الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الثقافة"

من يوميات محام لم تنشر :

Share

-١- ١٨ ديسمبر ١٩٣٩ طرأت الفكرة

ومع ذلك فهي ليست جديدة ، وإنما هي رجع ما انقطع ، بدأت أنشر في . مذكرات محام مبتديء ، وكانت نيتي أن اتابع السلسلة ، ولكن كم نية انتواها الإنسان وحققها في الفعل ، كم أخرج إلي " حيز الوجود " كما يقولون من تصميماته ومشروعاته

لست أدري اثنتان أم ثلاث من الحلقات ما نشر بالفعل ، ولكنني أدري أن موجة الحياة طغت على المحامي المبتدىء ومذكراته فاكتسحتها اكتساحا ، لم تغرقها ولكنها طرحتها على شاطئ منفرد بعيد ، وطالت بالمبتدئ سفينته وتغيرت بحاره ، وأغلب الظن أنه لم يعد مبتدئا ،

فقد أوشك أن يحوز المرحلة التي يعتبره القانون بعدها " ممن زاولوا المهنة أكثر من عشرة أعوام " ، وهو يري الحادثة بعد الحادثة ، ويشعر بالإحساس بعد الإحساس ، ويفكر في الإصلاح بعد الإصلاح ، ولكنه لا يدون . فقد كان يدون في أشياء أخري غير خواطره عن المحاماة .

كان يدون في المحاماة نفسها هذه المذكرات المضنية ، وكان يدون في القانون تلك المذكرات القاتلة الضائعة ، وكان يدون في القليل مذكراته عن السياسة ، وعن الرجال والحوادث العامة ، حتى ساق الله من سرق هذه المذكرات فاحتسبها إلي جوار ما ضاع من مجهوداته .

ضاعت مذكراته السياسية فاحتسبها وسكت ، ورضى بعد ألم بهذا المصير ، ورأي فيه اتساقاً عاما ينتظم مجهوداته فاطمأن إلي الفكرة والشعور

ولكن شيطان النفس يلاحقه ، فما هي إلا ان يقرأ

في مجلة الثقافة صفحة " من مذكرات قاض لم تنشر " لهذا القاضى الفاضل " ح . ج " حتى تعجبه الفكرة وحتى يعود إلي نفسه وإلى ماضيه ، وحتى يعنفها على قصورها عن المثابرة ويسألها : كم من ألوف الصفحات كان يكون في يدها الآن لو هي عنيت بتدوين خواطرها أولا فأولا ؟

والنفس لا تعدم وسيلة للدفاع ، إنها تدفع التهمة لا بالإنكار ، وإنما بتقديم البديل ، بالوفاء بالدين ، إنها تزعم انها قامت مقام الأوراق ، وأنها قد اختزنت في أغوارها كل ما كان ممكنا أن يودعه المذكرات ، إنها مستعدة أن تعطيه مخزونها كله ، فليقدم إن كان شجاعا ، وليكتب ما وسعته الكتابة ، فإنها تملى وستملي دون أن يدركها الملل . .

-2- فبراير ١٩٤٠ أنا عائد الآن من إحدي دوائر جنابات القاهرة .

تلقيت منذ عشرة أيام خطابا من محكمة الاستئناف تخبرني فيه أنى قد ندبت عن المتهم ال .. في قضية سرقة أحراز . وفي عين التاريخ أرسلت إلي ملف القضية فإذا هو مكون من ١٨٨ صفحة ! .

أخذت في تلاوة الملف وقد امتزج شعور الامتعاض من هذا التأخر بشعور آخر هو شعور الاعتزاز بهذه المهنة حين تتيح لأهلها فرصة التطوع - التطوع ولو كان جبريا - لمعونة إنسان يكتنفه الضيق ويلم به الحرج ، وهو غالب أو مغيب في سجنه لا يدرى من امر هذا المساعد شيئا ، لم يتصل به ولم ير وجهه ، ومع ذلك فهو

يسهر الليل في قراءة هذا الملف ، ويخلو إلي نفسه خلوة الفن النبيل ، يرتب الدفاع ويبتكر الحيلة لإخراج هذا الصديق المجهول من ثنايا هذه الشبكة ، أو عيون هذا القفص الذي يسمي قفص الإتهام

وخلصت من قراءة هذه الأوراق وركزت في نفسى

دفاع المتهم ، حتى إذا اقترب موعد الجلسة وبقى دونها يومان او ثلاثة ، اقبل على زميل يقول : إنه قد وكل عن هذا المتهم الذي ندبت لدفاعه فأسلمته الملف الذي يأتينى مجانا لأني منتدب ، ولكنه لا يعطي للمحامين الموكلين إلا بأجر مرتفع سلمت زميلي الملف واستكتبته ورقة تسجل هذا وعدت إلي مقعدي أفكر في هذا التصرف ؛

