يمتاز الشعب المصري بخصلة من أهم المميزات التي تبين أنه بطبيعته شعب ديمقراطي ، وذلك أنه كتلة واحدة متجانسة انحدرت من كتلة واحدة متجانسة ، لا تفصل بينها فوارق الطبقات . فقد كان الشعب المصري منذ قرنين منحى كله عن أمور السياسة والحكم والحرب منذ كان الأمراء الإقطاعيون يستأثرون بأعباء الحكم كلها . ثم حدثت أحداث تاريخية جارفة قضت على هؤلاء الأمراء الإقطاعيين قضاء تاما ، فلم يبق لهم أثر في البلاد ، وبقيت كتلة هذا الشعب وحدها تحت حكم الرجل العظيم منشئ الأسرة الملكية الكريمة محمد علي باشا ، الذي جعل أساس حكمه وملكه ودولته الجديدة قائما على هذه الكتلة المتجانسة
منذ ذلك الوقت بدأ الشعب المصري سيره في سبيل تكوين مصر الحديثة ، حتى انتهي به الأمر إلي الحكم الديمقراطي الحديث الذي أصبح فيه كتلة عاملة واحدة في جميع مرافق الحياة ، ليس فوقه إلا علمه الخفاق سليل بيت محمد على العظيم مليكنا المحبوب " فاروق الأول ( .
فهذا الشعب بطبيعة سيرته التاريخية لا يعرف فوارق الطبقات ، وهو لذلك من أجدر الشعوب بأن يسير على المناهج الديمقراطية ومثلها العليا
وإذا كانت الثروة تختلف بين بعض أفراده وبعض ، فإن اختلاف الثروة لا ينشئ الطبقات في أمة من الأمم . والمصري الغني يعرف أنه عصامي ولا يعرف المباهاة بأصوله ، ولا يذهب به الغرور إلى أن يدعي أن في عروقه
دماء تميزه عن سائر مواطنيه
فإذا نحن تحدثنا عن ثقافة شعبية للأمة المصرية ، كان جديرا بنا أن نذكر دائما أن هذه الأمة الحديثة لا تعرف سوى المساواة المطلقة بين أفرادها
وقد أصبحت الدولة في العصور الحديثة مطالبة بنشر الثقافة بين أفراد الأمة جميعا ، ولو كان في طوق الدولة أن تنشر بينهم جميعا أعلي ما يمكن بلوغه منها لكان هذا واجبا عليها . وثقافة الشعب لا تقل خطرا عن صحته ، ولا عن تنمية موارد ثروته ، بل هي أساس كل تقدم اجتماعي أو سياسي يمكن الأمة أن تبلغه
ولكن نشر الثقافة في أوسع الحدود ليس في طاقة دولة من الدول ، لأن ذلك يحتاج إلى نفقات عظيمة تعجز عنها أغني الأمم ، ولذلك اقتصر واجب الدولة على نشر الحد الأدنى من الثقافة ، وهو المقدار الذي يجعل أفراد الشعب جميعا صالحين للحياة الكاملة والإنتاج على قدم المساواة مع سائر شعوب العالم ، والتماس الطريق التي تؤدي بهم إلي الحياة السعيدة . ولذلك اتفقت الآراء على أن تقتصر الدولة على نشر الثقافة في ناشئة الأمة بين أول سن الإدراك حوالى السابعة وأول سن الرجولة .
وتميل الآراء في الوقت الحاضر إلي إطالة مدة التعليم ، لأن حاجة الحياة الحديثة تستلزم إعلاء مستوي الثقافة في الأمة فتميل أكثر الدول اليوم إلي أن تعلم الناشئة إلي سن تقرب من الثامنة عشرة . ولكن هناك شرطا أساسيا في نظم التعليم الديمقراطية كلها ، وهو أن يكون مستوي الثقافة لجميع أفراد الأمة واحدا بغير تمييز طائفة على طائفة ؛ وإنه لجدير بمصر الحديثة ، التي لم يعرف شعبها الحالي نظام الطبقات ، أن تساير الأمم الديمقراطية في أن تجعل معاهد التعليم للناشئة في المرحلة الأولى في مستوي واحد ، لا تفريق فيه بين الأفراد ، ولا تمييز فيه لطائفة .
ولقد خطت مصر في هذه الأيام خطوة جريئة إلى
الأمام ، منذ أصدر معالي وزير العارف في الحكومة الحاضرة تقريره الذي تقبلت الأمة مبادئة العامة بالاستحسان والشكر ، وقد جهر فيه معالي الوزير بأن القصد من التعليم هو إعداد الفرد للحياة الصالحة ، وليس مجرد إزالة معرة الأمية ، فإن الأمية في ذاتها إذا كانت معرة فإن مصلحة الأمة لا تتحقق بإزالتها ، بل تتحقق بإبلاغ مستوي الثقافة إلي مثل ما بلغته في البلاد المتمدينة الأخرى .
