... هو تخليد رائع لاشواط التنازع الرهيب الذى نشب بين غلظة الاستعمار وقوى الشعب الذى استفاق على وضعية كريهة يستحيل ان يرضى الحر بلحظة منها لانها تمثل خطر المسخ الذى يحاول تشويه جمال السيادة الوطنية .
وهذا الكتاب لم يرض عنه المستعمرون واحلاسهم لا لانه من تاليف الطاهر الحداد الذي شاركه يجهوده فى قلب تلك الوضعية الديماغوجية المغلقة - فحسب - بل لانه تاريخ مجيد حفظ للسواعد المفتولة شرف العمل وشرف السعي والكفاح تحت قيادة مخلصة رشدة فخاضت المعارك ونازلت " الغول الاستعماري " الذي اكثر كالوحش من التهديد بالفتك اثناء محاولات الابتلاع . والكتاب قد حفظ ذكرى البطولة يعرضها على الاجيال الصاعدة بمطامحها العريضة على سلم الرشد والمسؤولية حتى تعرف اين انتهى كفاح السلف لتبدأ ؛ وتعرف كيف حثم الاستعمار على صدر شعب تونس وكيف حاول ان يمكن اظافره القاتلة في قلب تونس عساه يموت . ولكن الشعب قد سلم من الكيد وانتفض كالحر وهب كالعملاق فى طريق المجد والعظمة دون أن يعبأ بالخطر الذي كان يهدده من كل جانب .
والكتاب ... كتب باسلوب سهل للغاية يفهمه حتى القارئ في الكتاب ، والذى لم يقرأ شيئا فانه يتأثر باسلوبه البديع في تصوير مواقع الصراع الشعبي مع خصوم السادة لما صبغ عليه المؤلف من روح وطنية صادقة وحماس تونسي وتعمق فى تصور أوضاعنا الاجتماعية المتعارفة التى نشاهدها كل يوم او نسمع عنها الكثير عند سرد الماضي الاسود للتحقير ... وبذلك كان الكتاب يمثل ثلاث لوحات من الحق ان لا ننسى منها شيئا حتى تكون الذكرى نافعة لانها تخبر عن :
١) حالة الشعب وهو في حالة قهر وحيرة وادمان مزق شمله إلى شتات . ٢) سعى الاصلاح الاجتماعى يفلح في شد القيادة وتوضيح طرق الخلاص .
٣ ) كيد السلط الاستعمارية وسفك دم الابرياء واستضعافهم حينا من الدهر كان ثقيل الوطأة كالقرون الوسطى ،
الشعب ... قبل ان يفلح عمل الاصلاح بتسجيل ارقام مرضية في التقدم كان يعيش كالعجائر يشعر بمحاولات الحز في لحمه فيتألم ويتوجع لفقره ولجوعه ولمرضه ولكنه لم يحاول ذات يوم واحد تجريب الثورة على تلك الاوضاع لانه كان يعيش فى عماية التخدير والاعتقاد بأن ذلك هو حظه في العيش المقدر المكتوب .
ومما ساعد انتشار الفقر والوهم ليس هو الاستعمار وحده وانما هو بالاضافة الى ذلك عقلية اليأس التى عششت فى دماغ الفرد العائش فى افلاس اقتصادي اصاب نخاع الهيكل الصناعي والتجارى والزراعي حتى اصبحت دعائم الاقتصاد الوطنى دخيلة أجنبية عنه تعمل لصالحها هي وتسلك للاثراء " طرق حلالك وحرامك " حتى ثقل الحمل على العمال فى كل مكان خصوصا وقد ارتفعت اثمان المعيشة وتصلب رأس المال فى وجه محاولات الفات النظر لحياة العمال الذين غدت جهودهم كجهود الحمير تماما تستغل دون رحمة بابخس ثمن لا يكفى للعيش كانسان محترم ، من حقه ان يأكل وان يشعر بالامن والراحة وان يتعلم ويعلم ابناءه ...
