كان الأستاذ العقاد نحا نحو شوبنهور في قوله إن النساء جنس غير فني وبمقال نشره في الرسالة منذ شهور وقد ساق الادلة على قوله ، وعلله احسن تعليل . وثارت الأديبة البارعة السيدة وداد سكا كيني ، وطعنت على الرجال ، ونسبت هذا التحامل على المرأة إلي حقد الرجال عليها واللهو بها ، بسبب شهرة يبغونها ، أو تشفيا من حسناء يحبونها .
وكأن السيدة وداد تريد أن يعترف الناس بالنبوغ والعبقرية ، ويحب الا يقال إن المرأة تخلفت عن الرجل . في مضار الفنون ، ولعلها تود ايضا ، ان يكون للمرأة ما للرجال من الرفعة والسمو . . وهذه عاطفة فيها كثير من اللطف الذي عرفت به الأديبة الفاضلة
والخلاف بين الأستاذ الكبير ، والأديبة البارعة عظيم تري أي حدود يبلغ نبوغ النساء وأي نصيب من العبقرية يؤتين ؟
هيا بنا يا سيدتي . . لنمض معا نستعرض الحسان من أقدم الأزمان ، لنري الحد الذي بلغته عبقريتهن ، والمحل الذي سما إليه نبوغهن في الأدب والفن
هذا حفل عظيم من الأدباء والأديبات ، في حدائق ورياض . ننظر فنجد الشعراء والشاعرات ، والقاصين والقاصات ، والكاتبين والكاتبات ، والمثقفين والمثقفات ، وما شئت أيضا . كل يحنو علي زهرات قالوا إنهن نتاجه في الدنيا . ثم يحدق فتري الرجال في هذا الحشد أكثر عددا ، وأوفر عزا زهورهم رفافة اللون ، ساطعة الطبيب . ولعل في كل مائة اديب ثماني اديبات . ليت شعري لماذا كثر الأدباء يا سيدتي وقلت الأديبات ؟
لا تعترضي ، ولا تشيري اليهن نعم هذي مدام
رسيفينية ، ومدام دريغاند ، وجولي رابسبيناس ، أن زهراتهن زاهيات اللون وإن رسائلهن كن بارعات ، فيهن الرقة والسذاجة . اعترف أنهن يذدن الرجال . إن رسائل تكتبها مدام دريفاند وصواحبها ، كلها خفة ولطف ، لأظرف ، للتسلية ، من رسائل يكتبها بلزاك فيحشوها فكرا وفلسفة ؛ إنها تبعث في النفس الملل ، وتدفع إلي بذل جهد عقلي . أما رسائل النساء فخفاف علي النفس . لقد قضى التأمل والإغراق في التفكير علي فن الرسالة عند الرجال انقلبت الرسالة إلي كتاب ، فقدت سذاجتها ، وذهب رواؤها ، لكنها أضحت أقرب للخلود فيما يخلد من نتاج الفكر كل هذا صحيح يا سيدتي ، إنهن برعن في الرسائل . ولكن أتساءل : أين بقيت هذي الرسائل لم نسيها الأدب فيما نسي ؟ احقدي على الهاتف الذي قضى على ما كان يعتز النساء به . إن محادثة قصيرة لتغني عن الرسالة . واحقدي أيضا على الآلة الطابعة ياسيدتي ، لقد اختصرت تلك الساعات الطوال التي كن يقضينها في كتابة الرسائل وتنميقها وزركشتها . ولك ان تفخري بمازال بعد ذلك
وماذا أيضا . ؟ أأولئك الشاعرات تريدين ؟ لقد عرف كل عصر شاعرة أو شاعرتين بين مئات الشعراء . هذه " ماري د فرانس " وتلك " كريستين د بيزان " ، وهناك " لويز لاته " وهنا " كونتيس د نوابل بل هذي خنساؤك يا سيدتي وبجانبها عريب وجنان ، وفضل وعنان لقد قلن الشعر ونظمن ، ولكنهن لم يبرعن فيه ولم يبدعن انصرفن إلي الشعر العاطفي . وكان شعرهن صرخات ارواح هائجات ضعاف ، بكاء شديد ، زفرات حب قوي ، حنين إلي الرجل ، احلام عذاب شعر بسيط ساذج ، ما أبعده من شعر مصقول ، مهذب ، مرصع ، حشوه الفكر اللطاف ، ذي رنين وإيقاع . شعر هو وليد الفن ، كشعر فاليري أو أبي تمام
إن شعر النساء محصول وحي سريع ، لا تأمل ولا رؤية فيه . أما شعر الفحول فهو محصول العقل والقلب يصطادون الفكرة ، وينتقون اللفظه ، ثم ينصفون ويرفقون ، ويصلون ويفصلون ، فإذا امامك قطعة من الماس قطعة تغري ، فيها قوة ورقة وإبداع هل تقايسين شعر دى نوابل أو الخنساء يشعر بشار او مسلم أو لا مارتين . بله فاليري أو أبي تمام ؟ حتى الشعراء الذين كانوا أرق رقة من النساء في وصف الحزن والفرح والهوي . كالعباس ، أو لا مارتين يروا ما قلن ايضا لأن شعرهن يبقي ساذجا ، في حين يمضى شعر أولئك نحو الفن الصافي الذي يتطلب الخلق والإبداع .
