الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 284الرجوع إلى "الثقافة"

نبوغ المرأة وحدوده، عراة وحدوده

Share

كان الأستاذ العقاد نحا نحو شوبنهور في قوله إن النساء جنس غير فني وبمقال نشره في الرسالة منذ شهور وقد ساق الادلة على قوله ، وعلله احسن تعليل . وثارت الأديبة البارعة السيدة وداد سكا كيني ، وطعنت على الرجال ، ونسبت هذا التحامل على المرأة إلي حقد الرجال عليها واللهو بها ، بسبب شهرة يبغونها ، أو تشفيا من حسناء يحبونها .

وكأن السيدة وداد تريد أن يعترف الناس بالنبوغ والعبقرية ، ويحب الا يقال إن المرأة تخلفت عن الرجل . في مضار الفنون ، ولعلها تود ايضا ، ان يكون للمرأة ما للرجال من الرفعة والسمو . . وهذه عاطفة فيها كثير من اللطف الذي عرفت به الأديبة الفاضلة

والخلاف بين الأستاذ الكبير ، والأديبة البارعة عظيم تري أي حدود يبلغ نبوغ النساء وأي نصيب من العبقرية يؤتين ؟

هيا بنا يا سيدتي . . لنمض معا نستعرض الحسان من أقدم الأزمان ، لنري الحد الذي بلغته عبقريتهن ، والمحل الذي سما إليه نبوغهن في الأدب والفن

هذا حفل عظيم من الأدباء والأديبات ، في حدائق ورياض . ننظر فنجد الشعراء والشاعرات ، والقاصين والقاصات ، والكاتبين والكاتبات ، والمثقفين والمثقفات ، وما شئت أيضا . كل يحنو علي زهرات قالوا إنهن نتاجه في الدنيا . ثم يحدق فتري الرجال في هذا الحشد أكثر عددا ، وأوفر عزا زهورهم رفافة اللون ، ساطعة الطبيب . ولعل في كل مائة اديب ثماني اديبات . ليت شعري لماذا كثر الأدباء يا سيدتي وقلت الأديبات ؟

لا تعترضي ، ولا تشيري اليهن نعم هذي مدام

رسيفينية ، ومدام دريغاند ، وجولي رابسبيناس ، أن زهراتهن زاهيات اللون وإن رسائلهن كن بارعات ، فيهن الرقة والسذاجة . اعترف أنهن يذدن الرجال . إن رسائل تكتبها مدام دريفاند وصواحبها ، كلها خفة ولطف ، لأظرف ، للتسلية ، من رسائل يكتبها بلزاك فيحشوها فكرا وفلسفة ؛ إنها تبعث في النفس الملل ، وتدفع إلي بذل جهد عقلي . أما رسائل النساء فخفاف علي النفس . لقد قضى التأمل والإغراق في التفكير علي فن الرسالة عند الرجال انقلبت الرسالة إلي كتاب ، فقدت سذاجتها ، وذهب رواؤها ، لكنها أضحت أقرب للخلود فيما يخلد من نتاج الفكر كل هذا صحيح يا سيدتي ، إنهن برعن في الرسائل . ولكن أتساءل : أين بقيت هذي الرسائل لم نسيها الأدب فيما نسي ؟ احقدي على الهاتف الذي قضى على ما كان يعتز النساء به . إن محادثة قصيرة لتغني عن الرسالة . واحقدي أيضا على الآلة الطابعة ياسيدتي ، لقد اختصرت تلك الساعات الطوال التي كن يقضينها في كتابة الرسائل وتنميقها وزركشتها . ولك ان تفخري بمازال بعد ذلك

وماذا أيضا . ؟ أأولئك الشاعرات تريدين ؟ لقد عرف كل عصر شاعرة أو شاعرتين بين مئات الشعراء . هذه " ماري د فرانس " وتلك " كريستين د بيزان " ، وهناك " لويز لاته " وهنا " كونتيس د نوابل بل هذي خنساؤك يا سيدتي وبجانبها عريب وجنان ، وفضل وعنان لقد قلن الشعر ونظمن ، ولكنهن لم يبرعن فيه ولم يبدعن انصرفن إلي الشعر العاطفي . وكان شعرهن صرخات ارواح هائجات ضعاف ، بكاء شديد ، زفرات حب قوي ، حنين إلي الرجل ، احلام عذاب شعر بسيط ساذج ، ما أبعده من شعر مصقول ، مهذب ، مرصع ، حشوه الفكر اللطاف ، ذي رنين وإيقاع . شعر هو وليد الفن ، كشعر فاليري أو أبي تمام