والمؤسف حقا هو انه بينما كان المستعمرون يوطدون اقدامهم فى الضياع الشاسعة الخصبة ويدعمون رؤوس اموالهم على اشلاء ضحايانا وبالعرق الصبيب من جباه الشغالين كان التونسيون المنتجون بصفة عمومية لا يعرفون معنى للتوفير من ايام اليس لللازمات التى تعرض لاعمالهم وحتى لاقواتهم ، فاذا ما أيسروا بوفر الحاصلات انسابوا من المزارع وغابات الزيتون والنخيل الى عقد الولائم وبناء الدور وتحسين المعيشة دفعة واحدة وذبح القرابين للاضرحة وشد الرحال اليها مهما بعد مكانها ، وهم يعتبرون ذلك دينا عليهم حتى يوفوه فيجتمع آلاف الوافدين من جهات مختلفة فى حرم " زاوية " لاسبوع او اسبوعين وشهر فرسانا ركبا وخيلا تصهل وبارودا يصرخ وسيوفا تلعب ونساء تولول وذبائح وقصاع الطعام بالليل والنهار تقدم لعموم الوافدين اكراما منهم لبعضهم فى وقت كلهم فيه واحد وغير محتاج . "
ويؤكد الحداد اسباب انتراع الثروة من ايدى التونسيين فيقول " ان ثروة يشترك فى استهلاكها الشيوخ والشبان واحد بحسن ظنه فى الاضرحة والاخر
ينزق الشباب لهى ثروة زائلة منتقلة ..."... وفعلا انتقلت اغلب الاراضى الخصبة الى أيدى الفرنسيين وذلك لان "المنتجين التونسيين بصفة عمومية يسيرون بلا عقل ، فليس عندهم غير حب الفرد لشخصه بصورة مشطة ... " حتى اصبحوا في حيرة من الواقع المخجل منشؤه الخوف من فعل الارهاب الاستعماري لانه يسلط عليهم بالويل والتعذيب والمضايقة اذا ما حاول فرد واحد ان يمد يده الى رأسه ويمزق العصابة السوداء التى تحجب عن عينيه الباصرتين نور الحياة الجميلة التى تدعو الى العمل وتبشر بالصبر والايمان .
ان سكن الظلمات وعيشة الضنك بألم الضمير وارهاق الاحاسيس قد انتج الشجاعة اللائقة بشعب تونس الكريم فهيأته لان يستعذب نداء الثورة وان يستوعب فلسفتها الشاقة كالتضحية وان يخلص لها فى شخص الدكتور محمد على الذى ساعد الشعب على التطور وعلى الخروج من عماية الحيرة الى مسالك الصواب ... فبعد ما كانت الآف الجماهير مسخرة كالآلة الصماء العمياء أصبح العامل التونسى " الجائع فى بطنه والوسخ المرهق من كثرة الهموم " يجرؤ ان يطالب بالكرامة وبالزيادة في الاجور ويجرؤ ان يصمد وان يثبت على مبدأ حق حتى ان الطاغية " كمبانا " مدير المحافظة قد دهش لهذا التحول العجيب الذي أيقظ الطبقة العمالية على دقات الرجولة الكاملة والشهامة ...
لقد أراد هذا الطاغية ان يثنى عزائم العملة بالتهديد والوعيد ولما قالوا له نريد اجورا كاجور مرسيليا قال لهم " اذا اردتم ان تشتغلوا بسعر مرسيليا فاذهبوا اليها " فاجابه احد العملة بدون ان يطأطي رأسه او يتحدث فى مذلة العبيد : " قد ذهبنا الى مرسيليا واشتغلنا بها مدة من الزمن ولما ظهر لهم الاستغناء عنا قالوا لنا : إبذهب كل اجنبى الى بلاده ، قد أتوا بى مخفورا باعوان الضبط الى مرسى تونس كمجرم او سجين " ولم يسكت التونسى الشهم عند هذا الحد بل قال لمدير المحافظة المنتصب كالوحش " فاذا كنت تحسن صنعا فيآمر ان يذهب كل الاجانب من هنا الى بلدانهم ايضا وعندها يمكنني وانا فى بلادى ان اخدم ولوبستين فرنكا فى اليوم .."
