لست أبدأ تلك الأحاديث برثاء بركليس لجنود الوطن لمحض المصادفة او لمجرد الرغبة في متابعة خطى الزمن ، بل لاحساس عميق بما امتاز به اليونان من نفاذ النظر وصدق النغمة في المعاني الانسانية التي تحدثوا عنها . وهل أجمل من حديث قوم يسمون الوطن في لغتهم أرض الآباء Patris ,ومن معتقداتهم ان المواطنين الذين لا يدفنون
بأرضهم تظل أرواحهم حائرة هائمة تنزل الويل بكل من تلقى وبكل ما تلقي ؟ وقد كانت اولي عباداتهم عبادة الموتى الذين جنت عليهم أرض الآباء . وهل بلغ شعب من شعوب الأرض ما بلغوا من حب للحرية حبا لا نستطيع اليوم ان ندرك كيف انتهي بهم إلي هذا الظلم البين الذي
ينم عنه نظامهم العجيب نظام " المجاز " ) ١ (Ostracisme يحاكمون بمقتضاه من احسن إلي الوطن إحسانا يخشون معه ان يستغل محبة الشعب له فيستبد بالحكم ، وعقوبة المحسن النفى ,النفى عن الوطن الذي تفاني في خدمته ولكنها الحرية عشقتها قلوبهم فلم تحرص على سواها .
رثاء بركليس الذي انقله اليوم عن اليونانية ناطق بكل تلك القيم الانسانية النبيلة التى كان اليونان يحرصون عليها الحرص كله . أورده المؤرخ الفذ العميق توكيديدوس Thucydides في الكتاب الثاني من مؤلفه القيم عن حرب اليليونيزا التي اشتعلت نارها بين اسبرطة وأثينا من سنة 4٣١ إلى سنة ٤٠٤ قبل الميلاد . قالها بركليس تأبينا
لموني السنة الأولى من تلك الحرب القاسية ، أو علي الأصح رواها نوكيديدوس عن لسان بركليس ، والأمر يعد سيان ، فسواء أ كانت صادرة بلفظها عن هذا القائد العظيم أم فقط بمدلولها ، فالذي لا شك فيه انها من اروع ما وصل إلينا عن اليونان في سمو الفكرة ونبل المرامي .
قال توكيديدوس : " في نفس الشتاء احتفل الآثينيون على نفقة الدولة جريًا على عادتهم بتشييع موتى السنة الاولي للحرب . واحتفالهم عبارة عن عرض لأشلاء الموتى تحت فسطاط بضرب قبل التشييع بثلاثة ايام ، يأتي خلالها المواطنون فيقدم كل منهم قربانا لمن فقد ، حتى إذا حان موعد الدفن جاءت العربات حاملة توابيت من خشب السرو لكل قبيلة تابوت تضع فيه أشلاء موناها ، وأما
من اختفي من جند فلم يعثر له على أثر فيحمل سرير خال مغطي بالقماش من جميع جوانبه تمجيداً لذكراهم . ثم يسير الموكب يتبعه من يريد من مواطنين أو اجانب ، وتذهب النساء إلى جوار المقابر يندبن موتاهن ، ثم توضع
التوابيت إلي ساق تمثال المدينة القائم بأجمل أحيائها ، حيث جرت العادة بدفن من يموت دفاعا عن الوطن - اللهم إلا أن تستثني جند معركة مرتون ، فهؤلاء قد حملت بسالتهم النادرة مواطنيهم على ان يدفنوهم في مكان قتالهم المجيد الذي استشهدوا فيه - ثم تدفن الاشلاء ، ويقوم أحد القادة فيرثي الموتى بالنيابة عن الشعب كله ، وبعد ذلك ينصرف الجميع " .