إن شعر النساء محصول وحي سريع ، لا تأمل ولا رؤية فيه . أما شعر الفحول فهو محصول العقل والقلب يصطادون الفكرة ، وينتقون اللفظه ، ثم ينصفون ويرفقون ، ويصلون ويفصلون ، فإذا امامك قطعة من الماس قطعة تغري ، فيها قوة ورقة وإبداع هل تقايسين شعر دى نوابل أو الخنساء يشعر بشار او مسلم أو لا مارتين . بله فاليري أو أبي تمام ؟ حتى الشعراء الذين كانوا أرق رقة من النساء في وصف الحزن والفرح والهوي . كالعباس ، أو لا مارتين يروا ما قلن ايضا لأن شعرهن يبقي ساذجا ، في حين  يمضى شعر أولئك نحو الفن الصافي الذي يتطلب الخلق والإبداع .

والروائيات . . لا بأس لقد تلطف الأستاذ العقاد فقال إن في النساء روائيات مجيدات ، ثناء لطيف جميل . ولكن اتساءل : أكان للنساء في رواياتهن هدف فني  لقد كانت رواياتهن تسجيلا لكل ما يقذف به خيالهن وعواطفهن بلا تهذيب ولا ترتيب ؛ وهن . بعد لم يعرفن  ضروب الرواية كلها : السيكولوجية ، والفلسفية والتحليلية . . وإنما عرفن لونا واحدا منها . عرفن رواية الحب ، فالحب في ألوانه كان مدارا لرواياتهن . صحيح أن الحب يشغل روايات الأدباء ، ولكن الأدباء يتخذون من الحب وسيلة لصيد قلوب القراء والقارئات ،  إن لديهم أمورا اخري من ضرورات الحياة يديرون رواياتهم حولها ؛ أما المرأة ، فليس لديها سوى الحب ، هو القضية الكبرى في وجودها هي تحلم في صباها بالحب الذي يوسع آفاق حياتها الضيقة ، وهي تغني ، بعد زواجها بنعيم الحب إن سعدت ، أو تندب هذه السعادة إن شقيت

وتاريخ المرأة يؤيد هذا هذي المراة الفرنسية ، مثلا ، كانت قبيل العصور الوسطي تغني بالحب والحبيب في ظلام غرفتها ، فلما خرجت من سجنها ، واجتمعت باخواتها تحدثت عن الحب ، ووضعت قواعد للحب ، وعظمت

عواطف الحب . وعندما القت أول رواية كانت عن الحب . هذي الأنسة د سكوديري ، فتاة عانس حلمت طوال حياتها بالحب ، فكانت روايتها عنه . ومدام دولا فايت ، هجرت زوجها ، فغنت في الأميرة د كليف ، ونشدت الحبيب الذي كانت تود ومدام دستال ، تزوجت فخاب أملها ، فصورت الرجل الذي حلمت ان تحكمه . وجورج صاند ، صورت لذائذ لياليها الحمر ومدام كوليت ، و إذن فقد عرفن رواية الحب . . ولكن هل عرفن شروطها وقوانينها . . ولم لا تجد بين روايتهن رواية  تسامي ما كتب زولا أو بلزاك ؟ الجواب أن المرأة لا تستطيع الإبداع ، كما يقول فاليري . والرواية تتطلب خلق عالم واسع ذي صفات خاصة ، وأبطال مختلفين وتتطلب قدرة علي الخروج من ( الذات)  وتصوير  (ذوات)   الآخرين . والمرأة لا تستطيع أن تتجرد عن ذاتها ، لأنها تري الأشياء كلها تحت تأثير عواطفها وطباعها

إن الكاتب يبدع أبطاله من مواد يستمدها من ذاته هو لا يعرف غير نفسه ، إن ما يعرفه عن الاخرين ليس إلا نتيجة المقايسة المتواصلة بين المظاهر الطبيعية التي يراها في غيره ، والحركات الذاتية الخاصة التي يشعر بها والنساء لا يقدرن على هذه المقايسة المتواصلة ليعرفن دقائق الأشياء ؛ ولسن قادرات على تجريد مواد من انفسهن وطبعها بطابع الاخرين ، ولذلك كانت بطلات رواياتهن  تدل على المؤلفات انفسهن . إن الاميرة دكليف ودلفين وكورنين ، وإنديانا ، وفالنتين ، وليليا ، وكلودين . هن مدام دلافييت ، ومدام دستال ، وجورج صاند ، ومدام كوليت ، مجردات عن العبوب التي كانت فيهن

