انتهي مؤتمر وزراء خارجية الدول الأربع ( بريطانيا وأمريكا وروسيا وفرنسا ) بعد مناقشات طويلة إلي اتخاذ قرار تمهيدي في شأن المستعمرات الإيطالية السابقة ، وهو يقضي بأن تنزل إيطاليا عن جميع حقوقها في هذه المستعمرات ، وبأن يدمج هذا التنازل في معاهدة الصلح التي تعقد مع إيطاليا ، وأن تبقى هذه المستعمرات خاضعة لنظام الحكم الحالي حتى يصدر في شأنها قرار نهائى ، وأن تتخذ الدول الأربع قرارها النهائى في هذا الشأن خلال عام من التاريخ الذي يبدأ فيه تنفيذ معاهدة الصلح مع إيطاليا .
وهذا القرار هو الجزاء العادل لإيطاليا الفاشستية المعتدية ، ولم يكن من المعقول أن يسمح لإيطاليا المهزومة
بعد الذي ارتكبته خلال الحرب العالمية الثانية من ضروب البغي والعدوان ، أن تستبقى مستعمراتها في إفريقية ، وقد كان من الثابت المحقق أن يصدر مثل هذا القرار منذ البداية ، لولا أن تدخلت بعض الأهواء والدسائس الاستعمارية تحاول أن تستبقي للاستعمار الإيطالي وكرا في افريقية ، فكانت فرنسا تقترح مثلا أن تعاد طرابلس لإيطاليا ، وتسعى جهدها في تأييد وجهة النظر الإيطالية ولكن يكون بقاء إيطاليا في هذه المنطقة سندا للاستعمار الفرنسي في شمال افريقية ، وكانت روسيا تحاول أن تحصل على قواعد بحرية في طرابلس أو أريتريا ، وكانت بريطانيا وأمريكا تقاومان كل اقتراح من هذا القبيل ؛ واستمر الجدل والصراع طويلا بين الرغبات والأهواء المختلفة ، حتى
انتهت الدول الأربع إلي اتخاذ قرارها بوجوب حرمان إيطاليا من مستعمراتها السابقة .
وقد وضع مؤتمر وزراء الخارجية قواعد معينة لتكون أساس البحث لتقرير مصير المستعمرات الإيطالية النهائى ، وسيكون البث في هذا المصير خلال عام من تنفيذ معاهدة الصلح مع إيطاليا ، وذلك على النحو الآتى:
أولا - تقرر الدول الأربع العظمي مصير هذه المستعمرات وفقا لأحد الأنظمة الآتية أو لبعضها مجتمعة ، وعلى أن يشمل النظام المقرر جميع المستعمرات أو يقصر تطبيقه على جزء منها - وذلك حسبما تملى به رغبات السكان وما تدلي به الحكومات ذات الشأن : ( ١) الاستقلال ( ٢)الأنضمام إلي أحد البلدان المجاورة ( ٣ ) الوصاية وتتولاها هيئة الأمم المتحدة أو إيطاليا أو إحدي الدول المنضمة إلي هيئة الأمم المتحدة .
ثانيا - إذا لم تتفق الدول الأربع على حل معين عرضت المسألة على الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة لتوصي في شأنها بما تراه . وتتعهد الدول الأربع أن تقبل توصيات الجمعية العمومية وتنفذها مع مراعاة الوعود التي بذاتها الحكومة البريطانية للسنوسيين خلال الحرب .
ثالثا - يوالي مندوبو وزراء الخارجية البحث في مصير المستعمرات الإيطالية ويخولون الحق في إرسال لجان التحقيق إليها وجمع المعلومات التي يتخذونها أساسا لتوصياتهم لوزراء الخارجية في شأن الحل النهائى لهذه المسألة
وهذه قواعد لا بأس بها من الناحية الشكلية خصوصا وأن الدول الأربع لم تغفل من بينها مبدأ الاستقلال ، كما انها قررت الالتجاء إلى الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة إذا عجزت عن الاتفاق فيما بينهما على حل معين . بيد أنه ليس فيما أبدته الدول الأربع حول هذا الموضوع
في مختلف المناسبات من الرغبات والمناقشات السافرة ما يشجع على الاعتقاد بأنها قد تفكر حقا في تطبيق مبدأ الاستقلال بالنسبة لبعض المناطق التي تطالب بتطبيقه . وربما وجد مثل هذا الاحتمال بالنسبة لبرقة فقط ، حيث نرى بريطانيا تحرص على التنويه بوعودها للزعماء ، السنوسيين خلال الحرب ، وهي وعود تنطوي فيما نعلم على منح برقة نوعا من الاستقلال . ولكن برقة ليست إلا جزءا فقط من منطقة لوبية الكبرى . وأكبر الظن أن مباحثات الدول الأربع سوف تدور حول تطبيق الوصاية على معظم المستعمرات الإيطالية السابقة ، وفي هذا النطاق فقط يمكن أن تلتقي رغباتها .