في ذلك اليوم وقع الاختيار على بركليس فنهض إلي المنصة ثم قال :
" لقد جرت العادة أن يمتدح الخطباء من قرر أن نضيف إلى تشييع موتى الوطن رثاء لهم كقربان نضعه فوق قبورهم . وأما أنا فكنت أفضل الا تمجد الأفعال إلا بالأفعال ، وأن نري في تشييع الدولة لهؤلاء الأبطال أوفى تمجيد افعالهم ؛ وذلك لأني اخشى ان تعجز مواهب فرد مهما جلت عن تمجيد ذكري هذا العدد الجم من الأبطال . وإنه لم أشق الأمور أن نوفق في أمر تتفاوت في تقديره النفوس ؛ فقد يجد السامع الخبير من محبينا في
اللفظ قصورا عما يعلم ويرغب ، بينما يدعي السامع الجاهل أن هناك إسرافا في كل ما يتجاوز طوقه الخاص ، والمرء لا يستسيغ من مدح للغير إلا قدر ما يعتقد أنه قادر على مثله ، فإذا تخطى المادح هذا المدى ولد الحسد الانكار ولكنه لا معدل لي اليوم - مادام هذا من تقاليد آبائنا عن النزول على حكم القانون لأشبع رغباتكم ولأرضي أمل كل منكم .
وإني لبادئ الحديث عن أجدادنا ، ولذكراهم من نفوسنا أسمى مكان ، وهم الذين أورثونا هذه الديار الحرة التى لم ينزل بها قط غير بنيها ، ولآبائنا فضل يعلو هذا الفضل ؛ فقد أضافوا إلي ما ورثوا عن أجدادهم تلك القوة التي نملكها اليوم ، والتي أورثونا إياها بفضل جهودهم
المستمرة . وجاء دورنا وقد اكتملت رجولتنا فبسطنا من سلطان هذا الوطن وأتممنا من عدته للسلم والحرب واليوم لا أريد أن أطيل القول عما خضنا من معارك , وما أحرزنا من نصر ، وما أظهرنا من شجاعة نحن وآباؤنا عندما دفعنا عن الوطن اعتداء البرابرة أو الأغريق ، وذلك لكى أتمهل في الحديث عن النظم التي ضمنت لنا تلك القوة وعن مبادئ أخلاقنا الخاصة والعامة ، التي جعلت من مدينتنا ما نري ، وذلك قبل ان انتقل إلى تمجيد موتانا ، لعلمي أن مثل هذا الحديث سيأتي في موضعه ، وقد أنصقت لسماعه آذان الجميع أغريقا كانوا أم أجانب .
دستورنا لا يثبت له في المقارنة دستور ، الكل ينقل عنا ، بينما نحن لا ننقل عن احد . لقد اسميناه ديمقراطية لأنه يضمن الخير لأكبر عدد لا لأقله . نحن جميعا سواسية أمام القانون ، لا يتميز أحد منا بمجد إلا لمواهبه . فالمواهب الشخصية لا الفوارق الاجتماعية هي التي تفتح عندنا أبواب المجد ، وما للفقر أو تواضع الأصل أن ينحي مواطنا عن خدمة وطنه .
نحن أحرار في حياتنا العامة ، ولهذا لا نتطلع في حبث إلي أمور مواطنينا في حياتهم الخاصة لا نلومهم إذا التمسوا المسرات ، ولا ننظر إليهم تلك النظرات التي تجرح إن لم تقتل ، وبالرغم من هذا التسامح العام نعرف كيف نحترم كل ما له مساس بمقومات حياتنا العامة ، فنخضع لذوي الأمر فينا ونقدس حرمة القوانين ، وبخاصة ما وضع منها لحماية الضعيف ، بل وحرمة ما لم يدون من تلك المبادئ التي يجد من يخرج عليها في استنكارنا العام لعمله أقوي عقاب له .
لقد أعددنا للترفيه عن النفوس أصنافا من الملاهي : من العاب إلي حفلات عامة أو خاصة بمنازلنا ، حيث يسود ذلك الذوق السليم الذي يذهب بأحزان حياتنا اليومية
وقد أخذت عظمة بلادنا تجذب من كل حدب كنوز البشر نضيفها إلي كنوز بلادنا .
