الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, " محمد والسنة الاسلامية "

Share

كثر في هذه الايام التأليف فى المشاكل الاسلامية على ضوء طرق البحث والنقد الحديثين كما اهتم الباحثون بتحليل نفسية الرسول ودراسة شخصيته وكشف الخافي من حوادث سيرته ونخص بالذكر ذلك البحث العلمى الذى قدمه منذ قليل الاستاذ فى كتابه "مشكل محمد"

غير ان تلك التآليف على كثرتها وسديد بحثها لا تخاطب الا اقلية محدودة هي اقلية الاخصائيين المطلعين على طرق البحث الجديد والملمين شامل الالم بالكثير من دقائق حوادث الحضارة الاسلامية وخصائص سير اعلامها وهى تآليف ، وان رجعت بجم النفع اذ انها تضيف الى تاريخ الفكر حلقات ثمينة ، تعين الباحث على كشف ما كان غامضا من خفايا التراث الاسلامى . فهى تبقى غامضة كل الغموض عن عامة الناس ممن لم يكن لهم سابق صلة بتاريخ الفكر الاسلامى وقلما نشاهد فى هذا الصدد بحثا يرمى فيه صاحبه الى تعميم معلومات وحوادث تمت بصلة الى تاريخ الاسلام وحضارته وقد الف "اميل درمنغم " اخيرا ما سد هذا الفراغ وقام بمهمة تعميم خصائص السنن الاسلامية وهذا تأليف بجد فيه الكثيرون ممن يجهلون تماما الخطوط الرئيسية لتاريخ الاسلام ولحياة رسوله ما يشفى غليلهم ويكفيهم مؤونة الرجوع الى المطولات المعقدة ! والقارئ الاجنبى - اعنى الغير المسلم - ممن يجهل تماما الاسلام وتعاليمه وتاريخ عصوره الاولى يمكنه بالرجوع الى هذا الكتاب الالمام بمعلومات شتى كانت لديه مجهولة وليعم النفع ويتبين قراء " الفكر " ما لطريقة تعميم المعلومات من كبير النفع راينا ان نلخص لهم فى شىء من التحليل اهم فصول كتاب " محمد والسنة الاسلامية "

يشرع المؤلف ببيان اهم المصادر التى اليها رجع فى دراسته ومنها استنتج كل ما عليه اقام نظريته فى سيرة الرسول وفى مختلف اطوار حياته فيرى ان المصدر

الاصلى فى هذا البحث هو القرآن إذ هو فى نظر المؤلف وثيقة لا سبيل الى الشك فيها من الناحية التاريخية ويقول : " القران مصدر بل هو اهم المصادر التى منها يستقى المؤلف ما يصلح ان يكون دعامة لكل دراسة تاريخية نزيهة خاصة إذا ما حاول درس درس شؤون الرسول واحواله وما احاط به من حوادث منذ نزول الوحى الى آخر ساعة من ساعات النبي العربي :

وهذا امر ذو بال اذ المؤلف بقوله هذا يفند ما وضعه بعض المستشرقين فى هذا الصدد ويحطم زعمهم فيعترف بأصالة المصدر وصحة ما اليه يلمح من حوادث تاريخية مختلفة ، وهذا الاعتراف وان بدا لنا نحن معشر المسلمين بديهية من باب اصول الايمان فى الاسلام فهو مهم بالنظر الى مؤلف غربى الوطن مسيحى الدين ، فقد ادته نزاهته فى البحث الى الاعتراف بما شك فيه الكثير تحت مفعول الهوى ونعرة التعصب

ومن اهم ما يلاحظ فى هذا الباب ما يقرره " درمنغم " من طريقة قويمة لدراسة القرآن كمصدر تاريخي اذ يطلب من الباحثين عدم الركون الى تأويلات بعض المفسرين وتخميناتهم بل يشير بالرجوع المباشر الى نص القرآن ليستنتجوا بفضل اجتهادهم الشخصى ما لا يجدون له اثرا فى مطولات التفسير المتأثر احيانا بنزعات اصحابها الحزبية او المذهبية

