الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

محمود المسعدي, حديث الغيبة تطلب فلا تدرك،

Share

"هناك ، فى ملكوت الليل الكلى الواسع" حيث لا يصيب الانسان من العلم الا وحيدا اوحد هو النسيان الربانى الخالد القديم (شوبنهور) فقد عرفت ان سعادة النفس وكمالها ان "تنتقش بحقائق الامور الالهية وتتحد بها كانها " " هي............" ( الغزالي )

حدث مكين بن قيمة السعدى قال : حدثني هشام بن ابى صفرة الهذلي

قال :

كانت ظلمة الهذلية من راهبات دير العذارى . تنصر ابوها فى بعض عمره فنشأت على النصرانية . وكانت مع حر جمالها نفورا شرودا تاببى الانوثة وتتصنع طبائع الرجال . فلما بلغت من السن ما يطغى فيه الدم ويفيض الماء ، تمردت فترهبت ودخلت دير العذارى . فذهب لها به ثلاث سنوات . فهى به إذ نزل بهم ابو هريرة . فاقام فيهم زمنا . ثم انصرفا معا وقد ارتدت وفجرت فامعنت في ذلك . ولم يكن فجور كفجورها نية ومعنى . وكانت تقول : فجورى من الطاعة والاذعان . آمنت من يوم آمنت بالجسد وكفرت بالروح . ثم أسنت وفنيت فاشترت تيسا . وكانت تقول : ارتاح لنبيبه.

قال : قال : حدثتني ظلمة قالت : اول عهدي بابى هريرة يوم طرق علينا بالدير . وكان قليلا من يطرق علينا لمنعة الجبل وشدة الدير وعسره وانفصاله عن الارض

قال : تريد دير العذارى . وهو الذى على الجبل فوق أثاية العرج يراه الحاج فى طريقهم ولا يبلغه الا النسور ولا يعلم احد كيف يرتقي اليه رهبانه ولا كيف ارتقى اليه ابو هريرة ولا ظلمة - قالت : وكنت صاحبة المفتاح . ففتحت له وسالته ما حاجته . فقال : حاجة الفار الملتجئ . فحسبته متزهدا مترهبا . فقال واشار الى ظله: هروبي من هذا . فرأيته يلوح الى ذنوب اعتلقت به فقلت : ان كنت تطلب محوها فادخل . فدخل وتقدمته الى رأس الدير

ونحن بدهليز الديراة قال ، وقد رأى مسبحتى وتسبيحى : فى كم تسبيحة تعمى العين؟ وكنت نسيت النور وعينى لشدة ما كنت اصرفهما الى الغيب . فلما سمعت كلامه ثنيت بصري اليه . فاذا هو من اوضح واضوى واحسن من رايت عينا ، واذا عينه اشد ما رايت شوقا الى ما لا تراه غيرها من العيون ، فكانها تنشئ مرئيها انشاء وكان روحه البصر . وكانت مشيته لا تكاد تستقيم كأن به خمرا او نصبا فقلت : ما بك ؟ قال سؤال اطلب جوابه . اريد ان اعرف ايهما اصدق وجودا الله ام الشيطان . فقلت واستغفرت : استغفر ربك يا هذا وطهر نفسك من الدنيا . فصاح : لا تستغفرى ولست بمستغفر . اريد ان اعرف هل انا خالق الله ام الله خالقي . واردت ان امسكه عن كفره فابى وسرنا على شبيه بذلك حتى وقفت به عند رأس الدير . فاخبرته بما كان من امره . فاقبل عليه يسأله . فكان ابو هريرة ينظر الينا نظرة غريبة ولا يجيب . ثم قال : الرهبان اينسون ويموتون عن انفسهم ؟ قال الراس : نعم . ولقد نسي المسيح من قبلنا . ان كنت تطلب لدائك دواء فانت اخونا .