وأما عن إعدادنا للحرب ففي هذا أيضا نفوق منافسينا ، مدينتنا مفتوحة لكل طارق ، فلا نقصى اجنبيا عن دراسة أو عن حضور حفل يمكن للعدو ان يستفيد منه ؛ وذلك لأنه عند ما تدق ساعة الخطر لا ترانا نعتمد على ما اتخذنا من عدة او ماحكنا من خديعة ، بل نركن إلي شجاعتنا الفطرية . لغيرنا أن يلتمس الشجاعة التي تعوز فطرته في أخذ ابنائه بعنف التدريب منذ الرضاعة . فتلك شجاعة يتعلمونها ؛ وأما نحن فنجابه الأخطار دون حاجة
إلي أن نعد أنفسنا لها بالجهد العنيف المتصل . وأكبر دليل على ذلك هو أن أهل أسبرطه لا يسيرون إلينا إلا وقد جمعوا حلفاءهم من خلفهم ، وأما نحن فنسير إليهم بمفردنا ونغزوهم في عقر دارهم التي يدافعون عنها . ثم إنه وإن لم يسبق لشعب أن نازل قوانا مجتمعة لما نحن مضطرون إليه دائماً من تزويد أسطولنا بالرجال ، وتسيير
جندنا إلى مواقع عدة منتشرة على سطح الارض ، فإنه لا يلقي عدو لنا رجالا حتى يفخر بقتله لهم جميعا إن انتصر وبمقاتلته لقوانا مجتمعة - فيما يظن - إن انهزم .
على أنه لو صح أننا نربي أنفسنا علي الشجاعة بحياة سهلة ميسورة بدلا من حياة جافة قاسية ، واننا نفعل ذلك مسوقين بدوافع من خلقنا لا مجبرين بقوة القانون ، لكان لنا على الأقل فضل عدم إتلاف حياتنا الحاضرة بخوفنا من أخطار قد يأتي بها المستقبل ، ومع هذا ما جد خطر إلا وجدنا لا نقل شجاعة عمن يأخذون حياتهم بالجهد المتصل
ومجدنا بعد يعدو كل ذلك .
فنحن نحذق الجمع بين الإناقة والبساطة ، بين ثقافة النفس ونشاط الإرادة نحن نستخدم ثروتنا لا للمباهاة
الباطلة ، بل كأداة للعمل . ليس من العار عندنا أن يعترف أحدنا بفقره ، وإنما العار ألا يحاول الافلات من هذا الفقر . ولكم تري من رجالنا من يخدم مصالحه الخاصة والمصالح العامة معا ، وكم منهم من يجيد فهم المسائل السياسية رغم عدم احترافه لها ، وذلك لاننا لا نعتبر من يتجنب السياسة رجلا حريصا على راحته بل كائنا لا فائدة فيه . نحن نعرف كيف نفهم مصالح الدولة ونكشف
عنها بأنفسنا ، وعندنا أن القول لا يضر بالعمل ؛ بل الضرر هو ألا نستنير بالمناقشة . وقبل البدء في أي عمل ترانا نجمع بمهارة بين هدوء الروية وجسارة الاقدام . وأما الغير فاقدامه حماقة وتفكيره شل لإرادته وإنه لمن العدل أن نخص بالغار من يقدم على أخطار الحرب رغم علمه التام بما في السلم من لذات . وأما عن عمل الخير ففي هذا أيضا نتميز عن بقية الشعوب . نحن لا نكسب الأصدقاء
بقبول الخير منهم بل بمنحه إياهم ، لأننا نعلم أن صداقة المانح أثبت ، وذلك لحرصه على أن يحتفظ بجميل ما منح ؟ وأما الممنوح إياه فحرصه أقل ، لأنه يعلم أن ما يقدم من خير المانح إنما هو قضاء لدين لا فضل له فيه ، ونحن نمنح عن كرم خالص غير مفسدين منحة بمن أو أذي .
وبالجملة أستطيع أن أؤكد أن آثينا هي مدرسة اليونان جميعا . ولو انكم نظرتم إلى رجالنا لوجدتموهم من المرونة بحيث يتقبل الواحد منهم راضيا ما يصير إليه من مركز ، ولكي تستوثقوا من أن ما أقول ليس شقشقة باطلة بل العبارة الصادقة عن الحقيقة الراهنة ، أسائلكم أن تتدبروا القوي المختلفة التي يمنحها ما ذكرت من
صفات . فآثينا من بين شعوب الأرض بصدق خيرها خبرها ما جد جد . تستطيع آثينا دون غيرها ان تحارب العدو دون ان تثور إن نزلت بها هزيمة ، كما تستطيع ان تحكم الغير دون أن ينكر عليها ذلك الغير حق السيادة .