وقد رسمت وزارة المعارف صورة من المدرسة القومية استمدت وصفها من تقرير معالي وزيرها ، ووضعت لهذه المدرسة برامح فيها كل عناصر الصلاح والوفاء بالقصود ، ولكن الصور والمناهج لا تصبح حقائق إلا إذا نفذت بالروح المقصود منها . وقد دلتنا التجربة علي أن وضع المناهج وحدها لا يكفي للإصلاح ، بل إننا إذا تأملنا المناهج القديمة التي وضعت للتعليم الإلزامي لم نجد فيها إلا قليلا من وجوه النقص التي كان من الممكن إصلاحها ، لو تنبه أولو الأمر من مبدأ حركة الإصلاح القديمة إلي الطريق الطبيعية التي كان ينبغي لهم أن يسلكوها ، وهذه الطريق الطبيعية هي البدء بتحقيق المناهج وتجسيد الصورة في نماذج ، ثم متابعة هذه النماذج بعد ذلك بالملاحظة والإصلاح والتحوير ، وبث روح الحياة فيها في مدة كافية لتجربتها ، وتعرف مدى ما فيها من عناصر القوة والضعف ، حتى إذا ما تبينوا الحقائق واضحة أمكنهم بعد ذلك أن يعمموا الصورة في يسر وثقة من النجاح . ولكن المصلحين السابقين لم يعمدوا إلي هذه الطريق الطبيعية ، فكانت النتيجة هي هذا الإخفاق الذي يشهد به معالي الوزير الحالي في تقريره إذ يقول : " ليس شيء أظهر إخفاقا في مصر من التعليم الإلزامي " . وإنه لجدير بنا أن نتجنب الإخفاق في حركة الإصلاح الحاضرة بأن نسلك الطريق الطبيعية التي أشرنا إليها ، ونكتفي الآن بإقامة النماذج على سبيل التجريب لمدة محدودة ، حتى إذا وثقنا من أن الصورة التي
جسدناها قد أصبحت تفي بالمقصود من الإصلاح ، قمنا بتعميمها وإذاعتها في أركان البلاد .
ومن الممكن أن تتعدد النماذج التجريبية ، فليس من بأس على وزارة المعارف أن تقف عند حد المقدار الذي أنشأته من المدارس الجديدة وتجربها حتى تتأكد من وفائها بالغرض النشود .
وهناك تجربة قائمة قد نهضت بأعبائها رابطة التربية الحديثة ، متعاونة فيها مع الجمعية المصرية للدراسات الاجتماعية ، ومستعينة بمساعدة قيمة من وزارة المعارف ومن وزارة الداخلية ) مجلس مديرية القليوبية ( ، وهي مدرسة المنايل الريفية التي كان لها الفضل في توجيه الأنظار إلي فائدة التعليم الريفي ، الذي اعترفت أمم العالم بفائدته . فهذه المدرسة جديرة بأن تهتم بها وزارة المعارف وتجعلها إحدى التجارب التعليمية المعترف بها ، فإذا هي فعلت ذلك قللت من المدة اللازمة للتجربة ، لأن هذه المدرسة قد قطعت شوطا عظيما في سبيل النجاح منذ تأسست في سنة 1940وما زالت تسير إلي الوقت الحاضر
فإذا استطاعت الوزارة التي توجد لشعب مصر مدرسته الصالحة القومية ، كان جديرا بها أن توحد مستوي مدارس القطر كله ، حتى يستطيع كل فرد في كل أركان البلاد أن يتابع دراسته إذا شاء بغير أن تقوم في سبيله العقبة الحالية من وجود مدرستين : إحداهما ابتدائية تبيح للأبناء أن يستمروا في الدراسة إذا شاءوا ، والأخري أولية أو إلزامية تقفل سبل التعليم في وجه الأبناء المتعلمين فيها ، فلا يستطيع أحد منهم أن يواصل تعليمه وإن كان ممن وهبهم الله من الاستعداد ما يؤهلهم لبلوغ أعظم مدى في الحياة الثقافية . فإن في هذا ضياعا عظيما من مواهب كامنة في أبناء الشعب ، كان من الممكن أن تستفيد البلاد منها .
