تاليف الاستاذ خليفة محمد النليسي ١٧٦ صفحة مقاس ٢١ × ١٤ منشورات مكتبة الفرجاني طبع المطبعة الحكومية لولاية طرابلس الغرب - ليبيا - فبراير ١٩٥٧
ليس من جديد القول ان نذكر : ان من نوابغ الادب العربى الحديث ابا القاسم الشابى ، وجبران خليل جبران ، فكلاهما اخذ من رصيد الشهرة الادبية حظا وفيرا . وكلاهما شغل فى سلم القيم الفكرية منزلة عليا . وما من اديب او متادب لم تهجس بقلبه يوما نبرة من نبرات هذين النابغتين ، بل ما من قارىء من ابناء هذا الجيل لم تتعرض نفسه ولو بطريق غير مباشر الى التيارات التى غمرت اجواء العالم العربى من يوم ان انبعثت فيه اصوات جبران والشابى تفتتح له مغاليق الضمائر وتكتسح منه رواسب الجمود وتدفع بالناس الى صعيد من الحياة غير معهود ...
وقد اخمد الموت أنفاس هذين النابغتين ، وما تزال شهرتهما تذيع ذيوع الادب المتمرد ، وروحاهما تطغيان طغيان العناصر الثائرة ! وان فى هذه الحياة التى يحياها العرب اليوم سواء بالشرق ام بالغرب لامتدادات من الثورة التى تستمد غذاءها من ادب جبران والشابى والتي سوف تقدم ثمارها الى "المناضلين من اجل غد افضل والعاملين على تحرير الشخصية العربية من رواسب الماضى واغلال الحاضر (١)" ولكن الجديد هو هذه الدراسة التى يقدمها الى قراء العربية الاديب الليبى الاستاذ خليفة محمد التليسي فيطرفهم بالحديث عن الشابى وجبران ، ويجلو لهم جوانب من شخصيتيهما اللامعتين ويعرض الى نماذج من ادبهما الرفيع وياتي بآراء فى مذهبهما الشعرى المجدد . هذه الدراسة تنبني على عشر فصول كل واحد منها هو في نظري طريف ،
وكل واحد منها سيكون له اثره فى مساعدة القراء وخاصة الشباب منهم على الافادة من فيض عبقرية الشابى وتذوق اغاني حياته وتحليل مقومات نبوغة . وليس الطريف فى هذه الفصول انها تناولت ما لم يتناوله الكاتبون قبل عن الشابى او جبران بل قد جاء فيها كثير من الجوانب التى طرقها غيره واخص بالذكر منهم ابا القاسم كرو وعمر فروخ ومحمد الحليوى ، ولكن طرافتها فيما بذله الاستاذ من جهد فى تركيز هذه الجوانب وتنقيتها فهو مشكور لحسن تناوله تلك الموضوعات وبراعة عرضه للآراء وحسن تدليله عليها .
ولو اردت تلخيص هذه الفصول لقارئ "الفكر" ما كفانى الا ان اسوق كل فقراتها فانى اجدها جميعا تبهج النفس برشاقة الشكل وتمتع العقل بدقة المضمون واخشي ان ينال التلخيص من طرافتها ويشوش الاختصار من انسجامها ، ولكن الا اعتمد على سماحك ايها القارىء فاكتفى بان اعرض عليك فى هذه الاسطر بعض ما علق بالذهن من قراءتى العجلى لهذه الدراسة ، وبعض ما عن لي من خطرات اثناءها :
١) بين القديم والجديد : يمهد الاستاذ خليفة لدراسته بهذا الفصل الاول فيشير الى اسباب انهيار الادب العربى قبل نهضته الاخيرة ، والى ما نشأ عن تلك الاسباب من حيرة الشخصية العربية ، فى يقظتها ، بين اتجاهين : اتجاه العودة الى القديم العريق كوسيلة للمحافظة على عناصر الشخصية العربية ، وجوهرها الصحيح ، واتجاه لاحتذاء بالغرب والاخذ بمالديه من معرفة تهيئ للمشاركة الصحيحة فى الحضارة الانسانية تمثل هذان الاتجاهان فى المجال الادبى بين اتباع المدرسة التقليدية ورواد المدرسة الابتداعية ، فكان لكل منهما اتجاه فى الادب يعاكس الآخر ، وكان لكل منهما شعراء تبتعثهم على حمل رسالة الشعر اهداف مختلفة ، فبينما نرى الشاعر في المدرسة التقليدية يبحث عمن يستريح الى ظل جناحه ، فتضيع رسالته وتهدر شخصيته فى غمرة المدح السخيف ، نرى شاعر المدرسة الابتداعية منطلقا "الى الاتصال بالحياة فى اوسع معانيها مصورا الواقع الاجتماعى ، ومعبرا عن البؤس الانسانى داعيا الى اليقظة والتحرر ، مناديا بالذاتية الواضحة ، وقيام الشاعرية على الاحساس الفني قبل قيامها على الشعوذة والبهرج اللفظي . (١)