والفعال تدل على مجد هذا الوطن بما يكسبنا إعجاب معاصرينا ، وسوف يكسبنا إعجاب من يليهم من أجيال دون حاجة إلي شاعر كهوميروس يشيد بمجدنا او إلي شعر تطرب له الآذان حينا ، ثم تأتي الحقائق فتكذب نغماته
لقد أرغمنا الأرض واليم على أن يكونا في متناولنا ، وفي كل مكان خلفنا نصبا خالدة لما لا فينا من نصر اوهزيمة ؛ ومن أجل هذا الوطن استشهد هؤلاء الأبطال مفضلين الموت على إسلامه للعدو ، وعلى سلامة هذا الوطن يجب على الأحياء أن يوقفوا حياتهم .
تمهلت في الاشادة بمزايا هذا الوطن لأدلكم على أن الأمر ليس سواء بيننا وبين من لا يملكون ما تملك من مزايا . والآن استطيع ان أبني علي هذه الحقائق رثاء هؤلاء الأبطال دون أن يتسرب شك إلى صحة ما أقول ، حتي لأحسب ان مهمتي قد انتهت ، وكل ما ذكرت من فضل لهذا الوطن إنما هو دين لهؤلاء الأبطال
ولأمثالهم ، وأنا لا اعلم من بين الأغريق من يستحق عن جدارة ما يستحقون من ثناء ؛ وليس اظهر لفضل الرجل من الاستشهاد في سبيل وطنه . لقد يجازف نفر بحياتهم في سبيل الوطن ليكفروا عن خلق معوج ؛ وأما هؤلاء فما تواني منهم أحد رغبة في الاستمتاع بلذات الحياة ، ولا حاول إرجاء لساعة الخطر فرارا من فقر أو التماسا لرزق , وإنما كان همهم عقاب عدو ظالم والثأر لأنفسهم منه ،
ورأوا في ذلك أسمي المجد فصدقوا عما عداه ساروا تاركين للأمل في المستقبل احتمال النصر أو الهزيمة ، حاصرين جهدهم فيما يعمر نفوسهم من ثقة بالحاضر . ففضلوا القتال والموت على الحياة مع الاستسلام ، فدفعوا العار عن ذكراهم وجابهوا أخطار الحرب ، فغادروا الحياة صدفة وهم وسط المجد لا الخوف
بهذا أظهر هؤلاء الأبطال أنهم أبناء بررة بوطنهم . وأما أنتم أيها الأحياء فعليكم أن تلقوا العدو بمثل جسارتهم ، آملين أن تطول بكم الحياة ، ولا يقف منكم تفكير عند الاشادة بما في الدفاع عن الوطن وعقاب من يعتدي عليه من مجد ، فهذا إحساس طبيعي لا داعي للإفاضة فيه ، بل انظروا إلي عظمة هذا الوطن وأبشروا بها
نفوسكم ، لتغذوا بذلك حماستكم ، حتى إذا استقرت عظمته من نفوسكم أدركتم بأي ثمن اكسبه هؤلاء الأبطال هذه العظمة ، فتحليتم بما تحلوا به من جلد وإقدام وفداء لم يصادف النصر دائما هؤلاء الأبطال ، ولكن الهزائم لم تصرفهم عن وقف حياتهم على مجد آثينا حتى أسلموا تلك الحياة ثمناً لذلك المجد .
ماتوا في سبيل الوطن فاكتسبوا مجدا خالدا يقوم هيكله لا في القبور حيث تستقر بهم المضاجع ، بل في ذكري بطولتهم . والأرض كلها مقبرة لعظماء الرجال . وسوف يخلد ذكرهم لا علي النصب فحسب ، بل في كل بقاع الأرض ، حيث ستحفظ لهم الذكري مجدا لا يبيد ، وإن لم يتجسم .
