الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 130الرجوع إلى "الثقافة"

من مآسى الحياة :، اليتيمة

Share

رآها تسير بقوامها الممشوق ووجهها الصبوح ، فجذبه حسنها ، وتعقبها من مسلك إلى مسلك ، حتى رآها وقد عرجت على متجر فابتاعت ما أرادت ، وقفلت راجعة لا تلوى على شىء ، حتى دخلت باب دار يبدو على ساكنها اليسار .

فدفعته إحساسات خفية إلى استطلاع أمرها ، فتقدم إلى البواب محييا ، ونفحه ببعض المال لقاء ما وقف عليه من معلومات عن الفتاة التى عرف ضمن ما عرف عنها أنها ابنة أحد السكان ، وأنها فتاة نقية السمعة ، جمة الأدب ، موفورة الاحترام ، فهام بحسنها ، وأكثر من المرور أمام تلك الدار ، عله يظفر برؤيتها مطلة من نافذة ، أو خارجة من دارها ، ولكنه لم يفز بطائل .

وطالت محاولاته حتى يئس من رؤيتها ، فانقلب حبه إلى رغبة أكيدة فى الزواج منها ، وهو الذى كان ألد أعداء الزواج الراغبين عنه .

وبعث من أقاربه رسلا مهدوا طريق التعارف ، ثم اتصل برب العائلة ووفق إلى أن يكون خاطبا ، وقدم فى جلسة خاصة عربون الخطبة ، ولكن فى هذه الجلسة من رؤية فتاته فى ثياب منزلية أخرى تملأ العين بما أفاض الله عليها من جمال وقسامة واحتشام .

شغل صاحبنا بفتاته ، وتشعبت فى نفسه مسالك التفكير فيها ، فأراد أن يكون على صلة بها ، متخذا من الخطبة مؤيدا لرغبته ووسيلة لطلبته . فذهب فى أمسية اليوم التالى إلى دار الفتاة وطرق باب مسكنها ؛ فاستقبله خادم المسكن ليرى ما يرد . لكنه أراد الاندفاع داخله

قبل أن يجيب على تساؤل الخادم ، فمنعه هذا وثبت وراء الباب ، ثم حصلت مناقشة مسموعة ، انزعج لها أهل الفتاة ، فخرج رب الدار ليرى ما هنالك ، وكانت نظرة كلها دهشة واستغراب !

استجمع رب الدار شعوره واقتاد الشاب إلى حيث يجلس الزائرون ، فوجده زائع البصر إلى ناحية داخل المسكن كأنه يترقب دخول أحد إليه على غير طائل . ولما استدرجه صاحب السكن عرف أنه حضر ليستصحب خطيبته إلى إحدى دور السينما ليقطع بعض الليل فى صحبتها !

وازدادت دهشة رب الدار ، وكادت تعلو وجهه علائم الانزعاج ؛ لكنه كتم ما بنفسه مرة أخرى ، وامتلك زمام شعوره ، ورآها فرصة سائحة لإيقاف الشاب على أمور لم يكن يعرفها ، أو هو يعرفها ولكنه يستهين بها قائلا :

- إننا كمصريين مسلمين نشأنا على أساليب تقابر مانشأ عليه الكثيرون . ولقد قضيت من العمر ما ترى وسمعت من كثير ممن جالستهم ، كما عرفت من اطلاعى ، أن كل اختلاط قبل عقد الزواج كثيرا ما يؤدى إلى خسائر أدبية ومادية ، وأظنك يا بنى توافقني على ما ذكرت .

ثم هناك شئ آخر أحب أن اذكره لك صراحة . ذلك أن الخطبة و(( الشبكة )) لا تبيح رؤية الآنسات أو السيدات حتى يتم الارتباط . وإذا كان الناس قد اتخذوها وسيلة للاختلاط والتزاور ، فان نشأتى وإيمانى وحرصى ، كل أولئك يدفعنى إلى عدم مجاراتهم ، لأننى أشد تمسكا بالتقاليد ما دام فيها حفظ الكرامة والشرف .

فالى أن يتم العقد ، أرجو أن تكون زياراتك باتفاق سابق من جهة ، ومن جهة أخرى تكون غير طامع فى رؤية أحد غيرى ، ثم لا أكتمك أننى أنام مبكرا لأصحو مبكرا .

فمأ رأيك فى قولى ؟ . أصغى الشاب باهتمام إلى قول رب البيت وأجاب أخيرا عن تساؤله بالموافقة على ما أدلى به ، ثم استأذن وانصرف .

مضت شهور ثلاثة ، تمت أثناءها مقدمات الزواج ، وفى الليلة التى حددت للعقد أقم آل العروس وليمة دعوا إليها محبيهم وأقاربهم ، كما دعا إليها الزوج أصدقاء وزملاءه . واحتوى هذا الجمع سرادق فسيح ، علقت فى أجوائه الثريات ، وبسطت أرضه بالبسط ، وصففت فيه المقاعد الذهبة الوثيرة ، وصدحت الموسيقى بالألحان .

وكان آلى العروسين يغدون ويروحون بين جموع الحاضرين محيين مرحبين ، تبين عليهم دلائل الاغتباط والسرور والأمل الحلو بالمستقبل المنشود .

وفيها كان الشاب يجالس أحد الحاضرين أشار إليه بعضهم ، ووضع فى يده ورقة . فلما قرأها تجهم وجهه ، وارتعشت يداه ، حتى خيل لمن كانوا ينظرون إليه أنه قد فوجئ بمصاب ، أو نزلت به كارثة .