على أنه يبقى بعد ذلك أن نعرف ماذا يراد بالمستعمرات الإيطالية السابقة بعد نزعها من إيطاليا ؛ ذلك ان الاتجاه إلى وضعها تحت الوصاية الدولية أن يكون إلا محاولة مستورة لتقسيمها بين الدول الظافرة . ومحن نعرف ان هذه المستعمرات تشتمل على عدة مناطق تري مصر لاسباب تاريخية وجغرافية وغيرها أن تهتم بمصيرها كل الاهتمام ؛ وقد طالبت مصر منذ الساعة الأولى بأن تمثل في المؤتمر الذي يتولى وضع معاهدة الصلح لإيطاليا لكي تبسط وجهة نظرها في مسألة المستعمرات الإيطالية وفي مسألة
التعويضات وغيرهما من الشئون الحيوية ؛ ولكن الظاهر أن مساعي مصر في هذا السبيل لم تنجح مع الأسف ، فقد اذيعت أسماء الدول التي دعيت إلي مؤتمر الصلح الذي سوف ينعقد في التاسع والعشرين من يوليه دون أن يكون بينها اسم مصر . ومن الغريب أن دولا مثل الصين والبرازيل وتشيكوسلوفا كيا ليست لها أية مصالح ظاهرة في التصفية الإيطالية قد دعيت إلى المؤتمر ، بل لقد دعيت إليه الهند وهي من الأملاك البريطانية ؛ وكل ما سمح به لمصر حسبما ورد في الانباء الأخيرة هو أن تدعي إلي المؤتمر للإدلاء برأيها باعتبارها " دولة يهمها إلي أبعد حد مصير
المستعمرات الإيطالية في شمال افريقية " وذلك على مثل ما سمح ، لإيطاليا ذاتها من الإدلاء بوجهة نظرها .
إن مصالح مصر الحيوية بالنسبة لمصير المستعمرات الإيطالية هي أخطر مما يريد أن يصورها مؤتمر وزراء الخارجية ، وهي لا تقف عند المستعمرات الواقعة في شمالي أفريقية ( أو بعبارة أخرى لوبية ) بل تتعدى ذلك إلي المستعمرات الواقعة في شرق أفريقية ؛ وهذه المصالح فوق كونها ترجع إلي اعتبارات تاريخية وجغرافية ، تتعلق بسلامة مصر من الناحية الإستراتيجية . فأما عن لوبية ( برقة وطرابلس ) فهي قطر عربي يجاور مصر من الغرب ؛
وقد ثبت من حوادث الحرب العالمية الثانية أنه يجب لضمان سلامة مصر ألا تحل فى لوبية مكان الاستعمار الإيطالي الأثم أية دولة أو قوة استعمارية أخرى ؛ وقد قطعت بريطانيا لزعماء لوبية وسكانها خلال الحرب وعودا باحترام حقهم في تقرير مصيرهم ؛ ولكن الظاهر أنه يراد الآن تقسيم لوبية إلي منطقتين ، وأن يمنح نوع من الاستقلال الذاتي إلي برقة ، على أن تحتفظ انجلترا فيها بقاعدة بحرية ، وأن تمنح الوصاية على طرابلس إلي بريطانيا أو دولة أخرى ربما كانت إيطاليا ذاتها ؛ ومثل هذا الحل الجائر لا يمكن أن ترضاء لوبية أو جارتها مصر . وقد اقترحت مصر من جانبها أن يجري استفتاء للشعب اللوبي في مصيره ، فإذا تعذرت الموافقة على منحه الاستقلال ، وأريد وضعه تحت الوصاية ، فان مصر وهي جارة لوبية وشقيقتها في اللغة والدين والتقاليد التاريخية أحق بمثل هذه الوصاية من أية دولة أجنبية ؛ وهذا الاقتراح يدخل ضمن نطاق القواعد التي وضعها مؤتمر وزراء الخارجية ، لأن مصر عضو في هيئة الأمم المتحدة .
