التنكر والتخفي ، ولذا كان قليلا ما يلجأ إليهما .
وقد وصل ميلان بعد منتصف الليل واستقبل استقبالا فخما حماسيا عند أبواب المدينة ، وأوصله موكب من حملة المشاعل إلي الفندق الذي نزل به ، وكان أهل ميلان قد طردوا النمساويين ، واضطروا القائد رادتزكى إلي الانسحاب والتقهقر ، وكان مصير إيطاليا معلقا بيد القدر ، فلو جاء قائد قوي شجاع بعيد النظر واسع الفكر خصب القريحة لتولى القيادة وأدار الأمور وأفاد من الموقف ؛ ولكن الضعف والتردد والانقسام والتخاذل وحسور النظر وضيق الأفق كان طابع المجلس الاستشاري الذي كان يصرف الأمور في ميلان ، وكان أكثر رجال حكومتها المؤقتة من حزب المعتدلين وكانوا في حاجة ماسة إلى رجل قوي الإيمان ماضي العزم مجتمع الرأي .
وأحسن متزينى السياسة ، وأجاد فهم الموقف ، ونادي بوجوب الهدنة بين الاحزاب والمبادئ المتنافرة ما دامت
الحرب قائمة ، وأن الحزب الملي والحزب الجمهوري يجب أن يكفا عن الصراع لتكون البلاد جبهة واحدة ، وعلى الاحزاب ان تنتظر بعد ذلك حكم الامة الموحدة المحررة ، ويجب ان تحشد قوي الامة جميعها للقاء العدو . وكانت اعمال متزيني مصدقة لكلماته مطابقة لبرنامجه ، فقد عاون الحكومة المؤقتة ، ولم يشجع الجمهوريين ، وبذل جهده في تشجيع التطوع والترحيب بالمتطوعين ، ونصح بإرسال المتطوعين إلى حماية خط مواصلات العدو فينيتيا، وكانت خطته أصح وأدل على بعد النظر من الخطة التي جعلت الجيش النظامي والسياسيين المعتدلين يقللان من قيمة المتطوعين ، لأنهما كانا يخشيان النزعة الجمهورية ؛ ومن سخافة المعتدلين في هذه الحرب التي لم يكن فيها بين رجال الجيش قائد بارز موهوب انهم رفضوا خدمات رجل محارب مجرب مثل غاريبالدي .
وكان شارلز البرت قد تحرك على رأس جيشه ، ويقال إن حب الحرية لم يكن في طليعة بواعثه على مساعدة ميلان ، وإنما كان باعثه المحافظة على كيان النظام الملكي في إيطاليا ، فقد خشي إن تقاعد عن مناصرة ميلان ان يتولى الشعب الإيطالي تحرير نفسه ، وهذا ما حداه إلى شهر الحرب على النمسا ، وقد نصحه المعتدلون بتولى زمام الحركة
واستدعي شارز البرت المتطوعين الذين ارسلوا إلى ممرات جبال الآب لحمايتها ، وكان لذلك اثره السيء ونتيجتة القاضية ، فقد استطاع رادتزكي أن يعيد بعد ذلك خطوط مواصلاته وحصل على الامداد اللازمة ، وكانت سياسة المعتدلين قائمة على الخوف من انتقال السلطة إلى الشعب ، يحذرونه أكثر مما يخافون النمساويين ، وكانت عقيدتهم الراسخة ان الخلاص متوقف على الملك شارلز ألبرت وجيش بيدمونت دون معاونة الشعب ، واضاع شارلز ألبرت الفرص التي سنحت له بتردده وتوجسه وارتيابه بالحركة الشعبية ، وهكذا فإن قبولة رأي الملك وعجز القواد
وانقسام الرأي وفساد النيات هدم ما بناه أهل ميلان واضاع فرصة الاستقلال والوحدة ، وكان العجز والحمق وسوء التدبير هو طابع الحملة من أول أمرها .
