الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

من وحي الثورة المغربية, ظلال وأصداء

Share

١

صاح مهلا ، لقد تهلهل زادي ، ولقد أنهك المسير جوادي

قف بنا نشهد انطلاق الشظايا ببن تلك السهوب والاوهاد

فحثيث المسير في رهبة الليل المجافي . . ودربنا في امتداد

قد يفتتان في العزائم فانظرني ، فذي خيمتي ، وذي اوتادى

شدها فى الذرى على الحجر الصلد ، ودعها للشامخات الصماد

خيمة تبعث المهابة والروع ، وتوحى بالعاصفات الشداد

تتراءى كانها ظلة الموت الرهيب ، او انها ريح عاد

شدها لحظة ، ودعني الى ارضي اولي تاملي وافتقادي

شدها ان في الرجوع الى الذكرى غذاء لقوتي واتقادي

ما وجودي ؟ ما حاضري ؟ ما حياتي لو لم تلدني بلادي ؟

انا من مغرب العروبة ، قد شدت الى هذه البطاح جيادي

اتلقى في مشرق الوحي الهاما ، ليزداد في المعارك زادي

انا من مغرب تقسمه الويل ، غريبا على أسى وانفراد

لو رأى غيره الذي هو يحياه ، لاضحى هباءة من رماد

انا من مغرب تفجر كالبركان ، كاللغم في وجوه الاعادي

وانبرى ياكل السجون التي غصت ، ويقري سلاسل الاصفاد

انا من موطن العفاريت والجن ، ومن علقم انا وقتاد

انا حاد الى الجناح الذي خفق للشمس مرعدا ، انا حاد . .

فالى المغرب القصي ، الى الفهري هيا معي ، الى ابن زياد

ذاك شل مراكشي يغني . . فاسمع الشدو في بني الآساد

صامد كالجبال صلب العناد ، صاخب كالرعود صاح ينادي

انني في سلاسلي اتحداك ، فزيدي في الاذى ياعوادي

امطري فوق هامتي وابل الهم ، وجوري فلن يفل مرادي

حركي وحشتي اذا خيم الليل ، بروعي ووحدتي وسهادي

وذريني أتيه في مهمه العزلة والشوق والاسى والبعاد

حاربيني فسوف أبقى وفيا في عراكي وجرأتي واعتدادي

انني لم ار السعادة والحب ولا الامن مرة فى وهادي

غير انى احسها تتلظى ، بين نفسي وخاطري وفؤادي

فهي عندي نشيد عز وايمان عميق ، وقوة في ازدياد

قوة في دمي الغني ، وايمان بحقي في ملتي واعتقادي

واعتراز بحاضر نحن شئناه ، وماض قد شاده اجدادي

فابعثى يا هموم ما شئت من غم ومن قاصف البلا والسواد

وانخري دامل الكلوم بجسمي ، واشربي من نزيفها ياصوادي

عذبيني ، فانني لن اوليك مع الدهر ، ما بقيت ، قيادي

ان نورا أضاء ، ما بين عيني بدربي كانه صوت هاد

قد دعاني ، وقد دعا كل جندي ، فلباه مستميتا ينادي

انه مغربي على شكل عملاق كبير يشير في الآباد

ثار من غفوة ، غضوبا على الفرقة والظلم ، دامي الميلاد

مقبلا نحونا كما يقبل الوالدان ضيم ملعب الاكباد

انها ثورة التحرر فى كل مكان لها دم استشهاد

وعلى كل صفحة كتب الابطال للخلد قصة عن بلادي

سطروها الياذة لليالي ، من دماء القلوب لا من مداد

كتبوها على ذرى الاطلس الشامخ ، بالنور فى ظلال الجهاد

وعلى شاطيء المحيط ، وفي الابيض ، فاهتاج زاخر الازباد

كتبوها على السهول ، على الانهر في الجو فى بطون البوادي

وتغنوا بها على مسمع الآفاق لحنا موقعا باطراد

صب في فوهة الحديد جحيما ، مدفعي الطبول والانشاد

صيغ من صولة الطبيعة كالرعد ، ومن غضبة السماء والوادي

فتغني مراكش العرب بالوثبة ، فالنصر في جبينك بادي

اخبرينى عن الجزائر ، والثورة ، والثار ، هل لها من نفاد ؟

ردديها اسطورة للاماني ، لشجوني ، لكل هيمان صادي

رتليها اغنية للضحايا ، للمنايا ، لكل صداح شادي

كم غبي اراد بالوعظ اغرائي ، فباءت عظاته بالكساد

وغليظ اراد بالسجن والتعذيب ذلي ، فدسته كالرماد

انا لن استريح حتى ارى الراحة في كل بقعة من بلادي

وبلادي قديمة ، تشهد الازمان من مقري الى بغداد

ثورة حيثما مشيت ، فلا تبصر الا لهيبها المتمادي

قيم كالنجوم في الارض ، لا يدرى مداها لخفقها المياد

هي في صحونا الحميل دراري ، وهي في هوجنا قذى وعوادي

ووفود الشباب في زحمة الدرس ، وفي مصنع الفداء في النوادي

صانع يطرق الحديد ، وبناء تحدى بالشامخات العماد

وعزوف يصدر الصلب والبارود موتا الى بني الاوغاد

وفتاة ترف كالملك الطاهر ، كالنصر ، للوغى والضماد

حركات وقوة ونشاط ، فكاني بهم على ميعاد

انهم وحدة النضال وتوحيد الاماني لصون تلك النجاد

كلهم أقوياء لا يعرفون الضعف حتى ولو على الاعواد

٢

صاح هذا الجناح قد مد للبيضاء يمنى وللمحيطات يسرى

فاليها الى الجزائر يا صحبي ، الى موطني ، الى القلب سيرا

وانتظرني هناك ، في جبهة السفح فعندي وراءها الف ذكرى

عن صباي البريء عن منزلي الزاهي ولهوي مع الشقيقة زهرا

عن رفاقي عن قريني وعن الغابة حيث النخيل تزدان تبرا

وارتعاش الفراش فى الوردة الصفراء ، والنسمة المليئة عطرا

ذكريات مضت ، وقد اسدل الدهر عليها من الفجائع سترا

فهنا قيد بالسلاسل للسجن رفيقي ، والهب السوط ظهرا

لم يكن ذنبه سوى انه لما رأى الظلم طاغيا قال : صبرا

وهذا اغتيل جارنا وأيوه الشيخ فى محضر الفرنسي غدرا

ذنبه انه تاخر في الجزية عن دفعها من الفقر فورا

هذه الكومة الترابية الانقاض فيها ست وعشرون قبرا

انها منزل الزعيم الذي نادى صريحا بان للحق ثأرا

والذي حارب الجهالة والداء - بما اسطاع - والاسى والفقرا

لا يروق الطغاة ان تسطع الاضواء فينا فأطفأوا النور فجرا

ارسلوا من مراجل الحقد والعدوان نارا ، واصلوا القصر جمرا

انه كومة ترابلة الاشلاء ، لكن لنا بها نصب ذكرى

سوف يبقى هدية من فرنسا ، نتباهى بها نضالا وفخرا !

سوف يبقى شهادة للالى ضحوا ومدوا الاجسام للمجد جسرا

صاح ايقظت في دمي ذكرياتي واستفاقت تئن اخرى فاخرى

اتناسى خيالها فاذا ما دب في النفس ذكرها صرت شرا

اتمنى لو ان تجردت من روحي وعقلي وكنت كالفكر فكرا

اتمنى لو اتخم الارض كالافات داء ، وامطر الناس ذعرا

لا تلمني اذا تقطر كالسم شعوري ، أوان تحول صخرا

انا عبد القوي رغما وقسرا ، انا فى النار يا اخي اتقرى

انا لليل ، للمجاهل ، للعصيان ، قد شاءنى المعربد وكرا

للشقاء المبيد احيا وما زالت ترينى الحظوظ بؤسا وعسرا

لم تلدني الحياة عبدا ، وما كانت بلادي للغاصبين قصرا

غير ان القضاء ، والخائن الغر ، اذاقا نفوسنا الحلو مرا

فغدا الطائر المرفرف مكبول ، وامسى مغرد الشعر ذكرا

وبكى البوم للخرائب ، وانحلت عرانا ، وصوح الغاب قفرا

اين تلك السهول ؟ والجنة الخضراء نبع من السعادة مجرى

ذهبت كل بهجة ، وتمشى شبح النحس بيننا مشمخرا

عالم راقص على جثث الموتى ، يغني ، ويملأ الكون وزرا

وانين كانه شهقة الهاوي يحز القلوب طورا فطورا

يترك الشاعر المعذب يهتز انتقاما الى الاعادى وثأرا

قسما بالذي يحرك آلامى ، ويعلو على الصغائر كبرا

والذي انزل العبودية الدكناء فينا وصير الاسد أسرى

لو بطشنا بالآمنين انتقاما واقتصاصا لكان ذلك احرى

ان فى موطنى الذي طلب العدل دماء مثل الجداول تجرى

من جروح النساء والشيب والاطفال تنصب بالجماجم حمرا

غاصب يرسل القنابل والموت ، وشعب تحت القنابل خرا

ذاك شعبى شعب الجرائر ، يا ويحى عليه لكم تجرع ضرا

وابى ان يلين للذل والضيم ، فدوى مزمجرا مكفهرا

ثار كالزوبع الغضوب ، كاشباح الدياجير يعصر الخصم عصرا

ثار في ثورة اذا قيس بركان بهزات نارها كان يسرا

ثورة تحمل الأبادة للبؤس ، وللعدل والسعادة بشرى

ثورة افحمت بزفرتها الغاصب فارتج لا يعى ان يفرا

فسروها بانها وحي اعجاز خفي ، او أن في الامر سحرا

ونسوا ان ارضها مولد الابطال ، لما تزل مع الدهر بكرا

انها ارضنا التى اختارها الله ، فكانت بين العوالم سرا

للبطولات ، للفتوح ، لتدمير البلايا وللمعارك نصرا

للاناشد - شاءها الله - للعقد المعلى ، لمغرب العرب صدرا

فاكتبي يا معاجم المجد آياتك عنا ، وحدثى الخلد جهرا

وانظميها وانشديها مع الاحفاد من بعدنا كفاحا وشعرا

واتركيني اطهر الارض كالطوفان من رجسها الذي ران دهرا

ليت لي قدرة - كقدرتك الله - فاردي البغاة حرقا ونحرا

وازيل الوجود عن وضعه الخاطيء هذا ، وادحر البغي دحرا

كيف يا رب تنصر مختالا علينا ، ولا تلاقيه امرا . . . . ؟

كيف يمشى على جماجم عبدانك جلف ، وانت اعظم قدرا ؟

كيف يحيا بعالم الظلم والعدوان قوم هم بالابادة احرى ؟

لا تلمني اخي ، فما لام جندي اخاه الا واعقب عذرا

ان حظي من بهجة ان احيا ابيا او ان اموت ابرا

كل جيل ودوره .. ولقد كانت لجيلي معامع الحرب دورا

هكذا املت المقادير ان ثوروا ، فثرنا لنقهر البغي قهرا

لا تلمني ، وسائل العقل عني كيف ابدو لو اننى كنت حرا

٣

صاح ، هذي بلادنا فتمتع . . ودع الطرف في المفاتن يرتع

وترفق اذا بدا لك في الاجواء انقاض غيمة لم تقشع

فالجمال الذي يلاقيك ذبلان الحواشي مهتك القلب موجع

مسه الضر في المحاسن أحقايا طوالا وشل في كل موضع

هذه تونس التي ولد التاريخ فيها كبرعم . . . ثم فرع

بلد الحسن والجمال ، واحلام الاماني ، وبهجة المتطلع

قبلة المغرب الحنون اذا صلى ، وللوحي والعروبة منبع

يا بلاد النضال . . يا مهبط الالهام ! قولي فانني بك مولع

أنت . من أنت ؟ من سلام واشراق ولطف ؟ ام من رصاص ومدفع ؟

كلما لاح بارق ، او بدت غلمة ، إلا وكنت للفجر مطلع

أنت للذود موئل ، والى المغرب والشرق حلقة . . لن تزعزع

انت حقا امامنا كلما سرنا . وام ابناؤها كل مبدع

يا أبا القاسم الذي ملأ الدنيا هتافا . . اما يرى لك مرجع ؟

قم ، تر ذلك البصيص الذي اشعلت قد شب من دم الشعب يسطع

هام من صوتك الالاهي في الارض نشيد ورن فى كل مسمع

وسرت موجة من الحقد والاحزان كالجمر فى اغانيك تلسع

كيف نرضى بان نطأطئ للغاصب راسا وللشقاء ونخضع ؟

كيف نرضى ؟ وثارت الثورة الحمراء يا شاعر الشباب - تلعلع ؟

ثورة النصر للسلام وللآمال فتح ، وللمخرب مصرع .

ثورة ام تزل مؤججة الاعماق ، محمرة الجوانب تقرع

وطبول الكفاح فى كل ارجائك - يا شاعري - تئز وتقرع

قم تراها على جبين الخضيراء جلالا كالنور أو هي أروع

وعلى مغرب العروبة اشعاع الدراري منثورة الوهج تلمع

قم تراها كما رد فى جحيم الرعب يمشي مدرعا ومقنع

وكأني سمعت صوتا يدوي . فيه من نغمة النبوة مقطع :

" أنا حي بموطني ، لا يراني الناس ؛ لكنني أرى الشعب أجمع

وأنا ابن السماء في الارض عيسى ، غير اني بدون جد ومرضع

لا تقل لي بلادنا ذلك الثالوث قد هب من سبات وأزمع

قبل ان تحرق المراكب في البحر ، ابو طارق شوى كل مضجع (+)

نحن من صلب ثورة بدأ التاريخ فيها حديثه ، وهي زعرع

كلما كف عاصف هب إعصار بريح تضم مليون زوبع

لا تقل لي مفرقا بين أهلي : تونسي ، مراكشي ، وتتبع . . .

ان في الجبال والسهل ، والغابة ، والبحر ، والتعاريج مرجع

قد أسرت طبيعة الارض في اذني حديثا ، وانني منه مقنع

انها كتلة تمثل في المغرب جزءا للشرق ليس يقطع

لا تقل لي : بلادنا وحدة صغرى الى وحدة العروبة تجمع

نحن اجزاء امة صاغها الله قديما فى وحدة ( لا تربع ) (١)

لا تقل لي : رأي العوالم فينا كل فضل وهم له اليوم خشع

اغلب الناس نحونا لا يرون الفضل الا بصورة العكس ابشع

فاذا شئت ان تعمر في الدنيا عزيزا ، فكن أخا البأس والذع

لا تقل لي بلادنا جنة الاوطان فيها من كل زوجين مرتع

لم تعد تلكم الجنان التي كانت جلالا سوى هشيم موزع

سال كالسم ، سائل من لعاب الكيد ، فارتدت المرابع بلقع

وغدا اخضر الخمائل صفصاقا ، وامسى معانق الغيم أجدع

لم تدع لي فرنسا ما تشتهيه العين ، بل صيرت عيوني مدمع

حطمت تلكم الجنان .كما حطمت نفسي - واحرقت كل منجع

لا تقل لي : بلادنا جنة كانت . . وقل لي بلادنا اليوم معمع

ما مضى فات قبلنا فليك الحاضر دربا اهداقه المتوقع

لا تقل لي .... وغاب في اللجة العلياء ذاك الهتاف كالحق يصدع

صرخة دمدمت وردد في قلبي صداها كهزة من مفرقع

صرخة الحق عندها يقف الباطل كاللص واجما يتصدع

صاح هذي بلادنا ربة الابداع والشعر ، غادة خلف برقع

اقبلت تحمل العروبة كالعقد على جيدها من التبر رصع

فاملا الكاس من كرومك يا صاح فكأسي من أعتق الخمر مترع

وتعال الهوينا نستسمح الامجاد عن سيرنا الحثيث ونكرع

ثم نمضي الى العرين الذي يحتل من ارضنا المكان الارفع

فإلى منبع السلالة والاصل ، الى مشرق العروبة أقلع . .

دع عنان الجواد للريح خفاقاً ، وخل سنابك البرق تذرع

انا للمجد كله ، لبطاح الضاد ، للامة الفتنة أرجع

ليس يغني عن المشارق غرب ، مثلما الشرق وحده ليس ينفع

امة . . وحدة . . ستبرز للاحرار كالشمس ، كالالاه المشرع ....

اشترك في نشرتنا البريدية