ويذكر الاستاذ : ان الشابى ابتدأ حياته الشعرية بتقليد القديم شأن كل مبتدئ ، ولكنه ما لبث حتى اهوى على الجذوع الخائرة بمعوله .. وتأثر بأدباء المهجر ، ثم استوى له فى الشعر مذهب استقل به وامتاز . وان الشابى قد ركز آراءه ومذهبه الادبى في محاضراته "الخيال الشعرى عند العرب" وان كل دراسة للشابي تتجاهل هذه المحاضرة مقضى عليها بالفشل ، ذلك لانه ضمنها آراءه فى الشعر العربي القديم ، واتخذ منها نبراسا يهتدي بضوئه فيما انتج بعد من شعر ، ذلك الشعر الذي ناجاه بقوله :
انت يا شعر قلذة من فؤادي تتغنى وقطعة من وجودي
فيك ما في جوانحي من حنين ابدي الى صميم الوجود
فيك ما في الوجود من نعم حلو ، وما فيه من ضجيج شديد
فيك ما في الوجود ، حب بنـ والدنيا قصيدي ام لم يحبوا قصيدي
٢ ) شخصية الشابى :
استلهم الاستاذ خليفة قصيد الشابي (فكرة الفنان):
عش بالشعور بللشعور فانما دنياك كون عواطف وشعور
شيدت على العطف العميق ، وانها لتجف لو شيدت على التفكير
.. فاجاد فى رسم منازع الشابي وابراز خصائصه وسماته النفسة والعاطفية وحلل ذلك بالرجوع الى النظر فى البيئة العامة التى كان يحياها العرب فى مطلع هذا العصر حين كانت الاحوال السياسية والاجتماعية تدفع بالشباب الى حياة الفراغ حياة الانطوائية والتشاؤم والكآبة حياة الحجر على الشخصية الانسانية ، وحرمانها من دعامتى التكامل : الحرية والمسؤولية .. فالجأه هذا الحرمان الى التعلق بالخيال وما في عالمه الرحب من احلام واوهام ، الى الرومانسية حيث " كان الصوت الباكى الحزين احب الاصوات الى القلوب ، لانه يحمل فى حزنه وبؤسه صورة الحياة التى يحياها الناس ، ويعصر من دوب قلوبهم قطرات فيها الحسرة والاسى والالم (١).
ويرى ان من اسباب تمكن الرومانسية من الشابى ما يحمله هذا المذهب من اعتراف بالشخصية الانسانية التى تضافرت العوامل على كبتها فى نفوسهم : البيئة وتقاليدها المريضة ، الاستعمار وسياسته الغاشمة ، المتزمتون ورجعيتهم الخانقة .
وقد اعجبني ما اورده من قول جبران يرد على الذين نعوا عليه تشاؤه : " ان كان هناك من يريد ان يبدل نوحى بالضحك ، ويحول اشمئزازي الى الانعطاف وتطرفى الى الاعتدال فعليه ان يرينى بين الشرقيين حاكما عادلا ومشرعا مستقيما ، ورئيس دين يعمل بما يعلم ، وزوجا ينظر الى امراته بالعين التى يرى بها الى نفسه "
وينتهى الاستاذ من بيان العوامل التى صنعت كآبة الادباء وتشاؤمهم في هذا العصر ويقول : انها لم تكن كآبة خالصة فقد كان انتاجهم يتارجح بين الاستسلام الباكي والتمرد العنيف ، وانه يجب ان نلتمس آخر مراحل التطور الفكري عند الشابي فى هذه التشاؤمية الممزوجة بالتمرد على المذاهب المريضة التى شاعت بالشرق والتي كانت تدفع بالانسان الى الرضا بجميع الوان الجور والاستعباد على انها قدر مقدور .