والروائيات . . لا بأس لقد تلطف الأستاذ العقاد فقال إن في النساء روائيات مجيدات ، ثناء لطيف جميل . ولكن اتساءل : أكان للنساء في رواياتهن هدف فني لقد كانت رواياتهن تسجيلا لكل ما يقذف به خيالهن وعواطفهن بلا تهذيب ولا ترتيب ؛ وهن . بعد لم يعرفن ضروب الرواية كلها : السيكولوجية ، والفلسفية والتحليلية . . وإنما عرفن لونا واحدا منها . عرفن رواية الحب ، فالحب في ألوانه كان مدارا لرواياتهن . صحيح أن الحب يشغل روايات الأدباء ، ولكن الأدباء يتخذون من الحب وسيلة لصيد قلوب القراء والقارئات ، إن لديهم أمورا اخري من ضرورات الحياة يديرون رواياتهم حولها ؛ أما المرأة ، فليس لديها سوى الحب ، هو القضية الكبرى في وجودها هي تحلم في صباها بالحب الذي يوسع آفاق حياتها الضيقة ، وهي تغني ، بعد زواجها بنعيم الحب إن سعدت ، أو تندب هذه السعادة إن شقيت
وتاريخ المرأة يؤيد هذا هذي المراة الفرنسية ، مثلا ، كانت قبيل العصور الوسطي تغني بالحب والحبيب في ظلام غرفتها ، فلما خرجت من سجنها ، واجتمعت باخواتها تحدثت عن الحب ، ووضعت قواعد للحب ، وعظمت
عواطف الحب . وعندما القت أول رواية كانت عن الحب . هذي الأنسة د سكوديري ، فتاة عانس حلمت طوال حياتها بالحب ، فكانت روايتها عنه . ومدام دولا فايت ، هجرت زوجها ، فغنت في الأميرة د كليف ، ونشدت الحبيب الذي كانت تود ومدام دستال ، تزوجت فخاب أملها ، فصورت الرجل الذي حلمت ان تحكمه . وجورج صاند ، صورت لذائذ لياليها الحمر ومدام كوليت ، و إذن فقد عرفن رواية الحب . . ولكن هل عرفن شروطها وقوانينها . . ولم لا تجد بين روايتهن رواية تسامي ما كتب زولا أو بلزاك ؟ الجواب أن المرأة لا تستطيع الإبداع ، كما يقول فاليري . والرواية تتطلب خلق عالم واسع ذي صفات خاصة ، وأبطال مختلفين وتتطلب قدرة علي الخروج من ( الذات) وتصوير (ذوات) الآخرين . والمرأة لا تستطيع أن تتجرد عن ذاتها ، لأنها تري الأشياء كلها تحت تأثير عواطفها وطباعها
إن الكاتب يبدع أبطاله من مواد يستمدها من ذاته هو لا يعرف غير نفسه ، إن ما يعرفه عن الاخرين ليس إلا نتيجة المقايسة المتواصلة بين المظاهر الطبيعية التي يراها في غيره ، والحركات الذاتية الخاصة التي يشعر بها والنساء لا يقدرن على هذه المقايسة المتواصلة ليعرفن دقائق الأشياء ؛ ولسن قادرات على تجريد مواد من انفسهن وطبعها بطابع الاخرين ، ولذلك كانت بطلات رواياتهن تدل على المؤلفات انفسهن . إن الاميرة دكليف ودلفين وكورنين ، وإنديانا ، وفالنتين ، وليليا ، وكلودين . هن مدام دلافييت ، ومدام دستال ، وجورج صاند ، ومدام كوليت ، مجردات عن العبوب التي كانت فيهن
وعجز المرأة عن الإبداع في الرواية ، دفع احد نقاد الأدب إلي القول : إن هذه الروايات لا تختلف كثيرا عن أقاصيص العجائز حول المدفأة في الشتاء