ان هذه العاطفة الجميلة هي كما يؤكدها علماء النفس نتيجة مطاقة لفعل القهر والكبت والتفقير الذى سار فى نهجه الفرنسيون فى تونس .. والامعان في تسليط قوة المعصار على الشعب هو الذي جعله لا يكتفى باستعذاب نغم الثورة وانما قد
ارتمى فى حلابها يعمل على توحيد جهوده حتى يكون قوة محترمة ذات وزن ، وسط نقابات تونسية عتيدة تشرف على حركته ، وتزكى احاسيسه الوطنية ، وتحمي سعيه ، وتدعم وجهة نظره فى طلب الكرامة وفى استجابة نداء الحياة .
والمؤسف حقا هو انه حينما بدأ العمال يتحركون في اتحادات رائعة تقابية بدأ عمل الكيد والتعنت يحوك صنائع الغدر بالجهود الانسانية التى يقودها الدكتور محمد على لتجسيم الاصلاح الاجتماعى وتذكية جذور الوعى الشعبى العام .
وعلى اثر اضراب عملية معمل الاجر بمنزل جميل ارادت الثقابة التوسط لحسم الخلاف بإيجاد حل مرضى فصرخ " م . جاكوب " فى وجه النقيب بقوله : " اننى لا اقبل تدخل احد بيني وبين عبيدى .. " واغلق ابواب معمله وذهب لفرنسا . ثم ... هذا " م. دوريل " كاتب اتحاد النقابات الفرنسية بتونس كان يتشاءم من كلمة نقابات تونسية وكان يقول " ان ذلك يقسم قوة العملة الى شطرين امام قوة المال المتحدة ولا شئ يوجب هذا الانفسام ما دامت فوارق الاديان والاجناس معدومة فى المبادىء النقابية ، وكان يقول : "ولا افهم هنا شيئا سوى ان التعصب الديني او الملى هو الذى منعكم من الانضمام الى اتحاد النقابات الفرنسية " . لكن لسان دفاع النقابات التونسية ودماغها المفكر كان يؤكد له : " ان انخراط الفرنسيين والاوروببين عامة فى النقابة التونسية لا يمنعهم شيئا ما دامت تشكيلاتها ستنخرط فى العالمية طبق مبادىء العملة كما هو موجود عند عملية العالم اجمع .. عندئذ يمكن اتقاء الانقسام الذى تخشون شره ، على ان النظام النقابى خاضع في كل بلاد العالم لنظام الشعوب ، فكل امة تشكل فى ارضها نظاما كاملا ثم ينضم للعالمية ، ولماذا لا تعتبر تونس شعبا من الشعوب كما هى في الواقع ما دامت لم تكن ترابا فرنسا وعندها يمكن اجتماعنا شيئا واحدا ، ولا ارى ما يمنعكم من ذلك سوى اذا كانت صفة " حماة " تأبى عليكم التنازل لنا واعتبارنا مثلكم فى الانسانية " .
ويتحمس الدكتور محمد على فى رده على المعارضين " الذين روحوا ان فكرة النقابة الجديدة مبنية على التعصب الديني وقاصرة على حدود المملكة التونسية " فيجيبهم بكل وضوح : " اننا اذا اسسنا فى بلادنا نقابات وجامعة تونسية فليس معناه اننا لا نرتبط بالعالمية وهل هذا الا عين ما هو جار بفرنسا والمانيا وانجلترا وغيرها من الممالك التى ترتبط مؤسساتها نهائيا بمركز الاممية فلمادا ينكرونه علينا فى بلادنا ؟ فانى لم أر معنى غير انهم يريدون اعتبار بلادنا ترابا فرنسيا حتى
نندمج كجزء ضئيل فى الجامعة الفرنسية بدل ان نكون صوتا مستقلا كصوتها في الجامعة الاممية . وهل هذا الا صوت المستعمر الذى يابى عليك ان تساويه حتى فى الانسانية فما لى اسمعه من فم الاشتراكيين والشيوعيين ؟ فهل هم يخادعوننا ايضا ؟ ...