هذا التمرد اوحي الى الشابى قصيده الخالد :
اذا الشعب يوما اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر . .
اذا طمحت للحياة النفوس فلابد ان يستجيب القدر
وكم احب ان يطلع الدكتور عمر فروخ على كلام الاستاذ خليفة في هذا الفصل لعله أعدل من بعض آرائه فى الشابى ويحذف امثال هذه الفقرة فيما كتبه عنه "والشابي شاعر ناقم يزعم انه يريد ان يؤدى رسالة ، ولكنه فى الحقيقة يحمل معولا ليهدم به كل شئ : الحياة والناس ، والبلاد والوطن والامة . . " (١)
على اني اذكر هنا ان الاستاذ خليفة قد اشبه الدكتور فروخ في تسرعه وقساوته فى بعض مواقفه مع الشابي فقد قال فى هذا الفصل : " ولكن العاطفة قد افسدت عليه حياته ، واصابته بدائه القتال الذى حطمه واودى به وهو في نضارة الشاب ، كما افسدت كثيرا من احكامه حين اوهمته انه ليس من طينة الناس " واستوحى الاستاذ هذا المعنى الاخير من قول الشابى:
انت كالزهرة الجميلة فى الغاب ولكن ما بين شوك ودود
وبنو الناس كالقرود وما اضيع عطر الورود بين القرود
اني اشك فى ان تكون عاطفية الشابى افسدت عليه حياته .. ولا اوافق
على انه يعنى هذا المدلول السطحي للبيتين ،
وليعد القاريء الى القصيد المقتبس منه البيتان " ايتها الحالمة بين العواصف " وشئ اخر احب ان الاحظه هنا هو انى لا اعتقد بكل ما يقال عن نزعة الرومانسية في الشابى لانى ما ازال احتفظ برايى فى تطبيق النزعات ومذاهب الادب الغربي على الادب العربى ، ولا انكر ما قد يوجد فيه من بعض مظاهر هذه النزعات ولكن لا احكم بتمذهب اي شاعر بهذه المدرسة او تلك حتى يتفق ادباؤها ونقادنا على وضع مفاهيم مضبوطة لهذه المدارس (١) وحتى تتكون فى تاريخنا الادبي والاجتماعي نفس العوامل والمشاكل التى ادت الى ظهور هذه المدارس فى الاداب العربية وهذا الاستاذ خليفة نفسه يقول : وواضح ان الرومانسية كانت ثورة على النزعة العقلية الفلسفية في القرن ١٨ ذلك القرن الذي شاع فيه الايمان بالعقل والاعجاب بقدرته على اكتشاف وادراك الحقائق المجهولة وتفهم اسرار الحياة ...
واذا اتفقنا مع الاستاذ على هذا التفسير او التعليل للرومانسية لابد لنا ان نتراجع فنحكم على ان الشابى لم يكن رومانسيا لان العرب فى عصر الشابي وخاصة الوسط الذى كان يحيا فيه الشابى لم تشع فيهم هذه النزعة واحسب انها لو كانت شائعة ما تالم الشابى وقال :
ايها الشعب انت طفل صغير لاعب بالتراب والليل مغس
انت في الكون قوة لم تسسها فكرة عبقرية ذات باس
٣) الشابي وجبران
يعالج المؤلف في هذا الفصل ما يكاد يجمع عليه الدارسون من تاثير جبران في الشابي ولكنهم يكتفون باثبات هذا التاثير ويحجمون عن تبيين مداه واستقصاء اوجهه . وانى شخصيا وجدت في هذا الفصل تلبية لرغبة كنت ابديتها لبعض زملائي وهو ان يعمد الواحد منا الى ادب جبران والشابي ويعني بتسجيل النتائج التي تسفر عنها المقارنات او المفارقات بين هذين الاديبين اللذين يعكس كل منهما ضوءه على الاخر وعلى من جاء بعدهما من نوابغ الادب وشداته .