ثم أحملنيه الراس اعلمه واروضه . فانصرفت به يرمى عن جسده ثياب اهل الدنيا . فوجدت لثيابه ريحا كريح الدنيا هزت نفسى . وكانما ادركها أبو هريرة مني فقال : الا تذكرك ابل الحى تكون ضباعى ؟ ممن انت ؟ هذا انفك يرمع . وكان كذلك . فكرهت ان اجيبه . ثم لبس الصوف ومكث فينا ستة اشهر يكد نفسه فى رهبنتنا . فلم ينزل من الدير إلا بى

قالت ظلمة : وكنت اختلى به كل ليلة فى محراب اعلمه الاخلاص واعلمه الادعية .

فأنا به اول ليلة اذ اقبل على واخذ بيدى وقال : هل بلغت من الصلاح ما تحملين معه فتلدين ولا فحل ؟ فنفضت يده واقشعر دمى . قال : ان لم يكن فالصلوات اقل من الخمر جدوى . كيف تتخلصون من الاجساد والارواح ؟ قلت : نمزقها تمزيقا حتى ننسى الالم . واما الارواح ففى الله والمسيح فناؤها . وكان من طريقتهم تعذيب الجسد حتى يفنى . ثم قمت فأتيته بسوط . فدفعه وقال : بيدى لا بهذا وكنت اقول : دم المسيح ولحمه يمحوان ذنوب المذنبين . فيقول : الا سبيل الى تعليمى ما ينسى ؟ الا سبيل الى غير المعقول ؟ علمينى الحمل والولادة وسر توارث الارواح او غنيني وأريحني . اليس فيكم من يحذق صنع الاصوات تحضر الالهة وتكسر الزمان وتشيع المحدود . فاقول : اللهم ارحمه . ثم علمته دعاء ليلته ودخلت غرفتي فبكيت الى فجري

ولما اصبحنا جئت الصلاة . فاذا ابو هريرة قد شق لحمه بظفره ، فهى على جسده كالخيوط الحمراء ، وصوفه مضرجة كجلد السليخة . ثم اختفي عنا واختلى بمحرابه . فبقى به شهرين او اكثر لا ينفذ اليه بصيص من النور . وكنت اذهب اليه بطعامه فلا يفتح لى باب محرابه ويقول : ضعيه على الباب . فأضعه وانصرف واعود اليه بعد ذلك فاذا هو يصوم اليومين والثلاثة ولا يطعم ولا يشرب حتى خشيت عليه . وصرت بعده كالخاوية القفر وبكيت كثيرا . ثم انكرت ذلك وتمردت . فخلوت اياما بمحرابي . وبكيت شوقا ودعوت خشية ولعنت الشيطان وابا هريرة وقلت : لا يغلبني . ثم لم يلبث ان وهن عزمى وكرهت ليالي بذهب بسكونها ابو هريرة . فخرجت من معزلي . فكنت اجئ باب محرابه فى جوف الليل واقنع بنفسه اسمعه كنفس الريح الحيرى او بنبرات بكائه اسمعها كالدلو فابكى ويخفق قلبي ثم لا يطيب منامى

ثم خرج الينا فجانبته . وكان كالذاهب البال ، لا يكلم احدا ولا يسال عن احد ويكثر من الجلوس فى مقبرة الدير . ولم اصبر عنه فاتيته . فقال : هل نسيتني ؟ قلت : لم استطع - قال : وتطمعين بالموت . قلت : وهل انستك العزلة فابتسم وقال فاذا ابتسامته فى وجهه الناحل الشاحب كالفجر الطاهر : لا ادري لعلى نسيت الالم . اما اللذة فلا ادرى . فكانه اثبت فتى سهما . فالقيت بنفسي وكدت