وظهرت فكرة ضم لومباردي إلي بيدمونت ، وأرسل الملك إلي متزيني يعده الوعود ويمنيه الأماني إذا أقر الفكرة وأبدها بنفوذه ، فأرسل إليه متزيني يخبره أن الوحدة الإيطالية هي غاية حياته وأنه من أجل تحقيق هذه الغاية يتنازل عن كل الأمور الصغيرة . ولما كانت محاربة النمسا هي المسألة الهامة ، ولما كان كذلك يعرف أن توسيع حدود بيدمونت يعطي الأمراء الآخرين حجة المنافسة والغيرة وترك الفكرة القومية ، فلهذه الأسباب جميعها يري أن الطريقة الوحيدة المجدية هي جعل الحرب بين بيبدمونت والنمسا حربا عامة لتحرير ايطاليا جميعها ؛ ولم يرق هذا الرأي بطبيعة الحال الملك شارلز البرت فرفضه ، وكان مطلب متزيني مطلبا كبيرا ، والمطلب الكبير يستدعي وجود الرجل الكبير لينهض به ، ولم يكن شارلز البرت من كبار الرجال وقادة الأمم ، وإنما كان رجلا حمله التيار وفرضت عليه الحوادث الظهور والقيادة ، وأخذ المعتدلون يضغطون على الشعب ليوافق على انضمام لومباردي إلي بيدموت ، وقيل للشعب إنه لو تم امتزاج لومبارديا و بيدموت فإن موارد بيدموت من المال والرجال ستكون جميعها رهنا بحماية ميلان وتحريرها . وكان النمساويون حينذاك قد بدأوا ينتصرون في كل مكان وتراجع أمامهم الجيش الملكي . واستعان المعتدلون وقد دب إليهم اليأس بمتزيني لإنقاذ الموقف ، فأعد العدة للدفاع عن المدينة ، ولكن رسل الملك جاءوا وأذاعوا أن اللك قادم لحماية المدينة ، ومن الإهانة لجيوشه محاولة الأهالي الدفاع عن مدينتهم . وأدرك متزيني
الموقف باعث على اليأس فترك المدينة وانضم إلي فرقة عار ببالدي في و جاءوا ، وابدي جلدا وشجاعة وصبرا في احتمال المشاق والصعاب والأخطار التي نعرضت لها هذه الفرقة
وفي اليوم التالي دخل الملك ميلان وأعلن انه جاء للدفاع عنها ، وذلك في الوقت الذي كان قد اعتمد وثيقة التسليم لرادتزكي ، وكان تسليم ميلان ثمنا لتمكين الجيش البيدموني من الإنسحاب من المدينة ، وعاد النمساويون إلي ميلان ظافرين وصبوا علي أهلها العذاب واذاقوهم الويل
ولما تجاوزت فرقة المتطوعين الحدود تفرق شملها ، وانسحب الجيش إلي بيبدمونت وامضي الملك الهدنة ، ولم يقبل متزيني الاعتراف بالهزيمة ، وكان يري ان الحرب التي تولي قيادتها الأمراء قد أخفقت لينهض الشعب بالعبء ، ورأي بعد التدبر والتفكير أن ميدان عمله هو إيطاليا الوسطى ، لأنه يستطيع أن يستعمل نفوذه في فلورنس وروما لمباشرة الاستعدادات الحربية ، وكانت الديقراطية منتصرة في روما وتسكاني ، فقد فر البابا من مستقره ، ومكنه الملك فرديناند - ملك نابولي - من الاحتماء بحصن جيتا ، وكان الرومانيون متجهين إلي النظام الجمهوري وأسرع متزيني إلي مرسليا وأبحر منها إلي ليجورن ، وكان دوق فلورنس قد هرب ، واستغل متزيني نفوذه ليكبح من جماح غضب الشعب وهجومه على أملاك الدوق ، وترك متزيني تسكاني بعد محاولات عقيمة لضمها إلي الولايات البابوية وجعلها تتأهب للحرب ، وتوجه إلي روما
وكان متزيني يغري أهل روما بالأخذ بالنظام الجمهوري منذ تركهم البابا ، وقد اوضح لهم ان البابا في الواقع قد تنازل عن سلطانه ومهد لهم بذلك سبيل الجمهورية ، وان هذه الجمهورية الى تقوم في روما قد يمتد سلطانها ويعظم نفوذها حتي تشمل إيطاليا جميعها . وقد اعلنت الجمهورية في روما ، وكان لنصائح متزيني اثرها في ذلك وإن لم تكن هي بطبيعة الحال السبب الوحيد ، فقد كان ضغط الظروف هو العنصر الفعال في الموقف ، وقد دعت الجمهورية الرومانية متزيني في اليوم الرابع من تاسيسها فوصلها في مساء اليوم الخامس من مارس ، ودخل المدينة خلسة دون أن يلحظه