خذوا منهم مثلا ، واذكروا أن المجد في الحرية وأن الحرية في الشجاعة ، ثم سيروا إلي ملاقاة كل خطر مهما جل ، ذاكرين انه ليس للبائسين من مستقبل خير من حاضرهم ، ان يضحوا بحياتهم ، وهذا أوجب على من ينعمون بخير يمكن ان يجردوا منه ! وإنه لآلم للمرء الكريم أن يمتهن لضعفه بعد عزة من أن يموت ، وما يكاد يحس أبطال الوطن ونفوسهم عامرة يآ ماله للموت ألما .
لهذا لا أريد أن أمنح دموعا ، بل تشجيعا لمن يستمع إلي من آباء ، وهم يعلمون بنشأتهم ان الحياة قلب وان السعادة قد كتبت لمن يلق موتا مجيدا كما لقي أبناؤكم ، أو حزنا نبيلا كالحزن الذي أصابكم اليوم ، وأي خير
يعدل انتهاء الحياة في أوج المجد ؟
لست أجهل أنه من الشاق أن أقنعكم بما أقول , وأمامكم فرح الغير بسلامة أبنائهم يذكركم بما كنتم فيه من فرح بهم ، وأنا أعلم أننا لا نألم للحرمان من شئ لم نأمله بقدر ما نألم لفقد ما اعتدنا المتعة به. ولهذا أدعوكم إلي الشجاعة والتزود بالأمل في ان يكون - لمن يستطيع منكم - خلف جديد بدلا ممن فقد ، وبهذا يحل ابناء محل
أبناء ، فيعوض الوطن من خسائره ويزيد من سلامته ؛ وذلك لأن المرء لا يصدر في مناقشاته العامة عن نفس الروح الوطنية واعتدال الرأي عندما يكون له ولد عرضة للخطر أو لا يكون . وأما من لم تعد السن تسمح له بخلف جديد فعليه ان يذكر ان معظم حياته قد تقضى سعيدا ، وان ما بقي له هو الأقل ، وسوف يجد في ذكري أبنائه المجيدة ما يخفف من آلامه ، وشهوة المجد هي الشهوة الوحيدة التي لا تهرم ، وليس صحيحا ما يدعيه البعض من ان هم الشيخوخة هو جمع المال ، وهمها الحق هو كسب احترام الغير .
وأما أنتم أبناء وإخوة هؤلاء الأبطال فأمامكم صراع عنيف . وإنه لحبيب إلى كل نفس ان تمتدح ما تقضي ، ولهذا أرجو لكم أن تصلوا إلي ما وصل إليه هؤلاء الأبطال ، أو على الأصح إلى مابدا ليهم ، وذلك لأن الحسد ينال دائما من فضل الأحياء ، حتى إذا ذهب الموت بما يلقون على معاصريهم من ظلال تغمرهم بظلمتها نزل فضلهم من كل القلوب منزلة التقديس .
وأما عن النساء اللائى تأيمن فأكتفى بأن اطلب إليهن أن يلتمسن المجد في الا يظهرن من ضعف غير ما تقضي به فطرتهن ، وان يتنافسن في أن يكون تأثيرهن على الرجال أقل ما يكون ، سواء كان هذا التأثير في الخير أو الشر
والآن لقد وفيت ما علينا بذكر ما أعتقده الحق ، ولسوف يلقي هؤلاء الأبطال تمجيدا أتم ، كما ان ابناءهم سينشأون على نفقة الدولة إلي ان تكتمل رجولتهم هبة من هذا الوطن لمن استشهد في سبيله ، ولمن خلفوا بعد موتهم من ابناء ، وذلك لان تكريم البطولة من شأنه ان يولد الأبطال . ثم لينصرف كل منكم بعد ان يذرف الدمع على من فقد
والآن نري : أما لنا أن نأمل في أن نستطيع يوما الحديث عن وطننا كما تحدث هذا الرجل بما ملأ نفسه من عزة واعتزاز بنظم وطنه واخلاق مواطنيه ؟ وماذا ينقصنا لذلك إلا ثقة بنفوسنا ، وثقة بوطننا ، وثقة ببني وطننا ، ثم انعقاد العزم على العمل ؟