والمصدر الثاني فى نظر المؤلف هو الحديث النبوى ويرى انه من واجب الباحث عدم التأثر ببعض ما وضعه الناس من احاديث منتحلة نسبوها خطأ الى الرسول لتدعيم ناحية من نواحي مذاهبهم او لتبرير اصل من اصول مواقفهم وآرائهم ثم يفاجئنا بملاحظة طريقة اذ يرى ان ما قام بين الناس فى العصور السالفة من جدل حاد حول مشكلة وضع الحديث ليس مما يذهب بقيمة تاريخ الفكر الاسلامى بل هو يدل على نضجه وحيويته اذ لو لم يتناول الحديث بالبحث والتحقيق لكان جامدا كل جمود بل يعتبر المؤلف هذه الاختلافات والمناقشات سببا اصليا فى بروز شخصيات قدمت جليل الاعمال فى ميدان الفكر فهذبت طرق البحث وانشأت نظرية فى اصول تحقيق الوثائق التاريخية وكانت مصدرا هاما من مصادر المعرفة تجسم فى علمين من اعلام المحدثين هما مسلم والبخارى .

اما المصدر الثالث والاخير فهو تأليف ابن هشام الشهير اذ قد وقف فيه صاحبه موقف النزاهة والوفاء للحقيقة فغربل ونقح كل ما ورد فى اخبار ابن إسحاق

ويختم " درمنغم " فصله بحديث يخط فيه طرقا للبحث جديرة بان تحظى بالعناية اذ هى تفتح واسع الافاق لكل باحث ومؤرخ فيقول :

"ومما يثير الاسف ان مؤرخى الروم لم يهتموا بتدوين اخبار تلك الحقبة الحافلة من التاريخ غير انه يمكن للباحث اليوم ان يقوم بالعمل المثمر المفيد اذا ما رجع الى السيرة والحديث على مختلف انواعها ليشرع فى المناظرة والموازنة بينها وبين ما لدينا من تراث ادبى يلمح الى تاريخ تلك الفترة من الزمن ..."

وبعد هذه المقدمة ينتقل الى حديث حول الوسط الذى نشأ فيه الرسول فقدم لنا صورة حية جذابة من الحياة العامة فى العصر الجاهلى بأم القرى مكة وحدثنا عما كانت عليه تلك المدينة بالرغم عن قسارة الطبيعة ووحشة المكان من نظام اقتصادى ودينى وادبى هو اقرب شئ فى نظر المؤلف الى نظام الحياة بالمدينة اليونانية ثم يفند إدعاء من يرى ان الرسالة تلقاها صاحبها عن سبيل الاحتكاك بالمسيحيين واليهود من معاصرية ويثبت ان ذلك الاحتكاك وان سلمنا بوجوده فهو غامض مبهم لا يمكن ان يكون مصدرا لذلك النور المقدس الذى به ملأ محمد ربوع الجزيرة العربية كما هو يعترف بمدى المغامرة الجبارة التى قام باعبائها الرسول عند هجومه على دعائم صرح النظام عند العرب فى الجاهلية فيقول : ومن البدهى ان من يقوم باعباء مقاومة نظام محكم كنظام قريش لا يمكنه ان يقبل بالترحيب والتبجيل من طرف هؤلاء الناس اصحاب النفوذ فى ذلك العصر " كما يرى ان اقدامه على تلك المهمة الجبارة عنوان شجاعته وقداسة رسالته اذ استمد قوته ومثابرته من الخالق فتمكن من نشر رسالته واعلاء مكانتها فى الجزيرة

وفى فصل آخر يلتفت المؤلف الى ما قامت به خديجة من دور هام وما كان لها من شديد التاثير فى حياة الرسول ومستقبل الرسالة الاسلامية واتصال الرسول بخديجة وزواجه منها كان لهما عميق التاثر فى جميع اطوار حياة الرسول اذ كانت سلواه ايام المحنة ومشجعته ايام الشعور بالفتور والفشل فتمكن الرسول بفضل ما كان لهذه المرأة من نبيل الخصال من اقتحام هائل الاخطار فاعانته هكذا على عبور تلك الفترات القاتمة المنهكة التى حياها طيلة السنين الاولى من نشر الدعوة