لقد قرأت اسم هذا الزميل بالذات باعتباره مدافعا عن هذا المتهم بالذات خلال أدوار التحقيق وأمام قاضى الإحالة ، ولكنه ذكر امام هذا القاضى انه موكل في الإحالة فقط ؛ وهكذا كان لا بد من ندب محام عن المتهم يترافع أمام جلسة الجنايات ، وكنت أنا المنتدب ! وقد وكل الزميل فمتى وكل ؟ ولم تأخر في طلب الملف إلي اللحظة الأخيرة ؛ اتراها المصادقات فقط ؟ أم هو الترتيب والإحكام لغاية أو غايتين هما الوصول إلي نسخة من ملف الدعوى بغير ثمن . والاستفادة من دراسة محام اخر للقضية دراسة سجلت خلاصتها على أوراق الملف شأن المحامين جميعا ؟

١٩٤٠/٥/٦

لقد تداعت المعاني في نفسى ، وقلت : إن صدق أن الغاية الأولى قامت في نفس المحامي ، أو في نفس المتهم وذويه ، أكان يليق بى أن انيلهم ما يبتغون ؟ هذه جناية لان موضوعها سرقة أموال عامة ، فما اشد تهكم الظروف حين تزرع على هامش هذه الجناية فعلا اخر يشترك معها في الطبيعة ، ولكنه لا يطبع بهذا التجريم الرسمي ، هو التحايل على حرمان الخرانة العامة من حق مقرر لها هو ثمن الملف في غير أحوال الانتداب

دخلت الغرفة التي ينظر فيها مستشار التحضير قضاياه . خلال ملل الانتظار رفعت رأسي أتملي حوائط القاعة . أخذ نظري اللوحة المعلقة فوق رأس المستشار ؛ الفت في مثل

هذه اللوحة أن تزدان بالآية الكريمة ؛ " وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل " ولكن هذه الآية كانت غائبة عن لوحة اليوم ، قد اعطي مكانها لآية اخرى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . "

تجديد ..  ما الذي أوحي به ؟

إن الآية الأولى خطاب الله إلي القضاة ، أما الآية الثانية فهي كلمته تتجه إلي الناس . .

أتري الدولة قد جربت عدل المحاكم فوجدته لا يغني عن عدل المحكوم ؟ أم تري القضاة ضاقوا بهذا الإلحاح عليهم ان يحكموا بين الناس بالعدل ، وهو واجبهم الذي لا يتصور منهم الانحراف عنه ، فمن الإيذاء لنفوسهم أن يتكرر تنبيههم إليه ؟

لست أعرف صاحب الفكرة لأستهدي على ضوئه بالباعث ، ولكني قد رضيت عن التغيير أو رضيت بهذه الإضافة : إن القاضي مهما يتحر العدل هو بعرض أن يخطئ ، وهو لا يستقي الحكم من وجدانه وحده ، وإنما يعتمد على الناس ، يعتمد على اعوان القضاء الذين قد يضلونه عن الحق ، ويعتمد على الشهود الذين لا يتحرجون عن الباطل ، وهو في آخر الأمر ليس إلا بشرا غير معصوم . وعن النبي ) ص ( انه قال : " إني لأقضي بينكم ، ولعل بعضكم ان يكون الحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما اقضي له قطعة من النار "

والناس قد غاب الزاجر من نفوسهم إلا قليلا ، وعدل القضاء إن وفق القضاء إليه هو عدل بطئ خير منه عدل النفس مع النفس ومع الناس ، خير منه أن يفي العاقد بالعقد ، فهو كلمته ، هو شرفه ، هو مميزه الإنساني من سائر الأحياء .

ربطت الآية بين الإيمان والوفاء بالعقود ، جعلت

أملها عند المؤمنين . وإن هذا الأمل ليخيب ، إن هذا الدعاء ليتلى في كثير من بيوت الله ويشقشق به كثير من الألسن ، ولكنه لا يستقر في القلوب عقيدة ليظهر في الحياة عملا . .

" الدين المعاملة " ما أشد حاجة الناس إلي أن يفقهوا معني هذه الكلمة ، وان يكونوا في حكمها اتقياء ، متدينين

-٤- ١٩٤٠/٤/٨

عدت من محكمة الوايلي حيث نظرت معارضة الأستاذ ضد وزارة المواصلات ، ترافعت ، وبدا من مناقشة القاضي لمثل الوزارة أنه مقتنع بعدالة مطلبنا ، وقد أبقى النطق بالحكم إلي آخر الجلسة .