أحد ، وكانت الفكر المالئة لنفسه هي التأهب للحرب الوشكية الوقوع ، وقد كانت بيدمونت غير قائمة بالهزيمة ، وقد ساءتها القسوة التى عامل بها النمساويون سكان اللومباردي وكانت تهم بنقض الهدنة ، وكان هناك استعداد للثورة في مدن لومبارديا ، ومن واجب روما الجمهورية في مثل هذا الموقف ان لا تتخلف عن الصفوف ، وقد جعلها متزيني تقدم عشرة آلاف رجل ، وبينما كانوا على أهبة المسير إلى الشمال جاءت الانباء بهزيمة جيش بيدمونت في معركة نوفارا ، وبذلك قضى على الأمل في تحرير لومبارديا
وكان الموقف حينذاك يستدعي العمل على إنقاذ إيطاليا الوسطى ، وقد اتجهت انظار الرومانيين إلي الرجل الذي ظفر باحترامهم وتقديرهم والذي استطاع بقوة شخصيته الساحرة ان يرتفع بهم إلى مستواه الأخلاقي ، وقد وقع عليه الاختيار ليكون أحد الثلاثة الذين يصرفون أعنة الحكم . والواقع أنه أصبح صاحب الكلمة العليا والرأي الفاصل ، على ان متزيني كان ضعيف الأمل في إنقاذ الجمهورية ، وقد افضى مخاوفه إلى بعض اصدقائه من الاجانب ، ولم تكن الحالة تبعث على اليأس بعد ولم يكن متزيني يحفل اهل نابولي ، ولم يكن بتوقع ان تقدم فرنسا على العمل الخسيس الذي قامت به بعد ذلك ، وكان الخطر الوحيد الذي يخشاه هو الجيش النمساوي ، وكان في نية متزيني ان يضاعف الجيش الروماني وينقض به على خطوط مواصلات النمساويين الطويلة وهم يتقدمون على امتداد الساحل الشرقي .
ولم يصرفه ما بذله من الجهد في الاستعداد للحرب عن جعل حكومة الجمهورية حكومة نموذجية ، فقد حاول ان يوحد غرض الحكومة والشعب بحيث لا يكون هناك مجال لظهور الروح الحزبية او سوء الظن ، فلم يكن في حكومته جبروت ولا عنف ولا تعصب ولا محاباة ، وكان شعاره التشدد في المبادئ والاعتدال مع الافراد ، ولم ينحرف عن ذلك حتى في إبان تعقد الازمات واشتداد الكرب ،
وقد ترك للصحافة حريتها ، وكان يغضى عن المتآمرين على حكومته ويكتفي بتحذيرهم تحذيرا لينا ، وكان لذلك أثره في عجز الحكومة عن القضاء على عناصر الفوضي ، ولكن الأمن بوجه عام كان مستتبا شاملا للصديق والعدو ، وكانت سلطة متزيني اللينة المعتدلة تختلف كل الاختلاف عن طريقة الإرهاب البابوي الذي طالما أنزل الويل بتلك البلاد ، وأحسن متزيني معاملة رجال الدين وترفق بهم وحماهم وحاول أن يجتذبهم إلي صفه ، وأن يتفق مع البابا علي أن يكتفى البابا بالسلطة الروحية ، وكانت حياة متزيني في تلك الفترة حياة دمقراطية بسيطة ، فكان يقيم في حجرة واحدة ولا يتخذ له حرسا في بلاد اشتهرت بكثرة الجرائم السياسية والاغتيال السياسي ، ويتناول غداءه في مطعم متواضع وكانت ملهاته الوحيدة العزف على قيثارته والغناء إذا ما خلا بنفسه في الليل ، وكان يصرف له مرتب شهري قيمته اثنان وثلاثون جنيها ، وكان ينفق أكثرها على النير . أما إدارته فكانت من اللين والرقة بحيث ينقصها الشدة والحسم ، ولكن كان يعوض هذا النقص سرعة خاطره وخصوبة فكره التي ساعدت في إعداد الدفاع وكتابة المذكرات السياسية ، ولم يعصف بهدوء نفسه وسماحتها كثرة هموم الحكم وثقل أعباء الدولة .