اقع على وجهى ، لولا انه اقامني واحتملنى الى محرابى ، وقد غلبت غلبة لم يكن لى بعدها شدة ولا عزم . فلما افقت اذا هو على رأسى يقول : كذا المرأة ، لا تكون الا واهنا مقطاع الجهد . فاذا همت ان تشتد او اشتدت بعض يوم اذا هي رماد . ثم بقينا اياما بمحرابي ، والدير يحسبنا نتعبد ونبتهل وانما كنا فى الشيطان . وكان أبو هريرة يقول : الان علمت وعلمت ان اللذة لا تغلب . فسألته : او كانت فى منذ الصغر ؟ قال : نعم . وفى . وقد كرهتها لما فيها من تواضع الى امثالك من الخلق . وكنت من ايام تيقظى الى محاسنى ونعومة لحمي ادفع الجود بها على الرجال والوقوع تحتهم والاستكانة اليهم . فكنت اتناساها وانفيها حتى جاء ابو هريرة وقال : انه لا يتناسي الجسد انسان الا اكلته الخيالات . وسالني : هل وجدت فى تعبدك امتلاء ؟ فآمنت بانسانيتى ووجدت من حياتى ملأ لم اجد قبله واتسعت حتى علوت حياتى ، وكنت من قبل خاوية ذليلة مستكينة مستضعفة . وكانت لنا ايام . .

ثم اهملني فكان لا ياتينى الا كالمرغم الكاره . فبقيت ابكى ويطول بكائى وكان قبل لربي الى ان اعتزلنا جميعا عزلة ثانية ، وبقى اياما لا يسمع ولا يرى ولا يطعم ولا يشرب . فلما اعتزل دعاني رأس الدير فقال : احذرى يا ظلمة ان يهبطك الارض . فزادنى ذلك وحشة على وحشتى وشوقا على شوقي . ولكنى كتمت ضلالي واردت ان ابلو نفسي . فاعتزلت ودعوت صلاتى ان تعاودنى وربي ان يبرز لى . فبقيت كذلك اياما ابتهل واصلى متبتلة نازعة عن غوايتى منيبة الى الله . فلم يجدني ذلك اكثر مما يجدى الطاوى مضغ الحصى . وبقيت خاوية فارغة وقد هوى ربى ، اصلى فأجد صلاتى كالشهدة الهف ، وادعو فاذا جوارحي ترتعد وتختلج ، كأن ابا هريرة قد لبسني وخلف الله فى قلبي

ثم خرج من معزله وخرجت . فجئته فاذا هو فاتر الجسم شاحب الوجه منهوك ساهم مدنف . فجزعت وقلت : وما كان جزاء هذا ؟ فاخذني الى محرابى وقال : اني اقص عليك يا ظلمة الغيبة تطلب فلا تدرك . وكانت نفسه تعوي كالذئب ولكن كلامه كالريحان تذروه الريح فيموج ويفوح . وقال : انه يا ظلمة

إذا اقوت السماوات انهالت على الظهر . قلت : حدثني عن الايمان . فاطرق ساعة كالمصيخ الى ليلة من ليالي الصيف هادئة قمراء خالية . ثم قال : نعم

كنت يا ظلمة ارى المؤمن مرتاحا كاطمئنان الجمال تطوى المراحل طياولا نصب يبدو ولا شكوى ولا عصيان . فاشتهى ان اكون مثله وان اعضد هذه الحيرة من قلبي كما تعضد النخل العقيم . وكنت ممن ذهب ايمانه فجئت هذا الدير وقلت : لعلى اروض النفس على الايمان . وقد انتهى اليوم جهادى وعلمت ان الالهة لا تقام اذا هوت

قالت ظلمة : فقلت : وهؤلاء يا ابا هريرة أعني الرهبان . قال : انهم خليط كسويقاء المرق .

فيهم الهوائيون عبدة الخيالات اصحاب الاحلام . الذين يريدون الارض ان ترتفع الى السماء والحقيقة الى الوهم والذات الى الظل . وقد حدثني بعضهم يوما فقال : انظر الى السماء فأراها نورا والأرض فاراها ماء ونفسى فأراها شعاعا ويقول : النجوم اخوتى وزهر الارض وسادى والشمس طعامي . هل اكلت من الشمس ؛ انا طائر او صخر او سحاب فى السماء . فقلت له : فاذا تيقظت قال : لا ادري في اى بلد وقعت وليس من همى . وطلبت مثل احلامه . فاذا صاحب الاحلام اذا ذهبت به قتل الدنيا وانقطع الى الفوق فليس فى الكون غيره وان هو الا خيال . وليس اكره من الخيال عندى .

وفيهم الارضى يلعن ربه ان ليس من طين ، ويطلب المغالطة كالذئب يتصنع جزة الغنم . فكانه يقول : يا رب نزعت طينى فانزع روحانياتك . ولست ممن يحب الطين ان يرتد اليه كل شئ .

وفيهم يا ظلمة الاعرج الضعيف النفس ، يحب الكامل السالم ويكبر ، فيعبده ويكره ضعف نفسه فيريد ربه ان يقرضه القوة .

وفيهم صاحب الشوق يحن الى ما يوسوس فى صدر من ذكرى القدم . وفيهم يا ظلمة الكفرة مثلك ايمانهم خدعة وقد جهدوا ان يعلمونى ايمانهم

ثم نظرت اليهم يركعون ويسجدون لله ويكثرون من ذكره ويجعلونه فى السماء يرفعون اليها الابصار ، فلا يذهب ذلك بشئ من كفرهم . فان اكثرهم يلحون فى ذكر الله الحاح الشاك او المنكر . وبعضا منهم يلحون فى ذلك اكثر من ذكر الله ولما يعرفه فلما خاف ان يجده سكن اللسان . انهم يخلقون ما يعبدون . ويطلبون الغيبة . ولكنهم لم ينجوا من انفسهم . بل تفرد بهم شيطان الروح وماتوا ميتة غريبة . احياء فى بواطنهم نيام عن الدنيا ، قد اتسعت نفوسهم فغطت عليها . او لائك قوم تاهت قلوبهم واعينهم وغرهم ما غرني من امر البراهمة بالهند يظل الرجل منهم عامة دهره يتعبد حرا او قرا ولا يغير من ثيابه ولا يحرك من طرفه ، كانما ذهبت حياته وذهب جسده فكأنه الفناء او الاطمئنان الكامل - وليس كذلك . كذا رهبان الدير سكون ولا اطمئنان .

وقد ارتضت رياضتهم وتلوث الادعية وصليت الصلوات وامسكت نفسى ان تكابر الله . فلما انتهيت فقدت نفسى . ففرحت وقلت : فنيت فى ربى وقلت : هو الله . ثم طلبتها فاذا هي حاضرة لم تغب وانما انقلب الشكل ؛ واذا روحي لغو من الاناجيل وعقلي نسيج من الحروف وقلب من الظلمات وربى وهم من ذلك وليد ، واذا على لسانى لعنة ذى المستغبة بطعم الزقوم

ونظرت اليهم على اختلاف مذاهبهم ، فرايتهم يخدعون انفسهم او لا يعلمون ما يفعلون ، او يكونون ادخل من الملائكة في الروح يطلبون محل الالهة ويقولون لقد تأله المسيح من قبلنا ، وهم على ذلك لا يتخلصون من الحاجة تنزلهم الى غائط الارض ولا من الطعام يحرك فكوكهم كالابل تجتر ، ولا من الشهوة يركب بعضهم بعضا ، فقلت : سحقا الآلهة كالقردة والحمير . وقلت : سحقا لرهبنة لا تكون الا تألها مستحيلا او غرورا مؤلما .

ثم خرجت عنهم وعنها

قالت ظلمة : فقلت : وقد اخرجتني . فاذا للجسد مس الجديد المعاد الخلق فلم يقل شيئا و ضمني اليه .

ثم هبطنا الارض

اشترك في نشرتنا البريدية