الحب والحرية والتمرد : هذه هى العناصر التى يراها الاستاذ بارزة فى ادب جبران ، وهذه هى المجالات التى تاثر فيها الشابي وهو فى رايه تلميذ نابغ
لجبران . وقد اورد عدة نصوص لجبران قارنها بنصوص من الشابى ، وختم ذلك كله بقوله : " ان الشابي قد تاثر بالادب المهجرى ، وتاثر بجبران بنوع خاص والباحثون فى حاجة الى الى ان يلتفتوا الى ادب جبران اكثر من اى اديب آخر وهم فى غني عن التخبط والتعسف والتعويل على الظن والتخمين فاسلبوه النثري متاثر بجبران ، واسلوبه الشعرى متاثر بجبران . وافكاره متاثرة بجبران ... (١)
وعمل الاستاذ هنا بالقياس للكاتبين عن الشابى قبله في هذا الموضوع عمل موفق جدا فهو لم يقتصر على قصيدة او بعض الابيات يوازن بها هاتين الشخصيتين ويعطى احكامه وتقريراته العامة التى قد لا تخفى على صغار الطلاب لما يتفطنون اليه من تجاوب وتواجد بين هاتين العبقريتين فالاستاذ يقيم ادب جبران ويعطينا الشواهد على مظاهر ثاثر الشابى له : ولكنه يعترف ان هذا التأثر لم يفقد الشابى شخصيته بل يكون فى كثير من الاحيان اشعر من استاذه . وقديما قيل : يفوق الفرع اصله .
٤) الوطنية في شعر الشابى
التهمت هذا الفصل ، ومددت اليد الى مكتبتي افتقد كتاب " الوطنية فى شعر الشابى " لابى القاسم محمد كرو فلم اعثر عليه ، فحمدت الله ان وفر على جهدا فى المقارنة بين هذا الفصل وهذا الكتاب .
واعيد ما ذكرته سالفا من ان الاستاذ خليفة تناول فى دراسته جوانب درسها غيره ولكنه يمتاز بالتركيز فيها وحسن التعليل والعرض وطبيعي ان يتوفر فيه هذا فقد استفاد ممن سبقه فى دراسة الشابى وادب الشابي خصب لا يضن عمن قدح به زناده ولا يكدى من استنفح به واستوحى لكتابته فى هذا الفصل قصيد "الى الشعب":
اين ياشعب قلبك الخافق الحساس ؟ اين الطموح والاحلام
اين ياشعب ، روحك الشاعر الفنان ؛ اين الخيال والالهام
واقتصر في ذكرياته على ٢٢ بيتا بينما القصيد ، كما هو مثبت في " اغاني الحياة " يشتمل على ٥٥ بيتا، ولست فى حاجة الى التنبيه الى ان الاقتطاف كثيرا ما يضر بصحة الحكم فى التقييم الادبى وكان النقاد الاقدمون يبنون احكامهم على الست المفرد او الابيات ، وكان لهم من طبيعة القصيد العربى قديما ما يفسح لهم ذلك ، اما الآن فقد صرنا نتطلب من الشاعر وحدة القصيد والشابى قد حرص على ان يوفر فى شعره هذه الوحدة ، فمن المجدى اذا ما أردنا ان نتعرف الى شعره ان نعرض النماذج منه كاملة . وقد اتخذ الاستاذ هذه القصيد نقطة انطلاق في
تحديد وطنية الشابى لما راه فيها من خطوط عريضة واضحة تدل على مدى احساس الشابى بضرورة البعث والتطور وتشير الى الاهداف التى يريدها لمجتمعه ..
ومن الخطوط التى رسمها الاستاذ لوطنية الشابى ثورته العارمة على الرجعية وكفرانه باتجاهاتها المعطلة المبطلة ، ويرى ان صرخات الشابى وحملاته القاسية اتجهت الى هذه الرجعية اكثر من اتجاهها الى الاستعمار ، لا لانه كان يكفر بالقديم ويجحد فضله ، ولكن لان لهذه الرجعية عقلية تريد ان تحمل الشعب على الارتكاس فى الماضى والوقوف عند القديم العتيق ، وذلك عنده هو الشقاء والموت :
والشقى الشقى في الارض شعب يومه ميت وماضيه حي
والشقى الشقي في الارض قلب يومه ميت ، وماضيه حي
ويوالي الاستاذ رسمه للمشاعر الثائرة فى وطنية الشابى ، ويجلو أوجهها الانسانية وغاياتها المثلى ، فندرك انها ليست عنده شعورا غامضا يتعلق بالارض
ويتعصب للجنس . ويتعبد الحزبية ، ولكنها وطنية الشاعر الذى وعى رسالته فاحس في اعماقه انه مسؤول عن تبصير شعبه بمعاني الحياة الحرة الكريمة ، مسؤولية الشاعر الذى احترم ذاته وكيانه واستقل بهما عن الاخرين فاحب لشعبه ان يحقق ذاته فى شخصية متميزة تتجه الى المساهمة الحضارية الخالقة.