وقد جاءت الضربة التي أصابت الجمهورية في الصميم من ناحية لم يكن متزيني ينتظر منها الشر ، وهي فرنسا التي يفرض عليها نظام الحكم فيها أن لا تستعمل قوتها في استلاب حرية الغير ، وقد دفعت فرنسا في سيدان ثمن هذه الجريمة الشنعاء التي اقترفتها بالاعتداء على الجمهورية الرومانية بدون مسوغ وفي شئ كثير من الضعة والغدر والخسة والارتداد إلي ادب الأدغال وشرائع الوحوش الضارية والحيوانات المفترسة ، وقد هاجمت الجمهورية الرومانية جيوش أودينو ودافعت الجمهورية عن نفسها دفاعا مجيدا ، وردت جيوش اودينو هزيمة مدحورة ، وأرسل
قرديناند دي لسيبس ليفاوض الرومانيين ، وكان الغرض من المفاوضة كسب الوقت لحين مجيء المدد ، وظن متزيني في بادئ الأمر ان الجمهورية قد نجت من الخطر الفرنسي فأرسل غاريبالدي لرد غارة أهل نابولى ، ولكن في الوقت الذي تم فيه الاتفاق بين دي لسيبس ومتزيني خلعت الحكومة الفرنسية رداء التنكر وقام اودينو بهجوم غادر على الجمهورية الرومانية ، واستمر حصار المدينة مدة شهر احسنت فيه المدينة الدفاع عن نفسها ، وكان على رأس المدافعين
متزيني وغاريبالدي وغيرهما من أبطال القومية الإيطالية ، واشترك النساء في الدفاع وأظهرن جلدا وقوة احتمال ، وقتل كثيرون من أصحاب متزيني ، واستهدف متزيني لنقد غاريبالدي الغاضب المشاكس ونقد المتآمرين الذين اتخذوه آلة لمآربهم ، وكان متزيني يري أن الجمهورية عليها أن تجاهد حتى النهاية ، ولما تداعت استحكامات المدينة أراد أن تدافع المدينة عن نفسها شارعا شارعا ، أو أن تنسحب الحكومة إلي جبال الابيناين ، و تظل رافعة علم الجمهورية الرومانية ، وأقره الجيش على ذلك ، ولكن هيئة الحكم لم تكن مستعدة للاقدام على مثل هذه التضحية ، واضطر متزيني إلي الاستقالة بعد أن عنفهم تعنيفا شديدا ، وسلمت المدينة للغزاة ، وأبي غاريبالدي التسليم ، فانسحب ومعه ثلاثة آلاف من رجاله . والظاهر أن الخلاف الشديد الذي وقع بين متزيني وغاريبالدي جعل متزيني لا يفكر في الانسحاب معهم ، وظل أياما في روما ، وكان متعبا منهوك القوي ، فإنه لم ينم علي الفراش منذ بدء الحصار ، ولم يكن يتناول ما يكفي من الطعام . وفي مدى شهرين أسرعت إليه الشيخوخة وابيضت لحيته ونحل وجهه ، وكان يطوف بشوارع المدينة عله يستطيع أن يهيب بالناس إلي المقاومة والدفاع ، وكانت نفسه ثائرة متمردة لا تريد الاعتراف بانتصار القوة الوحشية . والغريب أن الفرنسيين لم يجترئوا على إلقاء القبض عليه وأسره ! وأخيرا نصحه جماعة من أصحابه
بالانسحاب ، ولم يكن يحمل جواز سفر ، ولكنه لم يعدم وسيلة للأبحار إلي مرسيليا ، وهناك نجح في التخلص من الشرطة الفرنسيين ، وسافر إلي جنيف حيث قضي أسابيع قلائل في فندق هادئ ، ثم انتقل منها إلي لوزان حيث أقام صديقه وزميله في الحكومة الثلاثية صفي وبعض المنفيين الإيطاليين ، وشرع هو وأصحابه في اعمال النشر والصحافة كأن معركة روما كانت عطلة مؤقتة ، وفكر متزيني في عمل دائرة معارف دمقراطية ، وكان ينتابه في بعض الأوقات نوبات من التشاؤم وانكسار العزم ، ويثير المه انتصار القوة المادية الغليظة في إيطاليا ، ولكن سرعان ما كانت تنقشع السحب من سماء نفسه ويعاوده الصفاء والإشراق والإيمان بالمستقبل ، وتكرر الاضطهاد الذي لقيه في سويسرة سنة ١٨٣٤ ، وضغطت الحكومات الأوربية على حكومة سويسرة لطرد المنفيين الإيطاليين ، واضطر متزيني إلي الفرار إلي انجلتر وظل مقيما في انجلترا بلا انقطاع حتى السنوات الأحيرة من حياته

