كانت فكرة عبقرية تلك التى أوحت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يتخذوا هجرته من ( مكة ) إلى ( المدينة ) مبدأ للتاريخ الإسلامى .
ولو أن الصحابة عمدوا إلى ميلاد الرسول ، أو بعثته ، أو انتصاره على المشركين فى أولى ملاحمه ( بدر ) ، أو فتح مكة ، أو الخروج لغزو الروم أول مرة ، لسكان لهم فى أى مناسبة من هذه عيد سنوى رائع الذكر جليل الأثر .
ولكنهم رضوان الله عليهم لاحظوا فى الهجرة معنى لا يتحقق بتمامه فى واحدة من المناسبات الأخرى ؛ فكتب التاريخ نروى أن ( أبا موسى ) كتب إلى الخليفة (عمر بن الخطاب) : أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ ! - وكانت العرب تؤرخ بعام الفيل - فجمع ( عمر ) الناس للمشورة ، فقال بعضهم : أرخ بمبعث النبى . وقال بعضهم : بمهاجره ؛ فقال عمر : " لا ، بل بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل ) ؛ وكان ذلك فى سنة سبع عشرة أو ثمانى عشرة من الهجرة ، وقبل بل كان ذلك بعد مضى سنتين ونصف من خلافة عمر .
وسواء أكان المشير بهذه الفكرة ( عمر ) أم (عليا)
أم غيرهما من الصحابة ، فإن الاختيار كان لخصوصية فى الهجرة أدركها النفر الذين لازموا رسول الله فى منازل الوحى ، وشهدوا مراحل جهاده ، وخبروا أثر كل مرحلة فى تطور الدعوة ورسوخ أصولها . وقد عبر رائدهم من هذه الخصوصية إجمالا ، فذكر أن هجرة رسول الله فرقت بين الحق والباطل ؛ ولو شاء أن يتوسع فى تفسير تلك الخصوصية لقال : إن هجرة ( محمد ) لم تكن هربا من من دار خوف إلى دار أمان ، ولا نبذا لوطن ضاقت مذاهب العيش فيه ، ولا جريا وراء مغنم من مغانم الدنيا ، ولا حرصا على توسع فى فتح أو استعمار ؛ ولكنها كانت انتقالا للمرحلة الثانية والأخيرة من تبليغ الرسالة ، وإعلاء كلمة الله فى الأرض ، وإقامة بناء الإصلاح الدينى والاجتماعى الشامل على أساس ثابت الدعائم والأركان ؛ فقد لبث الرسول فى مكة ثلاث عشرة سنة ، يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويجادل بالتى هى أحسن ، ويحتمل هو وأتباعه القليلون من صنوف الأذى والعنت ما لا يقوى على مثله إلا أولو العزم ؛ وقد انبعثت من مكة فى تلك المدة أضواء أنارت أنحاء ( يثرب ) وبعض البقاع المجاورة ، ونقلت إلى قلوب السابقين الأولين من المؤمنين ، وهيأت للدعوة الجديدة أنصارا يفدونها وصاحبها بالنفس والنفيس .
فأذن الله للذين ظلموا أن يخرجوا من القرية الظالم أهلها ، وأن يردوا الأذى عن أنفسهم ، وأن يعدوا العدة لجهاد منظم مستعينين بالأصول الحربية والسياسية والاقتصادية والعمرانية التى يتطلبها إنشاء دولة باقية إلى يوم الدين .
وإذا فقد شهدت السنوات العشر - التى قضاها ( محمد ) بالمدينة قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى - أول انتصار فى تاريخ الأديان المقلة المؤمنة على الكثرة الضالة ، وأول معرض للبطولة التى تستمد إلهامها من حرارة اليقين ، وأول سوق تباع فيها الأنفس والأموال ، ومشتريها الله .
وقد شهدت تلك السنوات أول رسول ( وآخره ) يؤمر من السماء أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الله ، وأنه رسول ، فإذا قالوها عصموا منه دماءهم وأموالهم ؛ وشهدت أول مشرع ( وآخره ) يبنى على وحى السماء نظاما للدين والدنيا يحدد علاقة العبد بربه ، وعلاقة الإنسان بالإنسان ، وعلاقة الفرد بالمجتمع ، ويقيم حياة الأسرة ونظام الهيئات وبناء الدولة على أسس من التعاون والتعاطف والسلام والحرية والإخاء والمساواة والعمل لخيرى الدنيا والآخرة .
إن كل كارثة تصاب بها الإنسانية - عصرا بعد آخر - فى حروبها واستعمارها ونزاع طوائفها وانحلال أخلاقها ، برهان جديد على سلامة النظام الذى وضع أساسه ( محمد ) فى مهاجره ، وعلى ضرورة الرجوع إلى هذا النظام إذا أريد للإنسانية التقدم والسلام . وإن مقدار النجاح الذى يصيبه المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها فى حفاظهم بدينهم وحريتهم ، وكفاحهم ضد الغاصب ، ومحاولتهم أخذ مكانهم بين أمم العالم ، إنما يتوقف على مبلغ ما يدركون من أسرار دينهم وسيرة رسولهم ، ومبلغ ما يحافظون عليه من عناصر الحياة التى سنها لهم ( محمد ) فى كفاحه وجهاده .
لقد كان ( محمد ) نموذجا فى البطولة وصدق العزيمة
والصبر والوفاء والتسامح وقوة الإيمان . وقد وضع بهجرته فى سبيل الله ركنا من أركان الحياة الإسلامية الصحيحة التى فهمها السلف ، فآمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم . وقد كان المسلمون الصادقون - ولا يزالون - يعتبرون الهجرة فى سبيل الحق جزءا من دينهم ، يقرنونه بالتوفيق وبالعمل الصالح ؛ فكان منهم النازحون عن الأوطان إلى ثغور الإسلام النائية يقومون على حراستها ، وكان منهم المغتربون عن الأهل والولد فى طلب العلم ، وتحقيق روايته ، وكان منهم الفارون بدينهم من الفتن ، وكان منهم الزعماء المهاجرون من أوطانهم للجهاد فى سبيل حريتها واستقلالها ، وإصلاح دينها ، وكان منهم النابذون للدنيا ومطامعها والهاجرون لشهوات النفوس ورغائبها ولكل ما نهى الله عنه من إثم ومعصية ، وكان منهم المنخلعون عن أموالهم طلبا لمرضاة الله ، ينفقون مما آتاهم الله من فضله على الفقير والمسكين وابن السبيل ، وفى سبيل العمران القومى من صحة وتعليم وغيرهما ، والمساهمة فى تخفيف ضائقة المنكوبين والمشردين وذوى الحاجات .
إن الهجرة كما سنها الرسول وفهمها السلف الصالح من المسلمين ليست مجرد اغتراب عن الوطن ، وإنما هى أخذ النفس بحرمانها مما هو عزيز عليها من أعراض الحياة وأوضاعها ، بل من الحياة نفسها ، فى سبيل مثل أعلى ، وحياة أعز وأرفع وأخلق بالمسلمين - وهم يعدون عدتهم للجهاد فى سبيل أوطانهم وحريتهم وعقيدتهم ضد الغاصبين وضد المهاجرين من شذاذ الأمم ومجرميها - أن يقفوا فى مستهل عامهم الهجرى الجديد وقفة يستوحون فيها العظمة والإيمان والفداء من سيرة رسولهم أكرم من جاهد وهاجر وأصدق من صبر وصابر . وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم .
( الاسكندرية )