اين ياشعب فنك الساحر الخلاق اين الرسوم والانغام ؟
ان يم الحياة يدوى حواليك فاين المغامر المقدام ؟
اجل انها اسئلة ، ورغبات ، وامان .. احتضنها قلب هذا الشاعر الكبير ورددها في هتافاته حينا ، ثم صمت .. فهل ترى شعبه يتكفل بالتلبية والاستجابة والتحقيق ؟ هل تراه يتعاطف مع سنة الكون التى يلفته اليها :
كل شئ يعاطف العالم الحي ويذكى حياته ويفيده
والذي لا يجاوب الكون بالاحسـ ـاس على الوجود وجوده
٥) الطبيعة في شعر الشابي :
يقرر الاستاذ ان الشابي يقف قمة شامخة بين الشعراء الذين ظفرت الطبيعة في شعرهم بنصيب كبير ، وانه قد نظر الى الطبيعة نظرة عاطفية تنبثق عن مشاركة لظواهرها ، واندماج فى محاسنها ... ويرى ان شعره خال من اللوحات الطبيعية الكاملة ، لان الطبيعة فى قصائده لم تكن مقصودة لذاتها ، وانما هي اطار جميل جذاب يحيط بالصورة التى يريد الشاعر التعبير عنها ، ولم تحتل الطبيعة قلب الاطار عنده الا فى قصيد "من اغاني الرعاة"
اقبل الصبح يغنى للحياة الناعسة والربى تحلم فى ظل الغصون المائسة
والصبا ترقص اوراق الزهور اليابسة وتهادى النور فى تلك الفجاج الدامسة
ويعرض الاستاذ هنا الى ما ذهب اليه بعض الكاتبين عن الشابى مثل الاستاذ
كرو ، القائل بان فى شعر الطبيعة عند الشابى ما يتصل بوطنيته برباط وثيق . فيقرر انه على العكس من هذا يرى ان شعر الطبيعة عند الشابى لا يدخل الوطنية الا من بابها الضنيق ، لان الطبيعة عنده لا تحفل بمشاهد الوطن التونسي ، وانما هى غناء من الشاعر بالجمال الطبيعى فى مظهره العام . ولا يعثر في شعره على اية صورة لمواطنه تمثل اللون المحلى بحيث اذا قرأتها قلت : هذه لوحة تونسية خاصة بتونس لا تتعداها الى غيرها من البلدان .
ولكن خفاء اللون المحلى في شعر الطبيعة عند الشابى على فرض التسليم به قد نجد تعليله فى عدم ارتحال الشابي الى خارج وطنه غير "المشروحة " ببلاد الجزائر وفى عدم اتجاهه الى الرسم الخاص لما تمتاز به بلاده من ملامح رائعة ومشاهد مختلفة وهو شاعر مصور لا تعوزه القدرة على ذلك ولكن كان له مع الطبيعة شان آخر نستطيع ان نتبينه من الفقرة التى نقلها عنه الاستاذ من كتابه "الخيال الشعرى عند العرب" ومن القصيد الذي قدمه بعد لاتمام لمحته عن الطبيعة في ادب الشابى وهى "امل الشاعر".
ليت لى آن أعيش في هذه الدنيا بعيدا في وحدتى وانفرادي
اصرف العمر في الجبال وفي الغا بات وبين الصنوبر المياد ..
٦) الحياة في نظر الشابى .