وأما عن مستعمرات إيطاليا في شرق أفريقية ، فإننا إذا تركنا الصومال الإيطالي جانبا ، نجد أن مصر لا تستطيع أن تقضي عن مصالحها وحقوقها التاريخية في مقاطعة
أريتريا التي كانت تعرف أيام خضوعها للحكم المصري وانضامها إلي السودان المصري " بمحافظة مصوع " ؛ وقد احتلت إيطاليا هذه المنطقة غيلة وغدرا في سنة ١٨٨٥ على أثر انسحاب الحامية المصرية منها من جراء حوادث السودان ؛ كما احتلت من قبل ميناء عصب بالرغم من احتجاج مصر ، ولم توافق مصر قط على هذا الاحتلال غير المشروع ، وقد كانت منطقة مصوع وشاطئ أريتريا مخرج السودان ومطلة على البحر الأحمر ؛ وقد ثبت أثناء الحرب المنقضية ، أن أريتريا يمكن أن تتخذ قاعدة لمهاجمة وادي النيل من الشرق ؛ وهو ما يهدد سلامة السودان وسلامة مصر في الوقت نفسه ، فإذا لم تكن مصر تطمح اليوم إلي امتلاك أراض جديدة ، فلا أقل من أن يكون لها صوت في تقرير مصير هذه المنطقة التي تتصل من الناحية الاستراتيجية بسلامتها وسلامة وادي النيل ، والتي تسكنها كثرة مسلمة ؛ هذا عدا ما للسودان - وهو شطر مصر الجنوبي - فيها من حقوق ومصالح قديمة اقتصادية وغيرها .
ولسنا نفهم إزاء هذه الاعتبارات الخطيرة كلها كيف يراد أن تحرم مصر من الاشتراك في مؤتمر الصلح الذي سيعنى بوضع معاهدة الصلح الإيطالية ، في حين أنه قد دعيت إليه دول ليست لها أي علاقة أو مصلحة مباشرة أو غير مباشرة ، بمصير إيطاليا والمستعمرات الإيطالية ؛ وإذا كانت قاعدة الدعوة هو الاشتراك الفعلي للدول المدعوة في الحرب ضد دول المحور ، فإن ما بذلته مصر من الجهود والتضحيات خلال الحرب إلي جانب الأمم المتحدة ، وما احتملته من اعتداء إيطاليا ، يجعلها من هذه الناحية في مركز أفضل من مركز دول لم تشترك في الحرب إلا بطريقة رمزية كالبرازيل وتشيكوسلوفاكيا ، على أن الباب ما يزال مفتوحا لتدارك هذا الخطأ والاعتراف بحق مصر الواضح في المثول في مؤتمر الصلح ، وفي الأنباء
الأخيرة ما يفسح مجال الأمل في أن تحقق هذه الخطوة قبل اجتماع المؤتمر في ٢٩ يوليه الجاري .
إن مصير المستعمرات الأيطالية لا يمكن أن يتقرر بطريقة عادلة إلا إذا روعي حق سكان هذه المناطق في تقرير المصير ، ولا سيما لوبيه أكثرها تقدما ونضجا ، وسمعت آراء الدول ذات المصالح الحيوية في هذا الموضوع وفي مقدمتها مصر . أما استئثار الدول الكبرى بتقرير مصير هذه المستعمرات وفقا لما تملية مصالحها الخاصة فهو محاولة سافرة لتوزيع المغانم الاستعمارية ، وذلك مهما أخفيت هذه المحاولة تحت ستار الوصاية الدولية أو غيرها ، وهو إحياء للأساليب الاستعمارية المتبقة ، واقتئات على حقوق ذوي المصالح الأصيلة ، وخروح على المواثيق والعهود الدولية .

