يعرض لنا تاريخ الأندلس ) أسبانيا المسلمة ( منذ قيام الدولة الأموية ثلاث مراحل تمتاز كل منها بمميزات خاصة ، الأولى مرحلة القوة والتفوق ، أعني تفوق الدولة الإسلامية على أسبانيا النصرانية ؟ والثانية مرحلة الفوضى والكفاح خلال عصر الطوائف والمرابطين والموحدين ؛ والثالثة مرحلة الضعف والانحلال أيام مملكة غرناطة وهي مرحلة الكفاح الأخير . ومن الغريب أن هذه المراحل الثلاثة تكاد تتساوي في مداها الزمني ، إذ يمتد كل منها زهاء قرنين ونصف
فقد عاشت الدولة الأموية منذ سنة ١٤٠ ه إلى اواخر القرن الرابع ، وامتدت دول الطوائف وسيادة المرابطين والموحدين منذ اواخر القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع ، وعاشت مملكة غرناطة منذ سنة ٦٣٥ ه إلى سنة ٨٩٧ ه ) ١٢٣٨ - ١٤٩٢ م ( .
وقد كان شبح الفناء يهدد الأندلس منذ انحدرت إلى عمر التفكك والفوضي ، عقب انهيار الدولة الاموية وقيام دول الطوائف الصغيرة يقاتل بعضها بعضا ، والعدو المشترك أعني أسبانيا النصرانية ، يتربص بها ويؤلب إحداها على الأخرى ليسحقها تباعا ، ولم ينقذ الأندلس في تلك الآونة العصيبة من الفناء سوى مقدم المرابطين إلى الجزيرة استجابة لصريخ امراء الطوائف ، وانتصارهم في موقعة الزلاقة الشهيرة على النصاري ) ٤٧٩ ه - ١٠٨٦ م ( . وقطعت الأندلس في ظل المرابطين وخلفائهم الموحدين حقبة مضطربة مليئة بالكفاح والحروب الأهلية ، ولكن عناصر القوة والتكافؤ كانت فيها سجالا بين المسلمين والنصاري
ولما انهار سلطان الموحدين في الجزيرة عاد شبح الفناء يهدد الأندلس مرة اخرى ، واخذت قواعدها العظيمة
الباقية : قرطبة ، وبلنسية ، ومرسية ، وإشبيلية ، تسقط تباعا في يد أسبانيا النصرانية . ولكن عناصر الاضطراب والفوضى اخذت تتمخض هذه المرة عن ظاهرة جديدة من التجمع والاستقرار ، وأخذت عناصر القوة والتماسك تجتمع رويدا في الركن الغربي الجنوبي من الجزيرة ، لتكون مهدا لمولد مملكة اسلامية جديدة ، هي مملكة غرناطة .
وقيام هذه الملكة في الطرف الجنوبي للدولة الإسلامية القديمة يرجع إلي عوامل تاريخية وجغرافية واضحة ؛ ذلك ان القواعد والثغور الجنوبية التي تقع فيما وراء نهر الوادي الكبير ، آخر الحواجز الطبيعية بين اسبانيا النصرانية وبين الأندلس ، كانت أبعد المناطق عن متناول العدو وامنعها
وكانت في الوقت نفسه أقربها إلي الضفة الآخر من البحر ، إلى عدوة المغرب وشمال إفريقية حيث تقوم دول إسلامية شقيقة ، وحيث تستطيع الأندلس وقت الخطر الداهم أن تستمد القوت والعون من إخوانها في الدين .
وقد كان لها في ذلك منذ أيام الطوائف اسوة ، بل لقد كان صريخ الأندلس يتردد في تلك الاونة ذاتها على لسان شاعرها وسفيرها ، ابن الأبار القضاعي ، حينما دهم العدو بالنسبة فى سنة ٦٣٦ ه ؛ وكان الصريخ موجها من اميرها ابن زبان إلي أبي زكريا الحفصي ملك إفريقية ) تونس ( ، وهو الذي ردده الشاعر في قصيدته الشهيرة التي مطلعها :
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن السبيل إلي منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
وفي قول الشاعر يتمثل هذا المغزي التاريخي الذي لبث أحقابا يربط بين الأندلس وبين الدول الإسلامية الشقيقة في عدوة المغرب ؛ وقد كان يتمثل واضحا كلما اشتد الخطر بالأمة الأندلسية ولاح لها شبح الفناء في جزيرتها المنقطعة قويا رهيبا .