وتوحيد مستوي المدرسة القومية الأولى هو الوسيلة الوحيدة لتكافؤ الفرص بين أفراد الأمة المصرية ، ولا توجد
طريق سوي هذا التوحيد تؤدي إلي هذا التكافؤ في الفرص وأما الوسيلة التي اختطها معالي الوزير في محاولة التسوية في فرص التعليم بين أفراد الأمة فلا نظن أنها تؤدي إلي الغرض الذي يقصده . فقد أراد معاليه أن يحقق هذه المساواة لتعميم المجانية في المدارس الابتدائية ، ولكن المجانية في المدارس الابتدائية وإن كانت عملا كريما في ذاته لا تحقق التسوية لا في القريب من الزمن ولا البعيد . فإن المدارس الابتدائية لا تتسع للتلاميذ جميعا ، بل إنها في مدينة القاهرة مثلا لا تتسع إلا لنحو عشر عدد الأبناء الذين في سن التعليم الابتدائي . وما دامت هناك مدرستان للشعب إحداهما ابتدائية والأخري أولية أو إلزامية ، فإن من أعسر الأمور أن تجد الوزارة سبيلا عادلة لاختيار الأبناء الذين تميزهم في دخول المدارس الابتدائية ، لأن الامتحان وسيلة غير مجدية في الاختيار في السن المبكرة التى يدخل فيها الأبناء إلي المدارس الابتدائية . ومهما يكن من الأمر فإن طائفة من الناس وهم الأغنياء أو الأوساط سيرفضون دخول المدارس الإلزامية وسيتجهون في تعليم أبنائهم إلي المدارس الخاصة ، وعند ذلك ستنشأ في مصر لأول مرة مدارس خاصة ممتازة لتعليم أبناء الأغنياء . وكأننا بذلك نكون عاملين على تكوين الطبقات في مدارسنا ، مع أننا شعب لا يعرف نظام الطبقات .
وإنه لمن المفيد أن نذكر أن في إنجلترا مدارس خاصة لتعليم أبناء الأعيان والأغنياء ، وهي مدارس لها تقاليد قويمة ، وذات أثر عظيم في التربية الإنجليزية ، ولكن الشعب الإنجليزي ينادي اليوم منكرا وجودها ، ومنكرا اختصاص الأعيان والأغنياء بمدارس خاصة لأبنائهم
فليس أمامنا من سبيل آمن وأجدر من توحيد مستوي المدرسة القومية الأولى ، والتسوية بين الجميع في دخولها ، وفتح السبل لجميع الأبناء في كل أركان مصر لكي يستمروا في ورود مناهل الثقافة إذا شاءوا بعد إتمام مرحلة
التعليم الإجباري الأولي .
ولا يقتصر واجب الدولة على نشر الحد الأدنى من التعليم في كل ناشئة الأمة ، بل عليها كذلك أن تفتح المعاهد الثانوية الكافية لكل من أراد التعليم فيها ، ثم عليها أن تعد المعاهد العليا الكافية للجميع ، حتى لا يرد أحد عن بلوغ ما يريد بلوغه من الثقافة العليا إذا شاء واستطاع إلي ذلك سبيلا ، فإن طلب العلم فريضة علي من استطاعه ، وهو حق مقدس لمن طلبه لا يقل عن حق الأفراد في الحرية والكرامة .
وواجب الدولة أن تمكن الأفراد جميعا من أداء هذه الفريضة ، فلا تحول بينهم وبينها ، ولا تسد الأبواب أمام من قصدها ، ولا تتدخل في حرية الأفراد في التماسها ، اللهم إلا أمر واحد مسلم به لها ، وهو ألا تصرف من الأموال العامة علي الأفراد في التعليم الثانوي أو العالي إلا إذا كان له من الاستعداد الطبيعي ما يجعله مستحقا لعنايتها ، لأنها إذا أنفقت من الأموال العامة على أصحاب الاستعداد والمواهب عملت بذلك على إنماء الثروة الوطنية من الذكاء والمقدرة .
وهناك مجهود ثالث لا يقل عن مجهودي الدولة السابقين وهو تعليم الكبار ، وقد اهتم به معالي وزير المعارف في تقريره ، ولكنه بعد مناقشة فكرته فضل أن تقوم به وزارة الشئون الاجتماعية ، ولكن وزارة المعارف لا تستطيع أن تتخلص من صفتها التثقيفية ، وهي من ناحية أخري أقرب اتصالا بالجامعة أو الجامعتين المصريتين ، ونحن لا نزال ننتظر كثيرا من مساهمة الجامعة المصرية في إذاعة الثقافة بين صفوف الكبار ، مستعينة بأساتذتها في تنظيم الجهود المختلفة ، وبطلابها في الخدمة الاجتماعية والثقافية ؛ فإن جهود الشباب كانت في الماضي ولا تزال إلي اليوم معينا لا ينضب من النشاط والحماسة والوطنية . ويمكن أن تستفيد الأمة من هذا النشاط وهذه الحماسة في ميادين تنفيذية كثيرة .
ومن جهة أخري نعتقد أن وزارة المعارف مسئولة عن وضع الخطط الكفيلة بالنجاح في تعليم الكبار ، فإذا هي أحكمت وضع هذه الخطط أمكن أن نلقي عبء إنفاذ الخطط على وزارة أخري ، أو هيئة غير حكومية مما أشار إليها معالي الوزير في تقريره كالنوادي ونقابات العمال وجمعيات التعاون أو البلديات .
ومهما يكن من أمر الهيئة التي تتولي تعليم الكبار فإن الغرض منه لا ينبغي أن يكون مجرد إزالة الأمية ، فإن الشعب لا يستفيد إلا من ثقافة حقيقية تستطيع أن تسمو بمداركه وبعواطفه ، وتزيد من مقدرته على التطور بالحياة . وفي إمكاننا أن نجرب نموذجا لمدرسة لتعليم الكبار يشبه التجربة العظمي التي أبدعها العبقري الدانمركي ) جرونتفج ( ، وكان لها أعظم الفضل في نهضة الدانمرك الحديثة
وبعد ، فإن الثقافة بالمعنى الأوسع ليست مقصورة على التعليم في المدارس والمعاهد ، فهناك من وسائل التثقيف الشعبي ما قد يكون أعظم أثرا من التعليم نفسه ، وإن كان لابد للشعب من أساس تعليمي صالح في أول مراحل الحياة . وتتلخص الجهود الثقافية الأخرى في أنواع ثلاثة :
الأول : الثقافة الدينية ، وقد فطن العالم اليوم إلي أهمية الروح في الحياة ، وتتجه الآراء اليوم إلي أن روح الدين هو الذي يستطيع أن يسمو بالشعوب إلي الآفاق العليا ، إذا هو اتجه إلى القلوب وتغلغل فيها . ولسنا نقصد من ذلك مجرد حفظ قواعد الدين ، وحفظ آي القرآن ، فإن ذلك لازم لكي يكون نواة للروح ؛ ولكن الروح الديني نفسه يجب أن يسري في حياة الشعب سريان الماء في العود الأخضر ، وعلينا أن نتخذ لذلك من الوسائل المختلفة ما يحققه
والثاني : إذاعة الفكر الأدبي والشعور الفني بكل
ما يمكن من وسائل ، مثل التمثيل ، والسينما ، والراديو ، والأغاني ، والمؤلفات الأدبية .
فالفكر الأدبى والشعور الفني من أقوي ما يمد الإنسانية بثروتها الروحية إذا اتجهت الجهود إلي إذاعة الصالح منها . ووسيلة ذلك أن ننفذ هذه الأفكار الأدبية وهذا الشعور الفني إلي غمار الشعب ، بجعلها قريبة للأفهام ، مستساغة للأذواق ، وأن نتحري فيها أن تكون الأفكار صحيحة صالحة ، وأن يكون الشعور الفني مما يبعث على السمو . ولسنا نقصد بذلك أن نفرض على الإنتاج الفكري والفني رقابة مانعة ، فإن المنع يهدم ويقتل ، ولا يساعد على الخلق . وإنما نقصد أن الدولة تستطيع أن تساعد على الإنتاج الصالح بالتشجيع . وإنه لمما يبشر بالخير أن في مصر اليوم نشاطا عظيما في التأليف الفكري والفني ، فإذا شجعت الدولة النابغين من أبناء الأمة في هذه الميادين ببذل الأموال عن سخاء ، وتحقيق سائر وسائل التشجيع أمكن أن نطمئن إلي مستقبل أدبي وفني زاهر
والثالث : العناية بالمكتبات ، فإن الموجود منها في الوقت الحاضر قليل ومحدود . وقد أشارت وزارة المعارف في مناهج المدرسة الجديدة التي اختطتها إلي استحسان وجود مكتبة في كل مدرسة أولى .
فإذا نفذ هذا أمكن أن تتغلغل المكتبات في أنحاء البلاد بعيدها وقريبها ، وكان هذا عاملا جديدا على إذاعة ثقافة حية صالحة في أبعد أغوار الشعب .
ولكن ملء هذه المكتبات يستلزم من الدولة التشجيع على التأليف ، وإنا لنطمع منها أن تغير نظرتها إلي هذا التشجيع ، بل إننا لنطمع منها أن تسخو بمئات كثيرة من الآلاف من الجنيهات تبذلها في سبيل تشجيع التأليف ، لأننا في حاجة إلي عشرات الألوف من الكتب الجديدة الصالحة التى تكفي لنشر ثقافة صالحة حقيقية بين المواطنين

