الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 223الرجوع إلى "الثقافة"

من منبر الشرق :، كتاب التنبيه على حدوث التصحيف

Share

لعمري ليس " أحمد فارس الشدياق " أول من نبه على الالتباس الذي وقع لقاريء العربية من جهة تشابه حروفها وتقارب شكلها ) ١ ( . فقد كثرت شكوي القدماء من هذا الخلل ، حتى أصبح التصحيف عندهم علما يؤلف فيه ، وموضوعا طريفاً يبعث على تنمية الفطنة وتزكية الخاطر في حل مشكلاته ومعمياته البلاغية . ألم تقف على كتاب التصحيف لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري وعلى غيره لأبي الحسن بن عمر الدارقطي ، وكذلك بين المتأخرين على كتاب التطريف في التصحيف لجلال الدين السيوطي ؛ هؤلاء عالجوا الموضوع من جميع النواحي ، موردين ما وقع من التصحيف في القرآن والحديث ، وفي دواوين الشعر وكتب الأدب ، مسفهين هفوات النحويين والأدباء في هذا المجال ، حتى إنهم لم يستثنوا الجاحظ - مع رفعة قدره عندهم - من الوقوع في خطله .

ومن القصص الطريفة في التصحيف - مع عدم ورودها في الكتب المذكورة - ما حكاه ابن النديم في الفهرست ) ٣ ( راوياً عن أبي الحسن بن الراوندي ، وهي حقا جديرة بهذا الزنديق الأكبر . قال ابن الرواندي : مررت بشيخ جالس وبيده مصحف وهو يقرأ : " ولله ميزاب السموات والأرض " . فقلت : وما يعني ميزاب السموات والأرض ؟

قال : هذا المطر الذي ترى ) ١ ( . فقلت : ما يكون التصحيف إلا إذا كان مثلك يقرأ . ما هذا ؟ إنما هو " ميراث السموات والأرض " . فقال الهم غفراً ، أنا منذ أربعين سنة أقرؤها وهي في مصحف هكذا .

على أنه ليس الأدباء فقط هم الذين اهتموا وحدهم بالتصحيف فتلاعبوا به ، بل نري رجالا عظماء في عصور الإسلام الزاهرة عالجوا مشكلته وحاولوا حلها ، فهناك " أبا ريحان البيروني " يشكو في كتابه " الصيدنة " خطر التصحيف في أسماء النبات والعقاقير في العربية وفي سائر اللغات المحررة بحروف عربية ، إذ يقول (2) : " ولكن للكتابة العربية آفة عظيمة ، هي تشابه صور الحروف المزدوجة فيها واضطرارها في التمايز إلي نقط العجم وعلامات

الإعراب التي إذا تركت استبهم المفهوم منها ، فإذا انضاف إليه إقفال المعارضة وإهمال التصحيح بالمقابلة - وذلك بالفعل عام عند قومنا - تساوي به وجود الكتاب وعدمه ، بل علم ما فيه وجهله . ولولا هذه الآفة لكفي ما في كتب ديوسفوريذس وجالينوس وبولس وأوربياسيوس المنقولة إلي العربية من الأسماء اليونانية ، إلا أنا لا نثق بها ، ولا نأمن التغيير في نسخها " ) ٣ (

وكذلك يروى " أن حنين بن اسحق كان يحتاط فيما يبلغه من أسماء الأدوية ، ففزع من الحرف ذي اللبس إلي

آخر بضعه مكانه ؛ فمن ذلك انه كان يكتب ) الصعتر ( بالصاد ويقول أخاف أن يقرأ ) الشعير ( فيصير به الدواء داء " (1)

وكذلك اسمع إلي ما ورد في المناظرة التي جرت بين ايليا النصيبينى ) الكاتب السرياني المشهور المتوفي سنة ١٠٤٩ م ( وبين عامل نصيبين إذ ذاك ، وهي مناظرة باللغة العربية هامة لم تنشر بعد بنصها الكامل ) ٢ ( : " قال فكيف الخط السرياني من الخط العربي في الحسن والصحة والفائدة ؟ قلت الخط السرياني اكثر حسنا وأصح وأكثر فائدة من الخط العربي . قال وكيف ذلك ؟

قلت لأن حروف السريانين غير منقطة وغير متشابهة وحروف العرب كثيرة التنقيط ومشابهة كتشابه الباء والتاء والياء والثاء . . وفي كثرة التنقيط كلفة على الكاتب وليس علي القارئ . وتشابه الحروف مشكل . . ومما يدل على ان الذين استخرجوا الخط العربي لم يحكموا الأمر في تشكيل الحروف ولا في تسميتها ، هو أنهم سموا أكثر الحروف المتشابهة بأسماء متشابهة في الخط ، وذلك مثل الباء والتاء والثاء ، فإن هذه الحروف إذا كتبت كانت أشكالها متشابهة ، وإذا كتبت أسماؤها كانت أشكالها ايضا متشابهة . . وعلي هذا القياس يجري الأمر في سائر الحروف المتشابهة ، وهذا التباس ليس يدخل مثله على خط السريانين " ) ٣ ( .

ولكن ليس من قصدي أن أقف عند هذه النصوص الشيقة أو أن أورد مثلها لك ، بل أريد أن أطلعك هنا علي

كتاب من أهم الكتب في موضوعنا وإن كان مجهولا بعد حتى إن برو كلمان في ملحقه الجديد (1)  لا يعرفه او يعتبره مفقودا , ومع أن الكتاب موجود في نسخ مخطوطة عدة ) ٢ ( وهو " كتاب التنبيه على حدوث التصحيف " لأبي عبد الله حمزة بن الحسن الأصفهانى " اللغوي والمؤرخ المشهور الذي مات حوالي سنة ٣٦٠ ه ) ٣ ( ولو قرأت هذا الكتاب لقلت معى إن كل ما ورد في كتب المتأخرين في هذا الشأن من سمين القول منقول من كتاب حمزة ، وان فيه كثيرا أسمن يظهر رونقه للقارئ عندما يقابله بغث كلام الخلف وبارده .

قال حمزة : " وأما سبب وقوع التصحيف في كتابة العرب ، فهو ان الذي ابدع صور حروفها لم يضعها على حكمة ولا احتاط لمن يجئ بعده وذلك انه وضع لخمسة احرف صورة واحدة وهي الياء والتاء والثاء والياء والنون ، وكان وجه الحكمة فيه أن يضع لكل حرف صورة مباينة للأخري ، حتى يؤمن عليه التبديل . وقال ارسطاطاليس كل كتابة تتشابه صور حروفها فهى على شرف ) ١ ( تولد السهو والغلط والخطأ فيها ، لأن ما في الخط دليل على ما في القول وما في القول دليل على ما في الفكر ، وما في الفكر دليل على ما في ذوات الأشياء ) ٥ ( . وصور حروف الهجاء إنما

هي علامات تحمل الدلالات ، والعلامات لما كانت اشهر صارت دلالاتها اوضح ، وإذا جاءت الدلالات أوضح كان الشك منها أبعد والفهم إليها أسرع . فقد بان لمن عقل وانصف من نفسه أن اعتراض التصحيف في هذه الكتابة - مع ما جلب إليها من الزيادة في البيان بالنقط والإعجام - ليس إلا من ضعف الأساس

لا يسعني المجال أن أورد لك هنا ما في كتاب " حمزة الأصفهاني من الروايات النفيسة عن الكندي والخليل والشلمغاني والجاحظ وثمامة وعن فلاسفة اليونان ومترجمي العرب ، وما فيه من الآراء القيمة في فن الكتابة واختلاف خطوط الأمم القديمة ، وتزيين الخط وفلسفة اللغة وما إلي ذلك ، ولعلي ارجع إلي بعض هذه الموضوعات في إحدي مقالاتي الآتية ، ولكن مما لابد من ذكره هو ذلك الفصل المهم الذي يدعو فيه حمزة إلي إصلاح الخط العربي حتي يصير معصوما عن خلل التصحيف وقادرا على تسجيل لا حروف العربية فقط ، بل حروف سائر اللغات أيضا :

" ولو رام إنسان من أهل الزمان أن يضع كتابة سليمة من التصحيف جامعة لكل الحروف التي تشتمل على جميع اللغات ( ١ ) لزمه ان يضع اربعين صورة لأربعين حرفا ، منها ثمانية وعشرون حرفا ما قد رسم به هجاء العربية التي هي : اب ت ث ومنها اربعة احرف جارية في العربية علي ألسن أهلها ولم يخصها أهلها بصور وهي النون الفناء

والهمزة والواو والياء اللينتان . فالنون الغناء هي التي تخرج من الغنة ، وهي مثل نون منذر لأنها ليست من مخرج نون رسن ، والهمزة مثل قرأ ورفأ ومثل أول حرف من احمد لأنها ليست من مخرج الف حامد ، والواو والياء في عمود وبعير لأنهما ليستا من مخرج ياء يريد وزيد وواو واصل وصواب . ومنها ثمانية احرف لا تقع في العربية اصلا وإنما تقع في الفارسية خاصة وفي سائر لغات الأمم عامة وهي ) ١ ( الحرف الذي بين الفاء والباء وذلك إذا قلت فاء ) Pa ( يعني الرجل وإذا قلت عنبر )Panir ( يعني الجين ،

و ) ٢ ( الحرف الذي بين الفاء والياء أيضا ، وذلك إذا قلت لف ) labh ( يعني الشفة وإذا قلت شف ) shabh ( يعنى الليل ، و ) ٣ ( الحرف الذي بين الجيم والصاد ، وذلك إذا قلت جراغ )tsheragh ( يعني سراج ، وإذا قلت جاشت tshashi) ( يعني الغذاء ، و ) ٤ ( الحرف الذي بين الجيم والزاي ، وذلك إذا قلت واجار ) vaiar ) ١ ( يعني السوق وإذا قلت هوجستان ) Hojistan ( يعني خوزستان ، و ) ٥ ( الحرف الذي بين الكاف والغين وهو الذي في أول قولك كادر )  gadhur (لفارسية  القصار وفي أول قولك كج )gatsh ( لفارسية الجص ، و ) ٦ ( الحرف الذي بين الخاء والواو في أول قولك خرشيد (Khwarshed ) لفارسية الشمس وحرم ) ؟ ( لفارسية اليوم ) ؟ ( ، و ) ٧ ( الحرف الذي يشبه الواو في ثاني قولك نو ) now ( لفارسية الجديد وبو (bo) لفارسية الرائحة ، و ) ٨ ( الحرف الذي يشبه الياء في تاني قولك سير ) sir ( لفارسية الشبعان وفي ثاني قولك شير )sher ( لفارسية الأسد ، فذاك أربعون حرفا تحيط بجميع اللغات ، ويخط بكتابتها كل شئ "

وعند هذا المقام يروى حمزة ما سمعه عن أحمد بن الطيب السرخسي الفيلسوف المعروف ، وعن اختراعه كتابة واضحة

تمكن من تسجيل أصوات اللغات جميعا ، وذلك أنه يقول " حكى لي النوشجان بن عبد المسيح ) ١ ( أن أحمد بن الطيب تلميذ الكندي لما احتاج إلي استعمال لغات الامم من الفرس والسريانيين والروم واليونانيين وضع لنفسه كتابة اخترع لها اربعين صورة مختلفة الأشكال متباينة الهيئات ، فكان لا يتعذر عليه كتب شئ ولا قراءته ، وهذه صور تلك الحروف الأربعين . . " ومما يؤسف له ان ناسخ النسخة المخطوطة حذف رسوم هذه العلامات ، إذ لولاه لاستطاع المحدثون أن يتبعوا طريق السرخسي في محاولتهم لإصلاح الخط العربي .

اشترك في نشرتنا البريدية