-3-
ويرجع الفضل في قيام مملكة غرناطة التي شاء القدر ان تكون ملاذ الامة الأندلسية دهرا طويلا اخر ، إلى عبقرية رجل متواضع ولكن يفيض ذكاء ، وعزما ، هو محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الاحمر ، سليل بني نصر ؟ وهم في الأصل سادة حصن ارجونه من أعمال قرطبة ،
ويرجعون نسبتهم إلي سعد بن عبادة سيد الخزرج ، فهم لذلك من اعرق البطون العربية . وكان لبني نصر وجاهة وعصبية ، فلما ضعف امر الموحدين ، وخرج عليهم محمد ابن يوسف بن هود الملقب بالمتوكل ، واخذ ينتزع منهم القواعد والثغور تباعا ، رأي بنو نصر الفرصة سانحة للظهور على مسرح الحوادث ، ونهض كبيرهم محمد بن يوسف ابن نصر لمعارضة ابن عود في جنوبي الاندلس ، ودعا للأمير زكريا صاحب إفريقية ، وأطاعته جبان وشريش ومالقة من القواعد الجنوبية ) سنة ٦٣٠ ه ( . ولما لاح ان الأمر قد استتب لابن هود ، واستولي على غرناطة ،
وجاءته موافقة الخليفة العباسي علي دعوته ، لم ير محمد بن وصف ) ابن الاحمر ( بأسا من مصانعته والانضواء تحت لوانه ، وجاهر بطاعته . ولكن ابن هود لم يلبث ان توفي في أوائل سنة ٦٣٥ ه ، فانهارت دولته بسرعة ؛ وعندئذ بادر ابن الأحمر بالاستيلاء ، على المرية من يد حاكمها من قبل ابن هود . ثم استولى على غرناطة بدعوة من أهلها في رمضان سنة ٦٣٥ ه ) ابريل سنة ١٢٣٨ م ( وجعل بها مقر حكمه . وقاعدة سلطانه
وهكذا نشأت إمارة غرناطة الصغيرة من غمر الفوضي التى سادت الأندلس عند انهيار دولة الموحدين ، ولكنها كانت في حاجة إلي الاستقرار والتوطد . وكان ابن الأحمر يواجه في سبيل هذه المهمة كثيرا من الصعاب ، وكانت الأندلس قد مزقتها الحرب الأهلية وانتثرت إلي حكومات ومناطق عديدة . وكان ابن الأحمر يحظي بتأييد جمهرة كبيرة
من الشعب الأندلسي ولا سيما في الجنوب ؛ ولكن أصاغر الزعماء والحكام كانوا يؤثرون الانضواء تحت لواء ملك النصاري والاحتفاظ في ظله بمدنهم وقواعدهم على مظاهرة ابن الأحمر والانضواء ، تحت لوائه . وكان فرديناند الثالث عشر ملك قشتاله يري في ابن الاحمر زعيم الاندلس الحقيقي .