فلسفة الشابي او نظرته فى الحياة من مقومات شخصيته البارزة ، وهى كما يتبينها الاستاذ شخصية عاطفية انفعالية تتغير نظراتها فى الحياة ، وتسيطر عليها لحظات الانفعال ونوعه . فهي قلقة برمة تبدو عندها الحياة ظلمة حالكة اذا كان فى انفعال حزن وكآبة وهي فى موكب فخم النشيد تسير فى طريق المجد والعزة والكرامة اذا كان انفعاله باعثا على التمرد والتجلد والطموح ، ويعلل حزن الشابى فى قصائده الاولى بتاثير مراحلة المراهقة التى تعيش فى عالم الاحلام ، وفى العكوف على الذات والاستجابة الى الخيال ، وبان الرومانسية بصفة عامة اقرب الى ارواح المراهقين بما يحيط بها من غموض محبب وكآبة لذيذة وخيال وقاد ، وبان تفكير الشابى وحيرته وتساؤله عن الحياة وجدواها هو وليد هذه المرحلة التى شغل فيها نفسه بما شغل به المفكرون والفلاسفة انفسهم ، فتساءل كالخيام والمعرى :
فقل لي ما جدوى الحياة وكربها وتلك التي تذوي وتلك التي تنمو
وفوج تغذيه الحياة لبانها وفوج غدا تحت التراب له ردم
وعقل من الاضواء في رأي نابغ وعقل من الظلماء يحمله فدم
وافئدة حسرى تذوب كآبة وافئدة سكرى يرق لها النجم
لتعس الورى شاء الاله وجودهم فكان لهم جهل وكان لهم فهم
ويذكر فى النهاية ان الشابى "ظل عميق الحب للحياة وليس تشاؤمه الاصورة
من صور النقمة على الاوضاع المريضة التى كان يعيش فيها مجتمعه ، وهو ينطوى على الرغبة فى الحياة الرفيعة الخالقة المبدعة اكثر مما ينطوى على كراهية الحياة " والخاطر الذى استبد بى اثناء قراءتي لهذا الفصل هو ان احسن راى نكونه عن الحياة في نظر الشابى هو ان تقرأ ديوانه كله "اغانى الحياة " فشعره كله حياة
والحياة وجدت فيه الشاعر الذى ينبض قلبه بها ويستجيب لصدى الحانها :
ان هذي الحياة قيثارة الله واهل الحياة مثل اللحون
نعم يستبى المشاعر كالسحر وصوت يخل بالتلحين
والليالي مغاور تلحد اللحـ ـن وتقضي على الصدى المسكين
٧) اسلوب الشابي
اقوى معنى علق بالنفس من كلام الاستاذ في هذا الفصل تقريره ان "قوة اسلوب الشابى ليست فى الفاظه رغم براعته فى استخدامها ، ورغم ثروته من الالفاظ اللونية والصوتية التى استعملها فى براعة الرسام النابغ والموسيقى العبقرى ، ولكنها فى قوة احساسه ، انه اسلوب تحسه قبل ان تفهمه"
اسلوب الشابى هكذا فى جلة من قصائده ولكنى كثيرا ما اتمنى وانا اقرا له قصائد اخرى ، ان لو اسعدته القريحة او الهمته ربة الشعر على حد تعبيره فكانت لغته وتعابيره واسلوبه خيرا مما هى عليه ، واننى دائما اتصور ان العربية كان يقدر لها ان تخلد شاعرا من الطراز الاول فى اجادة المضمون والشكل لو افسحت المنون فى اجل الشابي فلم تقطفه فى ريعان الشباب.
٨) المرأة في شعر الشابى ٩) المرأة في ادب جبران
١٠) الطفولة فى شعر الشابي
هذه بقية الفصول التى تنبنى عليها هذه الدراسة وهى كالفصول السالفة فيها نفع وامتاع ، ولست اجدني راغبا فى التعليق عليها الآن فقد اكون اطلت عليك ايها القارىء ، ولا احب ان افقدك لذة القراءة المستجدة لما بقى من هذه الفصول فلتعد اليها ، ولاجمل اليك رايي فى هذه الدراسة فاقول : انها عمل فني جميل يقدمه هذا الاديب الليبى عن الشابي وجبران ، وانها دراسة تحليلية لها وزنها فى الدراسات النقدية لهذين النابغتين الذين كادت تقضي عليهما الشهرة الذائعة فيكتفي الناس ببعض الرواسم يرددونها عنهما دون ان يتعمقوا درس انتاجهما ويستجيبوا الى رسالتهما ، وما رسالتهما سوى رسالة الادب ، رسالة الحق والخير والجمال .