ولندع الرواية ولننتقل إلي الدراما ، فهل يرهن فيها ؟ إن فن الدرامة يتطلب الدقة والإيجاز ، ولابد للكاتب من الاختفاء وراء ابطاله . والنساء غير قادرات على هذا ولا ذاك لقد كتب نساء من النساء بعض الدرامات ، ولكنهن كن في تاريخ المسرح نكرات لم ينوه أحد ببراعتهن أو إجادتهن
أي أديبة أبدعت مسرحية كمسرحيات راسين أو كورنيل . وآية امرأة استطاعت ان تضحك من صواحبها حسدا أو بغضا . ولكنها لا تحسن الإضحاك لأنها لا تبرع في تصوير الشاذ . إن وصفا من أوصاف موليبر لا نسيست أو كريزال أو هارياغون ، معجزة بالنسبة المرأة . إن موليبر كان يتخذ من العيوب التي يري بذورها في نفسه صورا يخرجها ويوسعها ويحورها ، ويظهر الشذود فيها ، لأن الرجل قادر على ان ينقد عيوبه ويضحك منها ، أما المرأة فإنها تخاف ، تخفي كل عيب منها ، وتخشى كل شذوذ يفقدها محبة الناس ، فكيف تصور ما فيها أو في أخواتها من شذوذ لتبرع في الملهاة ؟
وفي الأنغام والألحان ماذا أبدعت ؟ إن الأصوات التى هزت البيد ، واهتزت لها القصور ، كانت من صنع ميد والغريض وإبراهيم وإسحاق ومخارق . لقد كانت المرأة مقلدة دائما ....وأى موسيقية تذكر اليوم بجانب بتهوفن ، وسزار فرانك ، وفاغنر
ولا تنظري إلي التاريخ ، ولا تفتشي عن سيدة سميت " مؤرخة " . إن التأريخ يحتاج إلى فكر نقاد مجرد عن الهوي ، كي يميز ، في الحوادث ، الصحيح من الباطل ، ويتطلب بصرا نافذا يدرك الصلات الخفية بين الحادثات . فابن اجد ، بالله ربك ، هذي الصفات من النساء ؟ بل لم نذهب بعيدا . أعرفت واحدة جمعت الحوادث جمعا ؟ام هل سمعت بامرأة حذت حذو المسعوي أو الطبري ، او
ابن الأثير -
ولن أبحث في العلم أو الفلسفة ، أو النحت والتصوير . والظاهر الحق ، أن حدود نبوغ المرأة ضيقة جدا ، وأن نصيبها من العبقرية ضئيل
إن من الجميل ياسيدتي أن تطعني علي الرجال ، ومن الطريف ان تقولي : إنهم يغمزون من قناة النساء لبغض أو حب أو شهرة . فقد يكون هذا ، وقد لا يكون . ولكن الحقيقة أن النساء لم يصنعن منذ القدرع شيئا يداني ما صنع الرجال . أنا أذهب إلي أبعد من هذا ، وقد أكون مصيبا ، إن النساء لم يخلقن لهذا ، وإن هذا الذي يحاولنه من ادب وتلحين وتمثيل ، هو وسيلة لإرضاء الرجال . إن هذا يحتاج إلي تفصيل ، وسأعود إليه . ولكن اسمعي ياسيدتي ، إن ناسا من المؤرخين يقولون : حتى هذه الآثار المتوسطة التي تركتها النساء صنعت بفضل الرجال ؛ كتبها أو أشرف عليها أصدقاؤهن أو عشاقهن أو أزواجهن وكيف نذكر مدام دلافايت ولا نذكر لاروشفولد أو مدام دستال ولا نتمثل أصدقاءها ، أو جورج صاند ولا نلمح طيوف عشاقها ، أو مدام كوليت ولا يظهر لنا فيلى
ومن يدري ؛ فلعل سيدتي الفاضلة ، ستكون بما أوتيت من نصوع الاسلوب وقوة السبك ورهافة الذوق ، أول امرأة تكتب أثرا خالدا يسامي آثار الفحول من أرباب العقول
( دمشق )