والخصم الذي يجب تحطيمه ؛ فما كاد ينتهي من إخضاع الثغور الشرقية حتى عمد إلي مهاجمة ابن الأحمر ، واستولي النصاري على حصن ارجونه وعدة أماكن اخري من أملاك امير غرناطة ، ثم حاصروا غرناطة ذاتها ) ٦٤٢ ه - ١٢٤٤ م ( ولكنهم ردوا عن أسوارها بخسائر فادحة . وفي العام التالي زحف النصاري علي جيان وحاصروها حتى كادت تسقط في أيديهم ؛ فلما رأي ابن الأحمر تفوق النصاري وعبث المقاومة آثر مصانعة ملك قشتالة ومهادنته ، فسار إلى لقائه في معسكره وقدم إليه طاعته ، واتفق على أن يحكم أراضيه باسمه وفي ظله ، وأن يؤدي له جزية سنوية ، وتعهد بمعاونته في حروبه ضد أعدائه ، وأن يشهد اجتماع مجلس قشتاله النيابي ) الكورتيس ( باعتباره من الأمراء التابعين للعرش ، وسلم إليه قلعة جبان رهينة بحسن طاعته . وهكذا أمنت غرناطة شر العدوان مدى حين ، وارتضي ابن الأحمر ان يضحي استقلاله مؤقتا احتفاظا بأراضيه ، وحتي تتوطد دعائم إمارته ، وعاون النصاري في محاصرة إشبيلية والاستيلاء عليها تنفيذا لعهده ) ٦٤٦ ه ( . وكانت هذه المناظر المؤلمة تتكرر في تاريخ الأندلس منذ الطوائف ، حيث نري كثيرا من الأمراء المسلمين يظاهرون النصاري علي إخوانهم في الدين احتفاظا بالملك والسلطان .
ولكن ابن الأحمر كان يقبل هذا الوضع المؤلم راغما إنقاذا لتراث لم يكتمل الرسوخ بعد ، وتنفيذا لامنية كبيرة بعيدة المدى . ذلك أنه كان يطمح إلي جمع كلمة الأندلس كلها تحت لوائه ، وإدماج ما تبقى من تراثها واراضيها في مملكة موحدة تكون ملكا له ولعقبه . ولم تكن تحدوه
رغبة في توسع يحمله إلي الأبد اسيرا لخلفائه النصاري ، مثلما كان يفعل اسلافه زعماء الطوائف ، بل كانت تحدوه ، قبل كل شئ رغبة في الاستقرار والتوطد داخل حدود إمارته المتواضعة ، ومن ثم كانت مصانعته للنصاري ومهادنتهم في البداية . وكان جريا على السياسة الاندلسية المأثورة يستمد عون ملوك العدوة ويوثق معهم اواصر المودة فلما آنس في نفسه مقدرة علي مواجهة النصاري والخروج على طاعتهم ، وحماية مملكته الفتية من عدوانهم ، لم يحجم عن مخاصمتهم ومحاربتهم . واستجاب لنصرته حلفاؤه بنو مرين وغيرهم من ملوك المغرب وامدوه بالجند ،
وظهرت الأندلس على عدوها في ميدان الحرب لأول مرة منذ انهيار دولة الموحدين ، واستطاع ابن الاحمر ان يهزم النصاري حينما غزوا اراضيه في سنة ٦٦٠ ه ) ١٢٦١ م ( وكان ابن الأحمر يتمتع بخلال باهرة من الشجاعة
والإقدام وشغف الجهاد والمقدرة على التنظيم ، والبراعة السياسية ، وكان يلقب بالشيخ ويعرف بأمير المسلمين ، وهو الذي أنشأ حصن الحمراء الشهير لإقامته . ولما توفي سنة ٦٧١ ه ) ١٢٧٢ م ( كانت مملكة غرناطة الصغيرة قد توطدت دعائمها نوعا ، واستقر بها ملك بني الاحمر الفتي على أسس ثابتة وكان من حسن الطالع انه لم يظهر في مملكة غرناطة زعماء خوارج ينازعون بني نصر زعامتهم ،
ولذا لم نشهد في هذه الأندلس الجديدة مأساة الطوائف مرة أخرى ، وإن كان تاريخ الدولة النصرية لم يخل من ثورات وانقلابات محلية جديدة - وقد كان من غرائب القدر ان هذه الملكة الإسلامية الصغيرة استطاعت غير بعيد أن تعيد لمحة من مجد الأندلس الذاهب ، كما استطاعت بكثير من الشجاعة والجلد ان تسهر على تراث الإسلام في الأندلس
زهاء مائتين وخمسين عاما اخري