وامام عناد الاشتراكية الفرنسية التى فشلت في ابتلاع حركة العمال التونسيين اغتاظ " م . جوهو " الكاتب العام لجامعة الشغل الفرنسية فصرح بان هذه الحركة لا يمكن لها ان تعيش عاما آخر حتى تذوب عن اخرها في صلب النقابات الاجنبية .
وامام غلظة الطاغية " كمبانا " مدير المحافظة اذ ذاك الذي كان حربا قاسية على العمال فأمر يوم ١١ سبتمبر ١٩٢٤ بتفتيل العملة المضربين عن الشغل في مدينة بنزرت ... وكانت تدخلاته وحشية فى كل مكان تسربت له عدوى المطالبة بالحقوق البشرية التى تكفل الحياة الشريفة للعمال التونسيين .
... وامام هذه المؤامرات التى تولت تنفيذها في حماس السلط الاستعمارية في تونس كان الدكتور محمد على الحامي يشهد العالم على هذه التصرفات الباطلة التي تزعمها الفرنسيون بالخصوص فيقول : " ان الاوروبيين يتهموننا في احساسنا فاذا قلنا لهم نريد الحرية فهم يفهمون منا أننا نكره بقاءهم معنا ونفهم حريتنا في استقلالنا وحدنا بالطواف فى شوارع وطننا وان كان فى ذلك تعطيل العمران وابقاء لكنوز الارض في جوفها ... "
رغم هذا كله قد صمم الشعب ان يتقدم دون ان يتوقف خطوة واحدة عن السير وصمم كذلك المستعمرون ان يشلوا هذه الحركة المباركة فاخذت الصحافة تمهد للسلط الغاشمة ان تضرب ضربتها القاضية فاتهمت الحركة العمالية بكونها حركة معادية لفرنسا ، فكتبت جريدة " لادبيش كولونيال " يوم ١٢ فيفري ١٩٥٢ تقول " ان الدستور يدعو المتنورين والاعيان ، والشيوعية تعمل في الشعب وهي تكون جمعيات عملية مستقلة تحت لون النقابية "
وكتبت حريدة " الطان " يوم ٢٧ نوفمبر ١٩٢٥ تقول : " ان اتحاد الشبيبة التونسية مع الشيوعيين لامر طبيعي وقد تحقق منذ اشهر ..." وهكذا بتشوبه براءة الحركة العمالية بالشيوعية قد تهيأت للحكم الاستعماري الفرصة المناسبة لضرب الحركة العمالية فى الصميم ، فحكم يوم ١٢ نوفمبر ١٩٥٢
بتشريد القادة النقابين شر تشريد وتم بعد ذلك حل جميع التشكيلات النقابية . لكن رغم هذا هل ماتت الفكرة النقابية فى قلوب العمال .. الحقيقة انها لم تمت فالعمال الذين قرروا باسم الشعب التونسى :
١ ) ان المدنية الفرنسية لم تقم بواحبها الادني . ٢ ) ان حكومة الحماية مسؤولة عن عمليات القهر والكيد . ٣ ) ان الوجود التونسي قد توضح بانفصال العملة عن النقابات الفرنسية التى تريد ابتلاع السيادة الوطنية لابد الدهر . ٤ ) ان الشعب التونسى سيواصل كفاحه المجيد من اجل تحقيق المبادىء النقابية وتجسيمها لفائدة الطبقة الشغيلة .
نعم ... ان هؤلاء العمال رغم ظروف القهر التى احاطت بهم هم الذين ربحوا ربع الساعة الاخير من معركة التنازع التى رفع لواءها عاليا في طريق النصر الشهيد فرحات حشاد ... وخلفاؤه من بعده .