وبعد هذا التحليل والعرض ينتقل المؤلف الى الحديث عن انتشار الدعوة الاسلامية وما لاقاه صاحبها من المحن والمصائب فيدرس سيرة الرسول دراسة

طريفة يتناول فيها من الايات القرءانية ما يتضمن بعض التلميح الى ما حل بالنبى من حوادث اثر القيام بدعوة الناس الى الدين الجديد فيحللها ويبين ما كان لها من تأثير فى شخصية الرسول وفى مستقبل الرسالة واتجاهاتها العامة . وتمكن هكذا من تتبع خطاه خطوة خطوة ذاكرا ما لاقاه من عنت اهله وعناد ذويه وما حاولوا لاقناعهم من شتى الوسائل والمعجزات ويرى المؤلف ان معجزة منها اصابت الهدف وكللت بفائق النجاح وهى معجزة القرءان فلم يجد العرب الى نكرانها وتفنيدها سبيلا كما انه يستعرض ما قام به النبي من جليل الاعمال فى سبيل نشر رسالته ويختم عرضه قائلا " ولما دقت ساعة الاجل الذي لابد منه تساءل الرسول - ولاشك - عن مدى ما قام به من اعمال وما بذله من مجهودات ، وعليه استسلم بعد ذلك العرض الى القدر المحتوم مطمئن النفس مرتاح الضمير اذ قد حقق بعد الغاية التى من اجلها بعث للناس نذيرا "

ثم يثير المؤلف مشكلة هامة كثيرا ما اثارها بعض المستشرقين والمفكرين الغربيين فاساءوا الظن وحادوا عن الصواب ، ذلك انهم كلما تعرضوا الى ما كانت عليه المرأة فى الحضارة الاسلامية الا وحاولوا التشنيع بمكانتها مبينين ما تتحمله من سوء المعاملة وضيق العيش وما تتخبط فيه من ظلم وجور ، اما المؤلف فهو يرى ان حياة محمد الزوجية والعائلية كان لها اشد تاثير على حياة المرأة وما احتلته من مكانة مرموقة فى الاسرة والمجتمع ، ناهيك ان الرسول اجبر الناس على احترامها خاصة عندما يقرر ان الجنة تحت اقدام الامهات كما انه اوصى بعدم نزويجها دون استشارتها فى الموضوع وقد بغض الطلاق الى النفوس واعترف للمرأة بحقها في الارث والاسرة والحياة العامة غير ان بعض المفسرين عوض ان يمتثلوا لهذه الاوامر السامية ضلوا السبيل بتأويلات غير منطقية شوهت وجه الحقيقة اشنع تشويه وحرفت السنة الاسلامية بليغ التحريف كما ان المؤلف يشير على المعتزين بالاسلام من المجددين بالرجوع الى السنة الصحيحة والى آيات القرآن ليعطوا المراة حظها فتسعد وتتبوأ ما يليق بها من مكانة فى المجتمعات البشرية الراقية وليس ما يقرر درمنغم بغريب اذ راينا كيف نجح مجددو القرن المنصرم في دعوتهم لما استمدوه من سامى التعاليم بالرجوع الى اصل القرآن وصحيح الحديث كما كان ذلك شان محمد عبده ورشيد رضا وقاسم امين وغيرهم

ولم يغض المؤلف الطرف عن الحديث حول الفن الاسلامي فألم بالكثير من خصائصه وختم بقوله : " وان لم يوجد الفن الاسلامي اعلام كرمبرندا Rembrandt او ميكال أنج michel Ange فانه قد خلد تراثا في قوة خلق وابداع والانسان يشعر عميق الشعور بعظمة هذا الفن كلما وقف معجبا مذهولا بطرافة جامع قرطبة وفاس والقيروان والقاهرة "

ومما يلفت نظر المطالع في الباب الاخير من هذا الكتاب ، حيث يحلل المؤلف الخصائص العامة لحركة النهضة الحديثة ، ما يفاجئنا به من حديث حول كتاب مواطنا المرحوم الطاهر الحداد فيحلله ويعترف بفضل ما اداه فقيدنا من جليل الاعمال فى سبيل حركة التجديد والدفاع عن حقوق المرأة .

