هذا النجم الطالع الذي يطل على الأرض فوق بساط الحقول الخضراء ، اتراه يأبه لهذه المروج التي يحجب الظلام خضرتها اليانعة ؟ وهذا القمر الذي لم يكمل دورته الشهرية ولم يتجهز بعد لأن يغمر السكون بشعاعه الأزرق الرقيق . تري كيف ينظر إلي هذه الأرض وما عليها من حيوان ونبات ؟ وكيف يحكم على ما يجري فوقها من افعال الإنسان ؟ أم أن هذه الأرض اليانعة تقف في الفضاء صامتة لا يعيرها الكون لفتة ، ولا يسمع من صوتها نأمة ؟
لقد قيل إن الأبد لا يعرف اللحظة المؤقتة ، وإن الفضاء الذي لا تحده نهاية يأبي ان يأبه للحيز المحدود . وقيل إن الزمن ظاهرة عارضة في ذهن الإنسان القاصر .
وإن المكان ما هو إلي ظاهرة من ظواهر الإدراك النسبى ، وإن كل ذلك يتسرب من الإدراك الأبدي كما تتسرب الرمال من بين اصابع اليد . ولكن هناك شيئا يبقى وإن زالت العوالم ، ويدوم بعد فناء كل شئ آخر ، وذلك هو الروح الخالد المستمر ، روح الله
هذه خاطرة خطرت على القلب عند ذكري سعد العظيم ، بعد ان مرت على وفاته هذه السنون الخمس عشرة ، ونحن نتأمله اليوم من وراء هذه المدة ، فنعجب للصورة الباقية منه ، كيف أصبحت اليوم وقد زادتها تلك السنون روعة ، وكيف لم يذهب تباعد الأيام بما كان يحيط بها من رواه ، بل زادها رواه وبهاء وجلالا !
مضي اليوم خمسة عشر عاما منذ لحق سعد بالرفيق الأعلى ؛ وكأنما كان سعد لا يزال إلي الأمس القريب يملأ الأرض عظمة وقوة . فإن اسمه لا يزال ملء القلوب والإسماع ، وذكراه لا تزال رطبة على الألسن والأقلام ، يذكره المصريون جميعا ليرددوا من اقواله عبرة أو ليستعيدوا من سيرته حكمة .
لقد مضت تلك السنون الخمس عشرة بكل ما كان يحيط به من لحن الحياة ، ومن صغائر احقادها ومنافساتها ، وبقي سعد بعدها ، وبقيت قصة سعد وجهاده ، وصورة سعد في مواقفه ، وفي خطاباته ، وفي سياسته وآرائه ، وفي نضاله وقوة شخصيته ، وفي سعة أفقه وقلبه الإنساني ، وفي عزمته الفولاذية وشجاعته التي لا تتزلزل ، بقي ذلك كله مائلا في سيرة تبقى على الأجيال مع سير سائر العظماء الذين يخلفهم الدهر بين قرن وقرن أو في مطالع آلاف السنين
ونستطيع نحن اليوم ، على بعد هذه السنوات القليلة ، أن نلقي نظرة علي الأحداث الجليلة التي مرت بمصرنا العزيزة ، وان نلقى نظرة علي لدانه الذين عاشروه فترة من الزمان ، وتخلفوا بعده حينا ، أو لحقوا به بعد قليل ، وان نري الميدان عن بعد كما يراه الطائر المحلق في اعلي الفضاء فاذا بنا نري صور الذين مضوا - سعد واترابه وخصومه وأصدقائه - وقد صاروا جميعا مواطنين في عالم الروح الذي لا تحيا فيه الأحقاد الصغيرة ، ولا المنافسات العارضة . ولا النزعات الشخصية العابرة ، فيرتد الفكر حافلا بالعير ، والقلب مليئا بالشجون .