سنري ما يكون .

وقد لاحظت خلال انتظاري دور القضية أن القاضي تجهم لكاتب من الكتبة العموميين وقال له متهكما " تعال ترافع كفاية انتم وخلوا المحامين يقفلوا مكاتبهم " كان القاضي بادي الاستياء ، ليت هذا الاستياء يحل صدور القضاة جميعا . وليته يتخذ مظهرا عمليا بتنظيم دخول هذه الطائفة الخطرة في دور المحاكم . لقد اثبتت بعض القضايا الجنائية أن توثق العلاقات بين الكتبة العموميين وكتبة المحاكم أدى إلي سرقة أوراق قضايا ، وأدي إلي عقاب فريق من هؤلاء ، وفريق من هؤلاء . ولكن هذا الشر ما زال مستفيضا ، إن الكاتب العمومى أو كاتب

المحامي الذي يكون ) أي الكاتب ( كاتبا عموميا ، هما ألصق بأقلام الكتاب واقلام المحضرين من المحامى ومكتب المحامى مهما يكن في تحديد الجلسات ، وفي إنجاز الإجراءت للأول ما يشاء ، وللثاني اللوائح وتعليمات القاضي وأوامر الرياسة وما إلي ذلك من الحواجز والموانع . إن شبح المحامي

شبح مكروه ، إن مجرد دخوله قلم الكتاب او قلم المحضرين يقابل بالازورار ، إنهم يرون فيه رقيبا علي ما يفعلون إنهم يرونه أجنبيا يقتحم دارا ليس من أهلها ! . .

الصغار في مصر والصغار في مصر

-٥- ١٩٤٠/٤/١٤

دخلت قاعة جلسة محكمة عابدين الأهلية . . وجدت القاضي الهادي محتدا في مناقشة مع زميل يترافع ؛ لم ألبث ان فهمت ؛ إن هذا المحامي يترافع ضد زميل له في قضية أتعاب . . إنه يزعم ان زميله قد استولي بطريق الإكراء الأدبى على جنيه زيادة عن المقدم .منذا الذي يلوم القاضي ؟ بل منذا الذي لا يشكر القاضي ؟ حين يراه يصيح في وجه المحامي قائلا : " أنا أفهم أن المحامي الذي يحضر ضد زميل يكون عنده كلام وجيه بقوله حتى يوجد المبرر لهذا الحضور " .

لك الشكر يا سيدي القاضي . لقد كنت محاميا ناجحا كفؤا ، وإنك قد اقتعدت مقعد القضاء بجدارة ، وربما بخسارة ؛ فلك الحمد من المحاماة علي انك لم تنسها ، وانك تنتصف لها من نفسها . كثيرون غيرك كانوا محامين فأمسوا قضاة يلقي المحامون منهم عنتا قد لا يرون مثله من القاضي الذي لم يلبس الروب الأسود . . ظاهرة عند المتمعنين تفسيرها . . وقد يكون عند زملاء الأمس معاذيرها . . والتفسير والعذر كلاهما في حيز علم النفس الذي يسع صدره كل شئ

أيتها المهنة العجيبة . . يامهنة المجد والعبودية في آن واحد ، من فر من شر أذاك ، لم يسل حلو جناك ، ومن أغمض العين عن نارك تسمرت عينه الأخري فوق جنتك . . مجدك يثير الغبطة ، والراحل عنك لا يلبث

ان يحن إليك ويقبط المقيمين في رحابك . . ومن بعد يبدو رواؤك أبهي مما هو في الواقع . . والقاضي تجرح كرامته كلمة من مفتش ، بل إنه ليجرحها بحق مجرد دخول المفتش إلي محكمته . والقاضي تؤذي عاطفته جملة ترد على اقلام زملائه الذين نظروا حكمه المستأنف إليهم ، أو نظروا طلب النقض المعارض . . في طبيعة الإنسان الذي كبت الغيظ وطوي الجوائح على الفضي الذي أصابه من فوقه ، أن يفرج عن نفسه ، أن يطلق هذا

التيار المحبوس من عقاله لينصب في مجري اكثر انخفاضا من مستواه . . ولكن تيار الغضب قد ينطلق انطلاقا طبيعيا عادلا ، وقد يصادف أهلا لا يقومه غيره . . ومالي لا اكون منصفا ، فأفترض أن من قضاة اليوم زملاء الأمس من يستبقى لمهنته إعزازها وإكرامها ؛ وذلك مصدر اشتداده حين يراها احيانا تمرغ في الوحل بأيدي بعض أبنائها .

اشترك في نشرتنا البريدية