الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 852الرجوع إلى "الرسالة"

من وحي الهجرة

Share

بعث الله النبي الكريم على فترة من الرسل، في عصر غير  ذي دين، وجيل غير ذي خلق، وبلد غير ذي زرع. فلقي  صلوات الله عليه من سفه الجاهليةوكلَب المادية وكيد العصبية  وحرمان الفقر وخذلان القلة ما لا يسعه طوق بشر إلا بروْح  من الله وسند من الإيمان وعون من الخلق.

حمل محمد رسالة الله وهو فقير ضعيف، وحمل أبو جهل رسالة  الشيطان وهو غني مسلَّط، فحوّل مكة المشركة جبلا من السعير  سدَّ على الرسول طريق الدعوة، فكان يخطو في طرقها وشعابها  على أرض تمور بالفتون وتفور بالعذاب. وتفجرت عليه من  كل مكان سفاهة أبي لهب بالأذى والهون والمعاياة والمعارضة.  وكل قرشي كان يومئذ أبا جهل أو أبا لهب إلا من حفظ الله. وافتن  كفار مكة ومشركو الطائف في أذى الرسول، فعذبوه في نفسه وفي  أهله وفي صحبه ليحملوه على ترك هذا الأمر فما استكان ولا لأن  ولا تردد. وحينئذ تدخل الشيطان بنفسه في   (دار الندوة)   فقرَّر القتل، وتدخل الله بروْحه في   (غار ثور)  فقدَّر النجاة.  وانطلق محمد هو وصاحبه ودليله وخادمه على عيون المؤتمرين  في الطريق الموحش الوعر حتى بلغوا طيبة. وهنالك بالصبر  والصدق والإيمان والرجولة أثمر غرس الدعوة وتم نور الله.

كان يوم الهجرة الذي جعله عمر الحكيم العظيم تاريخاً  للمسلمين يحسبون منه أيامهم، ويؤرخون به أحداثهم، خاتمة وفاتحة:  كان خاتمة لثلاثة عشر عاماً من المحن الشداد والآلام القواتل تظاهرت  على الإيمان والصبر حتى قال الرسول وهو يلوذ بحائط من حوائط  ثقيف: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني  على الناس؛ وكان فاتحة لثلاثة عشر قرناً من النصر المؤزر والفتح  المبين، أعلن العرب فيها كلمة الله، وبلغوا رسالة الحق، وحملوا  أمانة العلم، وأرشدوا الضال فاهتدى، وحموا الذليل فعز،  وعلموا الجاهل فتعلم، ومكنوا في أرضهم الفسيحة ودنياهم  العريضة لعناصر الجمال والخير فقويت في كل نفس، وازدهرت  في كل جنس، وانبعثت من كل مذهب، وانتشرت في كل أفق؛  وحققوا لهذا الإنسان طريد العدوان وعبد الطغيان أحاديث  أحلامه وهواجس أمانيه، من الأخوَّة التي يعم بها النعيم،  والمساواة التي يقوم عليها العدل، والحرية التي تخصب بها المدارك؛  لأن رسالة محمد لم يوحها الجوع ولا الطمع، وإنما أوحاها الذي  خلق الموت والحياة، وجعل الظلام والنور، وأوجد الفساد  والصلاح، ليدرأ قوة بقوة، وينقذ إنساناً بإنسان.

كان يوم الهجرة إلى المدينة وما قبله تشريعاً من الله في حياة الرسول للفرد المستضعف إذا بني على حقه الباطل، وطنى على دينه الكفر ، ليعرف كيف يصبر ويصابر ، وكيف يجاهد ويهاجر ، حتى يبلغ بحقه ودينه دار الأمان فيقوى ويمز

وكان يوم العودة إلى مكة وما بعده تشريعاً من الله على لسان

بصنوف من الاحتقار والزراية، وعقله يضطرم بضروب من  الكراهية والمقت. لقد غطى الشيطان على عيني الفتى - حيناً -  فإندفع يزخرف الحديث للزوجة ويختلبها بالمظهر البراق، يوهمها  أنه شيء وما هو بشيء، وفي طبيعة المرأة ضعف وفي جبلتها خور  فأسلست له وانقادت فهوت. ولكن عقل الفتى كان يخزه -  بين الحين والحين - وخزات عنيفة توقظ في نفسه الندم  أن اقترف الجريمة الشنعاء في ساعة من ساعات الطيش الجامح،  غير أنه يرى الزوجة الخائنة إلى جانبه تبسم له في رقة وتحنو عليه  في عطف، فيرق لها قلبه وتتحرك في فؤاده نوازع الرحمة يشوبها  الاحتقار، وتضطرب في نفسه دوافع الشفقة ممزوجة بالبغض.

أما هي فكانت تتملقه وهي ترى ثوب الرياء الذي تسربله حيناً  من الزمن يتكشف أمام ناظريها عن ألوان من الضعة والسفالة  والفقر. . . ولكنها كانت تتملقه وهي تحس في نفسها ألماً يتصدع  له قلبها وينقد فؤادها. . . تتملقه لأنها لم تعد شيئاً سوى جيفة نتنة  ملقاة على الثرى، وهي تخشى أن يقذف بها صاحبها إلى عرض  الشارع.