هذا سعد وهؤلاء خصومه الذين كان النضال بينهم على اعنف ما يكون النضال في الحياة ، قد مضوا إلى رحمة الله جميعا بعد أن امتلأت بهم الحياة حينا ، وعظمت بينهم الخصومة في سنوات متعاقبة حافلة بالحركة والحياة ، ثم طواهم الموت ، فمضى سعد ومضي خصومه وقد علت
وجوههم بسمة الموت الوديعة ، وبقي المصريون من بعدهم ينظرون في تراثهم ، ويتأملون في قصة نضالهم ، ثم انطلقت صيحتهم تملأ الآفاق ليس فيها شذوذ ، وليس فيها خلاف : " لقد كان سعد لسان مصر ، وقائد مصر ، وزعيم مصر "
كان سعد في حياته يكافح ليجعل لمصر كلمة واحدة ، وليجعل لمصر كتلة قوية يستطيع ان يجاهد بها لتحقيق آمال مصر الكبرى ؛ ولكن الأراء تختلف ، والوسائل تتعدد ، والقلوب الانسانية ما زالت منذ الأزل تدرك الأمور بأحاسيسها الشخصية ، وما زالت الأبصار الإنسانية تفهم ما تراه بما تترجمه لها نظراتها الفردية . ولا مناص من أن
يكون بين الناس خلاف فيما يدركون ، ولا مفر من أن يكون بيهم تفاوت فيما يفكرون ؛ ولن يستطيع زعيم في عصر ان يجد قومه جميعا في صف وراءه ، بل لا بد له من ان يجد من ينظرون بغير عينه ، ومن يدركون بغير قلبه ، ولكن الزمان يزيل بمضي السنين تلك الفوارق الفردية ، وتلك العوامل الشخصية ، ويبقى المعنى المجرد بعد حين سليما من الغشاوات ، بريئا من المؤثرات .
فمصر اليوم تحس أعمق الإحساس كيف كان سعد أدق الجميع حسا ، وأقواهم نفسا ، وأبعدهم نظرا ، وأغلبهم شخصية ، وأسلمهم رأيا .
واليوم تجتمع الأحزاب كلها لتكرم ذكراه ، ويتوافد الأفراد خاشعين إلي جدته لمباركة مثواه ، والجميع يحلونه محله الخالد في إمامة الزعماء الراحلين .
لم يكن سعد يحيا لزمانه وحده ، بل كان يحيا لزمانه ، وللزمان الذي يليه ، وللأحقاب المتوالية لمئات السنين وكان هو يحس ذلك من نفسه ، فما كان يستشعر اليأس إذا ضاقت حلقات الكرب ، بل كان دائما واسع الآمال مضيء النفس بالبشر ، لعلمه ان المبدأ السليم لا بد له ان يبقى ، ولا بد له ان يخرج من كل نضال أقوي مما كان قبل النضال . وكان إذا رأي من أبناء جيله ، أو من لدانه من رجال
السياسة انحرافا عن مقصده النبيل ، أو لمح في ظاهرهم آيات تدل على ما يختلج في نفوسهم من منافسة أو حقبظة ، اتجه إلي شباب الأمة ليلمس في قلوبهم الفتية مواطن العواطف السامية ، فيثيرها ويوجهها ، ويملؤها من قوة نفسه لكى يتخذ منهم عدة لمواصلة جهاده ورفع راية مبادئه الوطنية الخالصة . ذلك لأنه كان شديد الإيمان بمصر ، وبأهل مصر ، ولأنه كان يعلم أن ما يعتري رجال السياسية من انحراف
في الأهواء إنما يرجع إلي عوامل عارضة وأن الشباب البريء لم تصبه بعد تلك العوامل العارضة ، فهو شباب مصرى ما يزال محضاً على طبيعته المصرية السليمة . وقد أثمر هذا الرأي ثمرته ، وأصبح سعد بعد موته حياً في مصر ، في قلوب اشربت حبه وامتلأت بالعقيدة التى انبعثت منه .
وكان اتجاه سعد إلي الشباب يدل على انه كان يخترق
بصيرته حجب الغيب ، ويرمى إلي ان يقود بزعامته اجيال المستقبل الذي تحقق فيه كل اماله وتعلو كل مبادئه .
وإنا نقف هنا ، في هذا اليوم ، بعد مضي هذه المدة على وفاة سعد ، فنعرف اننا لا نزال نتجه حيث كان يتجه بنا ، ولا نزال نسمع نداءه ، فيحدث في قلوبنا نفس الصدي الذي كان يحدثه وهو بين ظهرانينا بل إننا نتطلع إلي المستقبل ونتصور ما يأتي به الزمان لمصر من جهاد في سبيل
المجد ، فنحس أننا لا نزال نتلفت إلي سعد ، ونستمع إلي نداء سعد ، ونحتاج إلي المبادئ الوطنية التي جاهد سعد في سبيل بنائها والمحافظة عليها ، وتوجيهها إلي حيث تلوح الربوة الخضراء التي يرتفع فوقها العلم الأخضر يخفق وعليه الهلال والنجوم الثلاث