كما ان المؤلف يلمح في هذا الفصل الى ما كان سببا فى انكماش حركة الفكر الاسلامى وما حل به من مصائب جعلته جامدا كل الجمود قائلا ان القضاء على حركتى التصوف والفلسفة من طرف ابى يوسف يعقوب المشهور بالمنصور هو سبب ذلك الجمود والانحطاط وميل المنصور الى جماعة " الفقهاء المحدودى الافق والضربة القاضية على نمو الفكر الاسلامي . وتابع المؤلف حديثه محللا طرق انتقال التراث الاسلامى من الشرق الى الغرب على يد افريقي هو القديس طوماس دكانSaint Thomas d' Aquin ثم ينظر " درمنغم " الى حالة العالم الاسلامي اليوم ويقرر بعض المبادئ التي يراها كفيلة ببعث حضارة اسلامية جديدة تضاهى حضارة السلف بل تفوقها ، ويكون ذلك فى نظر المؤلف بالرجوع الى ما فى القران والحديث من التعاليم القارة الخالدة التى عليها شيد صرح الحضارة الماضية ولا تزال تلك التعاليم السامية حية نابضة متدفقة قوة وحكمة فاذا ما استمد منها المفكرون فانهم يقيمون بدورهم صرحا يبعث من جديد حضارة اسلامية تتبوأ مكانتها بين حضارات القافلة البشرية ، وتساهم فى خلق جو التفاهم والتسامح بين جميع الامم .

هذا ما نجده فى القسم الاول من كتاب المستشرق اميل درمنغم اما القسم الثاني فهو يشتمل على الكثير من المختارات الشعرية والنثرية المترجمة يقدمها المؤلف ليتمكن القارىء الاجنبى من الاطلاع السريع على شىء من تراث شعراء الاسلام وعلمائه ومفكريه امثال الغزالي وابن خلدون وابن الفارض وفريد الدين

العطار وجلال الدين الرومى وغيرهم ، وشح المؤلف قسمى الكتاب بشتى الصور الدالة على رقى فنى الخطاطة والنقش عند المسلمين

واننا نرى ولا شك - ما لهذا الكتاب من قيمة تاريخية كما نلاحظ ان المؤرخ اذا ما ركن الى طرق البحث النزيه ينتهى الى كشف القناع عن اخص خصائص ما هو بصدد درسه وتحليله وقد تمكن اميل درمنغم بهذه الدراسة الخاطفة من بيان الكثير من محاسن التراث الاسلامي في مختلف الميادين كما انه اقام الدليل على حسن ظنه بهذا التراث ووفائه والعلم كما نجد لكتابه هذا وظيفة اخرى لا تقل نفعا هى تعميم ما اختص به بعض الباحثين فنشر ، فى غير تعقيد نشرا سهلا قريب المنال يجعله فى مستوى جميع الناس

ولا يخفى على المطالع ما في هذا البحث من تلميح الى طرق في الدرس يستحسن ان يتناولها باحثو تراث الاسلام حتى يبينوا ما بقى الى اليوم مغمورا من خصائص تلك الحضارة واعلامها

كما ان المؤلف دحض في كتابه هذا شيئا كثيرا مما سلم به بعض الاجانب من الخرافات التى لا تمت بصلة الى الاسلام ولا الى حضارته .

وهكذا فان درمنغم قد اصاب بتآليفه هذا اهدافا سامية منها تعميم ما كان غامضا مجهولا وتحريك العزائم الصادقة لتحقق غايات ثقافية سامية .

اشترك في نشرتنا البريدية