لا عجب، فقد كان الشاب - في يوم ما - يحب الزوجة حباً  يراه فالقاً كبده، ولكنه كان حب الحيوان يرنو إلى الأنثى  ليقضي منها وطراً. فلما ظفر بمأربه بدأ الملل ينسرب إلى قلبه  وضاق هو بحاجات المرأة وراتبه ضئيل تافه. وخانته شجاعته فلم  يقو على أن يكشف لها عن خواطر عقله، فعاشا معاً زماناً.

وانطوت الأيام تمسح بيدها الرفيقة على قلب الزوج عسى أن  تلتئم جراحه أو تسري عنه بعض همه، وترفقت به العناية الإلهية  فتدفقت في مفاصله روح الصحة والعافية، فإذا هو - بعد أيام -  في مكانه في المدرسة يجد السلوة في عمله بين كراساته ودفاتره  وتلاميذه. ولكن ستراً كثيفاً من الأسى ما زال ينسدل على  جبينه فيبدو كئيباً ضيق النفس لا تنفرج شفتاه - أبداً -  عن ابتسامة.

وسأله صاحب له - ذات مرة - عن ما أصابه فقال:   (لقد  ماتت زوجتي وخلفت لي صغاراً لا أجد من يكفلهم في غيبتي  وإن عملي ليرغمني على أن أقضي ساعات النهار كلها في المدرسة)   فقال له صاحبه   (أحقاً ما تقول؟)  قال   (نعم، لقد ماتت من تاريخي  أنا فقط)  وتراءى للصديق أن حادثة اجتاحت الزوجة وطمَّت  على بشاشة الزوج في وقت معاً، فقال له في لهفة وشفقة   (وكيف؟)  

فجلس إليه يقص القصة كلها وإن عبراته لتتدفق هتَّانة ثم قال:  (وأنا الآن أضيق بالحياة فما أصبر على الوحدة ولا أستطيع أن  أتزوج فأضرب أولادي باليتم والضياع. فلا معدى لي عن أحد   أمرين: إما أن ألقي بنفسي في اليم فأخلص من عذابي بين أمواجه  وإما أن أذهب إلى السودان مرة أخرى فأفقد روحي بين لظى  الحر وقيظ الهاجرة) فقال له صاحبه في فزع:   (وأولادك؟. . .  أولادك يا أحمق؟)  واضطرب قلب الرجل فآثر أن يبقى بين  أولاده يرعى شأنهم، وهو يتشبث بالصبر والسلوان. وكان صاحبه  ذا شأن ومكانة فجذبه من مشغلة التدريس إلى فراغ الديوان ليجد  من وقته فراغاً للدار ومن قلبه سعة للولد.

وقضى الزوج سنة ذاق فيها غصة الحياة ومرارة الوحدة،  وأحس - هو وصغاره - حرقة اليتم ولذع الضياع، واستشعر  - وحده - قسوة القدر وغلظة الأيام. على حين كانت الزوجة  الخائنة تعيش بين ذراعي فتى يصغرها بسنوات ويضيق بعشرتها،  ويرى فيها فنوناً من الضعة والصغار، ويخشى أن تعبث به كما  عبثت بزوجها من قبل؛ وما حاله بأحسن من حال زوجها يوم أن  كان، ولا هو أعز عليها من أولادها. . . ثم ثارت به الشكوك  وساورته الريبة!

وجلست الساقطة - ذات ليلة - إلى فتاها تطلب إليه أن  يرتبطا معاً بالرباط المقدس. . . الزواج، وتلح في الطلب. ولكنه  امتنع عليها وأعرض عنها!

يا لجهل الحمقاء! لقد عزب عن عقلها الفج أن المرأة الهينة  هي لعبة تافهة بين يدي الرجل يلهو بها ساعة، ثم يحطمها وينبذها  بالعراء؛ لا يحمل لها في نفسه إلا المهانة والاحتقار، وأن المرأة  الصعبة هي في ناظريه كالطود الأشم ينحسر عنها البصر كلما اقترب  منها لأنها تتراءى أمامه شامخة باسقة.

وألحت الحمقاء في الطلب فثار صاحبها ثورة قذفت بها إلى عرض  الشارع وهو يقول   (أفأتزوَّج هذه العاهر. . هذه الفاسقة؟) وخرجت الخائنة إلى الشارع في ليلة ممطرة وإن أسنانها  لتصطك من شدة البرد وإن جسمها لينتفض من زمهرير الشتاء  وإن عبراتها لتنهمر من خيبة الرجاء وضيعة الأمل.

واقتص القدر من الزوجة الخائنة حين قذف بها إلى الشارع  لا تجد العون ولا المأوى، فيا للقصاص العادل. . . يا للقصاص!

اشترك في نشرتنا البريدية