وعجز المرأة عن الإبداع في الرواية ، دفع احد نقاد الأدب إلي القول : إن هذه الروايات لا تختلف كثيرا عن أقاصيص العجائز حول المدفأة في الشتاء

ولندع الرواية ولننتقل إلي الدراما ، فهل يرهن فيها ؟ إن فن الدرامة يتطلب الدقة والإيجاز ، ولابد للكاتب من الاختفاء وراء ابطاله . والنساء غير قادرات على هذا ولا ذاك لقد كتب نساء من النساء بعض الدرامات ، ولكنهن كن في تاريخ المسرح نكرات لم ينوه أحد ببراعتهن أو إجادتهن

أي أديبة أبدعت مسرحية كمسرحيات راسين أو كورنيل . وآية امرأة استطاعت ان تضحك من صواحبها  حسدا أو بغضا . ولكنها لا تحسن الإضحاك لأنها  لا تبرع في تصوير الشاذ . إن وصفا من أوصاف موليبر لا نسيست أو كريزال أو هارياغون  ، معجزة بالنسبة المرأة . إن موليبر كان يتخذ من العيوب التي يري بذورها في نفسه صورا يخرجها ويوسعها ويحورها ، ويظهر  الشذود فيها ، لأن الرجل قادر على ان ينقد عيوبه ويضحك منها ، أما المرأة فإنها تخاف ، تخفي كل عيب منها ، وتخشى كل شذوذ يفقدها محبة الناس ، فكيف تصور ما فيها أو في أخواتها من شذوذ لتبرع في الملهاة ؟

وفي الأنغام والألحان ماذا أبدعت ؟ إن الأصوات التى هزت البيد ، واهتزت لها القصور ، كانت من صنع ميد والغريض وإبراهيم وإسحاق ومخارق . لقد كانت المرأة مقلدة دائما  ....وأى موسيقية تذكر اليوم بجانب بتهوفن ، وسزار فرانك ، وفاغنر

ولا تنظري إلي التاريخ ، ولا تفتشي عن سيدة سميت " مؤرخة " . إن التأريخ يحتاج إلى فكر نقاد مجرد عن الهوي ، كي يميز ، في الحوادث ، الصحيح من الباطل ، ويتطلب بصرا نافذا يدرك الصلات الخفية بين الحادثات . فابن اجد ، بالله ربك ، هذي الصفات من النساء ؟ بل لم نذهب بعيدا . أعرفت واحدة جمعت الحوادث جمعا ؟ام هل سمعت بامرأة حذت حذو المسعوي أو الطبري ، او

ابن الأثير -  

ولن أبحث في العلم أو الفلسفة ، أو النحت والتصوير . والظاهر الحق ، أن حدود نبوغ المرأة ضيقة جدا ، وأن نصيبها من العبقرية ضئيل

إن من الجميل ياسيدتي أن تطعني علي الرجال ، ومن الطريف ان تقولي : إنهم يغمزون من قناة النساء لبغض أو حب أو شهرة . فقد يكون هذا ، وقد لا يكون . ولكن الحقيقة أن النساء لم يصنعن منذ القدرع شيئا يداني ما صنع الرجال . أنا أذهب إلي أبعد من هذا ، وقد أكون مصيبا ، إن النساء لم يخلقن لهذا ، وإن هذا الذي يحاولنه من ادب وتلحين وتمثيل ، هو وسيلة لإرضاء الرجال . إن هذا يحتاج إلي تفصيل ، وسأعود إليه . ولكن اسمعي ياسيدتي ، إن ناسا من المؤرخين يقولون : حتى هذه الآثار المتوسطة التي تركتها النساء صنعت بفضل الرجال ؛ كتبها أو أشرف عليها أصدقاؤهن أو عشاقهن أو أزواجهن وكيف نذكر مدام دلافايت ولا نذكر لاروشفولد أو مدام دستال ولا نتمثل أصدقاءها ، أو جورج صاند ولا نلمح طيوف عشاقها ، أو مدام كوليت ولا يظهر لنا فيلى

ومن يدري ؛ فلعل سيدتي الفاضلة ، ستكون بما  أوتيت من نصوع الاسلوب وقوة السبك ورهافة الذوق ، أول امرأة تكتب أثرا خالدا يسامي آثار الفحول من  أرباب العقول

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية