الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 280الرجوع إلى "الثقافة"

مستقبل الأدب العربى

Share

يعاني الأدب العربي الآن مشكلة من أكبر المشاكل ، وهو أنه أدب الخاصة لا العامة ، وليس للعامة أدب . ونحن إذا أردنا أن ننهض بالشعوب العربية وجب أن يصل صوت أدبها إلي خاصتها وعامتها معا ؛ فالعامة هم السواد الأعظم في الشعوب ، وهم المقياس الحقيقي لرقي الأمة وانحطاطها . فالفلاح في القري المصرية الذي يكون نحو ثمانين في المائة من مجموع الشعب هو الذي يمثل مصر ، لا الشاب الذي أخذ درجة من جامعة مصرية ثم أتم دروسه في أوروبا أو أمريكا ؛ وكوخ الفلاح هو الذي يمثل البيت المصري لا القصر الجميل على ضفاف النيل ؛ وشوارع القرية هي التي تمثل شوارع مصر لا شارع الهرم ، وهكذا . فإذا أردنا النهوض الحقيقي للأمم العربية فليكن جل اهتمامنا بالسواد الأعظم من العامة لا بالطبقات الخاصة وحدها - إذا أردت تحسين العقلية المصرية أو الشامية أو العراقية فوجه أكبر همك إلى تحسين عقلية الفلاح والعامل ، ولا تقتصر على العدد المحدود من طلبة المدارس ، وهكذا في الشؤون المالية والاجتماعية وإذا أردت وضع " ميزانية " عادلة للشعب فاحسب حساب ما ينال العامة منها وما ينال الخاصة ، فإن كان ينال الخاصة أكبر قسط فيها أو نصفها فهي ميزانية أرستقراطية جائرة ، وهكذا.

إن من حق العامة أن يستمتعوا بالأدب كما يستمتع الخاصة ، وأن يكون لهم أدب يناسبهم كما للخاصة أدب يناسبهم ، وأن يكون في أدبهم ما يغذي عقولهم ويرفع مستواهم ، كما يكون فيه ما يتذوقون معه الفن الجميل - هذا من حقهم على الدولة كحقهم في الماء النظيف يشربونه ، والصحة يعني بها ، وضرورات الحياة توفر لهم ؛ فإذا لم يكن للعامة أدب فهم والحيوان سواء ، والأمة تجني من هذا الجهل وعدم تذوق الأدب الصاب والعلقم من كثرة الجرائم

وانتشار التخريف ، وعدم الشعور بالظلم ، واستغلال أرباب رءوس الأموال لهم ، وهكذا.

والأمم العربية في أسوأ موقف من هذه الناحية ، فالكتب ، والمجلات ، والصحف  - وهي الأدب بالمعنى الواسع - ليست إلا للخاصة ، ولا شىء منها للعامة ؛ ومعنى ذلك أن الخاصة هم الذين يتغذون عقليا ونفسيا ، والسواد الأعظم حرم ضرورات العيش ، وحرم أيضا ضرورة العقل والعاطفة وهو الغذاء الأدبى، فأصيب " بالأنيميا " الجسمية والعقلية والعاطفية معا.

وكم الخاصة وكم العامة ؟! إن الكتاب في العالم العربي يطبع منه الألف والألفان ، وقلما يطبع منه عشرة آلاف ، والمجلات والجرائد مهما راجت لا تطبع إلا خمسين ألفا أو ستين ألفا ، مهما كان أدبها ولغتها متواضعة ، ومعنى ذلك أن القراء الذين يتغذون بالكتب والمجلات والصحف لا يتجاوزون المائتى ألف ، إذا حسبنا أن الكتاب أو المجلة يقرؤها أكثر من واحد ، بل ضاعف هذا العدد إن شئت مرة واثنتين وثلاثا ، وانظر نسبته إلي نحو سبعين مليونا يتكلمون العربية في الأقطار الشرقية ، فمعنى هذا أن تسعة وستين مليونا فأكثر من الشعوب العربية لا يتغذون غذاء عقليا بالكتب والمجلات ، ولم يصل إليهم شىء من الأدب في قليل ولا كثير .

وهذه النتيجة مرعبة مفزعة ، وهي المقياس الحقيقي للشعوب ، وليس هناك أمة حية علي وجه الأرض الآن تشقي نصف هذا الشقاء ولا ربعه؛ فالروايات والكتب الأدبية المناسبة تصل إلى آذان الفلاح في حقله ، والصانع في مصنعه.

وسبب هذه المصيبة العظمي في الأمم العربية شيئان هامان : الأول الأمية الفاشية ، فلا تزال نسبتها في الأمم العربية كبيرة جدا بالنسبة للمتعلمين. وحركة انتشار التعليم والتغلب على الأمية - مع ما بذل فيهما من جهد - ضعيفة بطيئة ، وليس ينجينا من الأمية السير المعتدل الرزين ، وإما الثورة العنيفة على الجهل وعلي الأمية ، وحشد كل القوي

المتعلمة في الأمة مع إمدادها بكل ما نستطيع من مال لهذه الحرب الشعواء ؛ أما السير الحكيم فلا يمحو الأمية إلا بعد مئات السنين ، والعالم لا ينتظرنا لينعم بمنظر سيرنا الوقور

والسبب الثاني أن لكل أمة عربية لغتين : لغة للكتابة والقراءة والتأليف في العلوم والآداب ، ولغة للكلام في الشارع والمنزل والتعامل ، وأن الفرق بين اللغتين كبير وهذا عائق كبير عن تقدم الشعوب العربية وثقافتها . نعم إن كثيرا من الأمم كإنجلترا وفرنسا وأمريكا لها جمل وتعبيرات وكلمات عامية وأخري فصيحة ، ولكن الفرق بينهما ليس كالفرق بين لغتنا العامية ولغتنا الفصحى ؛ فلو أنك قرأت كتابا أو رواية بالإنجليزية على فلاح أو صانع وكان موضوع الكتاب يتناسب وعقليته ، أمكنه أن يفهمه في سهولة ، ويشعر أن ليس هناك فرق كبير بين ما يتكلم وما يقرأ ويسمع ، وهكذا الشأن في الفرنسي والأمريكي وليس كذلك عند العربي

وقد أنتج هذا الفرق الكبير بين العامية والعربية الفصحى نتائح سيئة جدا ، منها صعوبة نشر التعليم في أوساط كثيرة واسعة ، ولا يكون هذا إذا تقاربت اللغتان ، ومنها حرمان العامة من تذوق النتاج الأدبى العربي ؛ ومنها أن ما يكتب باللغة العربية الفصحى نفسه في الموضوعات الأدبية التى تمس الحياة الواقعية ليس فيه الحياة التامة ، لأن استعمال الكلمات والجمل في الشارع والمنزل يضفي على اللغة نوعا من الحياة لا تستفيده إذا عاشت بمعزل عن الاستعمال اليومي فلكل كلمة وكل جملة تستعمل على الألسنة هالة غير المعاني المكتوبة في المعاجم ، فإذا قصرت على التفاهم بين الخاصة لم يكن لها هذه الهالة .

وأهم فرق بين اللغة العامية واللغة الفصحى ، وأهم صعوبة في انتشار اللغة الفصحي - في نظري - الإعراب لقد فشلنا في تعليمه حتى للخاصة والمثقفين ، فهذا متخرج الجامعة قد صرف تسع سنوات على الأقل في المدارس الابتدائية والثانوية بتعلم النحو ، ثم عددا من

السنين في الجامعة ، ومع ذلك قل جدا من يستطيع أن يكتب صفحة خالية من الخطأ النحوي - ومثلهم المثقفون ثقافة عامة ومن قرأوا لأنفسهم كثيرا وكتبوا كثيرا ؛ فكيف نطمع أن نصل إلى نتيجة باهرة إذا أردنا نشر تعليم اللغة العربية في أوساط العامة ، وكيف نلزمهم أن ينصبوا الجمع المؤنث السالم بالكسر ، ويجروا الممنوع من الصرف بالفتح ونحو ذلك ؟! إذا كلفناهم ذلك فقد كلفناهم شططا ، وكانت النتيجة لا محالة الفشل في تعميم التعليم إن ذلك قد صعب على الخاصة فكيف بالعامة !!

هذا أهم عائق يحول دون تعميم التعليم ، ودون فهم العامة للأدب العربي . فما الحل ؟

إني أري رأيا أعرضه على أولى الرأي للتفكير وتقليبه على وجوهه المختلفة ، وهو اصطناع لغة عربية خالية من الإعراب ، وخالية من الألفاظ الضخمة ، ومستعملة للكلمات العامية التي هي أيضا عربية ومجردة من خرفشة اللغة العامية . فنقول : " لا أحب " بدل " ما أحبش " ، وسأعمل بدل "حأعمل " وأسكن آخر الكلمات كلها من غير إعراب ، فأقول : " محمد شارك على في التجارة " ، ونحو ذلك .

 وهذه اللغة التي هي وسط بين العامية والفصحى هي التى يجب أن نعتمد عليها في نشر التعليم بين العامة ، ويكتب بها بعض الأدباء رواياتهم ، ويؤلف بها بعض المؤلفين الكتب الشعبية ، ويتحدث بها المتحدثون في الراديو ، والخطباء في خطبهم الشعبية ، وهكذا .

بذلك نستطيع أن نقارب بين العامية والفصحى ، وبذلك نستطيع أن نسهل تعليم العربية ، وبذلك نستطيع أن نوصل الأدب العربي إلي سواد الناس ، ولتبق اللغة العربية الفصحى لغة الخاصة يكتبون بها للمتخصصين ، ويقرءون بها التراث القديم ، وينتفعون به ، وينقلون منه ما شاءوا إلى اللغة الجديدة لنفع الجمهور ؛ وستكون هذه اللغة الجديدة صالحة لأن يصاغ بها الفن الأدبي على أشكاله وأنواعه . فاللغة العامية - على سوء ما فيها - استطاعت

أن تخرج الرجل الجميل والروايات الرائعة ، فهذه اللغة الجديدة التي تعد عربية إلا في الإعراب وغرابة الكلمات ، تكون أصلح في هذا من اللغة العامية وأطوع للفن ، وستكون أيضا صالحة للتفاهم بين الأمم العربية كلها لا كاللغة العامية الخاصة لكل شعب .

إن لغة الوقف " تسكين الآخر " هي اللغة التي عمت الإنجليزية والفرنسية والطليانية ، وهي الأصلح للزمان لسهولتها ومناسبتها للجمهور ، وكثير من اللغات تدرج في تطوره الطبيعي من لغة معربة إلى لغة غير معربة .

ستصدم هذه الفكرة - من غير شك - بعض العقول لأنها غير مألوفة ، ولكن أرجو أن تبحث في هدوء على ضوء المنفعة لا على ضوء التعصب للقديم .

وإذا كانت عقولنا لا تزال لا تؤمن بالرأي إلا إذا دعم برأي عالم قديم ، فأقول إن في ثنايا مقدمة ابن خلدون ما يؤيد هذا الرأي ويدعو إليه . قال في فصل عنوانه : " إن لغة العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مضر وحمير " ، يؤيد أن اللغة العامية الساكنة الآخر فيها بلاغة ، وفيها فنون الأدب ، ما نصه : " وما زالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب ومذهبهم لهذا العهد " أي بعد أن زال الإعراب من لسانهم " ، ولا تلتفتن في ذلك إلي خرفشة النحاة - أهل صناعة الإعراب القاصرة عن مداركهم عن التحقيق - حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت ، وأن اللسان العربي فسد ، اعتبارا مما وقع في أواخر الكلم من الإعراب الذي يتدارسون قوانينه ، وهي مقالة دمها التشيع في طباعهم ، وألقاها القصور في أفئدتهم ، وإلا فنحن نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها الأولى ، والتعبير عن المقاصد والتعاون فيه - بتفاوت الإبانة - موجودة في كلامهم لهذا العهد ، وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة في مخاطباتهم ، وفهم الخطيب المصفع في محافلهم ومجامعهم ، والشاعر المفلق على أساليب لغتهم ، والذوق الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك ، ولم يفقد

من أحوال اللسان المدون إلا حركات الإعراب في أواخر الكلم فقط " .

وقال في موضع آخر من هذا الفصل في صميم الموضوع : " ولعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد ( عهد ابن خلدون ) ، واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور أخري موجودة فيه ، فتكون لها قوانين تخصها ، ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر . فليست اللغات وملكاتها مجانا ، ولقد كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بهذه المثابة ، وتغيرت عند مضر كثير من موضوعات اللسان الحميري وتصاريف كلماته " .

في هذين النقلين عن ابن خلدون أري أنه يقرر في النص الثاني إمكان الاستغناء عن الإعراب والاستعاضة عنه بقوانين تحل محله ؛ مثال ذلك - على ما أفهم - أن رفع الفاعل يدل على الفاعلية ، ونصب المفعول يدل على المفعولية ؛ فإذا قلت : " أقرض محمد عليا "  دل الرفع على المقرض والنصب على المقترض ، ولذلك يجوز لك أن تقول أقرض عليا محمد من غير أن تخل بالمعنى ؛ فإذا حذفنا الإعراب فلا بد من قانون جديد يدل على الفاعلية والمفولية ، كأن تقدم من فعل الفعل ملتزما ذلك ، فتقول " محمد أقرض على " فهذا مثل من أمثلة القوانين التي يقتضيها حذف الإعراب .      وأما النص الأول من كلام ابن خلدون فتراه الدفاع عن لغة الكلام الخالية من الإعراب ، وأن لها بلاغة وأدبا وشعرا ونثرا ، وأن البلاغة والفن ليسا مقصورين على اللغة المعربة ، فليس الإعراب - كما يعبر في موضع ثالث إلا بعض أحكام اللسان .

 إذا تم ذلك رجوت أن تصبح اللغة الجديدة أداة طيعة لنشر التعليم ، ووصول الأدب إلي أكبر عدد ممكن ، وهذا ما أتوقع أنه سيكون في المستقبل القريب أو البعيد ، وكلما قرب كان أدعي إلي سرعة النهوض ، وانتشار الأدب ورقي العقل والعاطفة في الشعوب ، والله الموفق للصواب .

اشترك في نشرتنا البريدية