وقد دفع هذا المشهد الشاذ إلى التهامس والتخمين ، حتى نبه بعضهم أخاه إلى هذه الحالة ، فذهب إليه متسائلا : ما أصابه ؟ ولكن الشاب لم يجب ، بل ألقى إلى أخيه تلك الورقة ، فكان شأنه شأن أخيه ، فزاد تهامس الناس ، وكثرت ظنونهم ، واندفع إلى الأخوين بعض الأقربين لهم يتساءلون عن هذا النبأ العظيم !

تنوقل هذا الخبر ، وانتحى الشاب ناحية مع أقربائه وأصدقاته ، واتخذوا فى السرادق مكانا قصيا يتحدثون ويتناقشون . فتساءل رب الفتاة : ما الخبر ؟ . فاندفع إليه الشاب فى شبه ثورة ودفع إليه ذلك الخطاب ، وعيناه يكاد الدم يتفجر منهما قائلا : اقرأ . فأخرج الرجل منظاره من جيبه وألقى نظرة عاجلة على الورقة المذكورة ،

ووقف على سر ذلك الانزعاج ، ولكنه بدلا من أن يسايرهم فى انزعاجهم ألقى على مجموعهم نظرة ساخرة وقال :        - أهذا كل ما فى الأمر ؟        فأجاب الشاب :        - وأى شئ يفوق هذا ؟ .        فقال الرجل بهدوء :        - ليس هذا شيئا يا بنى ، ومع ذلك فاتبعنى أنت ومن يهمهم أمرك إلى حجرة أخرى       فلما استقر بهم المكان قال رب البيت للشاب :         - أتعلق أهمية كبيرة على نتيجة هذا الخطاب إن كانت حقا ؟          أجاب الشاب : كل الأهمية ، بل كل مركز الفتاة فى عينى .

قال رب الدار : إذا فاسمعوا . كنت أظن أن هذا الفتى يريد الفتاة لما هى عليه لا لما عليه أبوها أو أمها . وأنه كان يريد زوجة تقوم على إسعاد نفسه ، ويرى فيها مؤنسا ومشاركا ، وأنه يكون رجلا يحمي ذمارها ويعمل على توفير سعادوتها ، وأن يكون غير طامع فى الزوجة أو أقاربها ما قد يكون لهم من جاه أو مال أو ما قد يكون فى يدها هى منه . نعم ذلك ما كنت أفهمه حتى هذا المساء .

غير أن هذا الحادث الذى تسامع به الناس وأفرطوا فى تفصيله ، ونمقوا فى نقله ، وضخموا فى شأنه ، غير من تقديرى ، وخيب ظنى .

وقبل أن أسمعكم كلمتى أحب أن أخبركم بشئ له أهميته . بل هو الحقيقة فى الموضوع .

ذلك أن فتاتنا كان أبوها عليه رحمة الله هو فلان . . .  ووالده هو فلان . . . وهم على ما يعرف عنهم من أعيان بلدهم وأشراف قومهم ، وبعد أن مات والدها اقترنت

بوالدتها الفاضلة ، وكانت فتاتنا هذه طفلة صغيرة ، فنشأت فى بيتى لا تعرف لها أبا غيرى ، وكنت قبل ذلك لم أعقب ولا أزال ، فخمدت الله على أن جعل لنا هذه الفتاة مكان ما قد يكون لنا من أولاد . فنشأنها تنشئة أحمد الله عليها ، وكافأتنى ببرها وعطفها ، وهى عندى كل ما أعتز به بعد والدتها .

ولقد رأيت حينما أشرفت على الزواج أن أرضى ضميرى ، فكتبت باسمها ما أملك وسجلت ذلك رسميا مكافأة لها على برها بى وحبها لى ، وكان أسعد يوم عندى هو أول هذا المساء ، لأننى كنت أتخيلها ربة دار وزوجة رجل وأم أولاد ، فكانت تسعدنى هذه الخيالات .

أما الآن ، والآن فقط ، فقد تهدم بعض أملى ، وإن كنت سررت بما تكشف لى من هذا الشاب .

وفجأة تقلص وجه الرجل ، وانقبضت أساريره ، واغرورقت عيناه بالدموع ، وانتصب فى جلسته وقال بصوت حاد :

- ما الذى ينقص من قدر الفتاة إذا كانت حسناء عفيفة كاملة مؤدبة ، تعرف شئون بيتها وتحافظ على كرامتها وكرامة أهلها ؟

وهل قضت مدنية هذا الزمن على اليتيمات أن يحرمن من الزواج ؟

وهل إذا عدمت الفتاة الأب أو الجاه قضى عليها مهما كانت مؤدبة عفيفة ؟

إن هذا منطق غريب ، وفهم معكوس للواقع ؛ والحقيقة هى أن هذا الشاب غره مظهرى وسمع عنى أشياء أطمعته فى ، وكان يعرف أنى والدها الوحيد كما هى وارثتى الوحيدة . فلما تسرب إليه خبر وفاة والدها من حاقد أو عدو ، هاله ذهاب ما أنا فيه منه ، واعتقد خطأ أنه أصيب

بنكبة . هذه هى الحقيقة ، وهذا هو موضوع السر فيما ذهب إليه .

والآن ها هو كل ما دفعته ، ولم يبق لك عندى ما تطالب به ، ولم يعد بينى وبينك علاقة .

عند ذلك حاول بعض أقارب الشاب تهدئة الرجل أو تحويله عن عزمه ، ولكنه صمم فى حزم وأبى فى شدة ، فخرجوا جميعا يتعثرون فى سيرهم مطأطئى الرءوس .

وظلت الموسيقى تصدح دون أن يحس إنسان أن هناك صرحا قد تهدم ، وزوجية قد انهارت . .

اشترك في نشرتنا البريدية