فى مثل هذا الحر الشديد يعترى الجسم كثير من الخمول والضجر، فلا يكاد الإنسان ينشط لحركة، ولا يكاد يرتاح لفكر، فلا عتب علي إذا كنت أنظر إلي الأمور نظرة مضطربة، ولا أكاد استقر فى فكرى على جادة . فالإفكار توارد كما نشاء، لا كما أريد، ولا أمملك لها قيادا فى هذه السفير الموقدة
ولقد ذهب الناس إلى شواطئ البحار، وإلى ما وراء البحار، ليروحوا عن أنفسهم . فيا حبذا نسمة من نسائم الأصيل على جانب الكورنيش، ويا حبذا غطسة فى مياه سيدى بشر، ولكن هيهات ! إنما يذهب إلى تلك الربوع من يستطيع، لا من يتمنى . والذى يمنع الكثيرين من امثالى إنما هو اننا نجلس هنا فى القاهرة على الكراسى فى مكاتب المصالح العامة، لكى نستقبل سبولا من اصحاب المصاح، وسهولا أخرى من الزائرين المترددين على دواوين الحكومة يلتمسون الوسائل و "الوسائط" لإنجاز الأعمال،
ونسأل الله إصلاح الأحوال . وعلى ذكر الكراسى يخطر بيالى قصة يرويها أصحاب الأخبار عن الأمين بن الرشيد، وقد كان الامين فى صباه غنى حسنا جميلا وربما، وأغلب ظنى أنه كان ذكيا اربياً، وقد ظلمه التاريخ وسود الأبيض من صحائفه، لأنه عند ما صار خليفة حارب أخاء ، فخانه الحظ، ورجع من الميدان بالهزيمة، ثم ضعف امره حتى حصر ثم قتل، فإذا الناس كملهم ينقلبون عليه ، كما ينقلب الناس هنا على حكومات العهود الماضية . وتضافر أصحاب الأخبار على تلويث سمعته ، وتشوبه أخباره ، وقلب محاسنه إلي مساوى . وكثيرا ما كانوا يخترعون الأكاذيب عنه ، حتى لقد صدق فيهم المثل القديم الذى يقول "ويل للمثلوب "،
أما القصة التى اقصدها فقد وردت فى كتب الأدب ، ولا شك ان كل القراء يعرفونها ، فلا حاجة بى إلي الإفاضة فى سردها . قيل إن أباه هرون الرشيد أحب أن يمتحن ذكاءه فى صياه ، فبعث إليه أستاذا يطارحه فى الأدب ، وكان الأستاذ غير موفق فى امتحانه وكهؤلاء السادة الذين يضعون أسئلة الامتحانات العامة فى مصر . فاكتفى بأن الف له مصراع بيت من الشعر السخيف ، وطلب إليه ان يبنى فوقه قصيدة بليغة . والمصراع هو : " نحن بنى العباس " .
ولا شك عندى فى أن الفتى " الأمين " نظر إلى الشيخ نظرة ازدراء عندما سمع سؤاله ، ولو كنت أنا فى موضع الأمين لفعلت هذا ، واحسست الغيظ يملأ قلبى ، فما بال ذلك الشيخ وأمثاله من المتحنين يجبهون الناس بمثل هذا الأسلوب السخيف لإعجازهم عن الجواب ؟ ولست اليوم الأمين على أنه اجاب على سؤال شيخه إجابة سخيفة ساخرة، فقال له يتم البيت :
نحن بنى العباس نجلس على الكراسى ولو كان كل فتياننا أذكياء كالأمين، ويحسون مثله لأنفسهم كرامة، وكانوا ممن وهب الله لهم جاهاً مثل جاهه لا تخشى معه العقوبة ، وكانوا ممن وهب الله لهم نعمة النظر إلى الأمور بعين فكهة، تنظر إلى الأمور نظرة فاحصه، فيستطيعون إدراك ما فى اقوال الناس وافعالهم من سخف، ثم يردون عليها بما توجيه إليهم نفوسهم الكريمة من فكاهة ساخرة - أقول لو وهب الله لفتيانا مثل هذا لكانوا يجيبون على كثير من أسئلة الأمتحانات العامة بمثل جواب الفتى السياسى الفكة .
لقد أتم الأمين البيت ، فصار من الأمثال السائرة ، فكل أديب يعرفه ويرويه : نحن بنى العباس . نجلس ع الكراسى .
ولست أدرى هل يحتوى الأدب العربى على كثير من مثل هذا البيت الذى ينطوى علي سخرية مهنية عميقة تتم عن مثل هذا الذكاء العالى ، ومثل هذه النفس الكريمة الجديرة بسليل بيت الخلافة العظمى ؟
لقد كان الأستاذ المتحن أولى بالسخرية وألحق يلوم أجيال الأدباء من ذلك الأمير الصغير الذى أجاب على السؤال السخيف، مما يتفق وسخفه وما يظهر الاستخفاف ولكن ما علينا من ذلك، فقد طالما ظلم التاريخ سير الناس ، ولم يكن الامين العباسى بأول من خلفهم ولا بآخرهم .
ومهما يكن من الأمر فقد كان هذا البيت يتمثل لى كلما رأيت قوما من ادعياء المنظمة . فكنت أكروه واعيده لنفسى ، فأجد فى تكراره راحة ، إذ يتنفس به صدرى من غيظه . فهناك طائفة من الناس قد وهبت لهم الاقدار حظوظا لا فضل لهم فيها . فمنهم من يولد فى القائم الذهب ، وهو لا يسوى ان يلف إلا فى خرق من الدمور ،
ومنهم من يوققه الله إلي من يستندونه فى الحياة ، فيعلو قدره بين الناس ، وهو فى حقيقته لا يستحق إلا ان يكون نابعا حقيرا ، ومنهم من تسخو عليه الاقدار بعنوان يكتب فوق صدره ، كما يطبع الاكليشه على الورقة الخسيسة فتصبح ورقة مالية من فئة الجينهات الثالثة ، مع انه لو تجرد من هذا العنوان المطبوع لسكان من أقل الخلق شأنا
وهؤلاء جميعا نتيح لهم الحياة أوسع ما فيها من الفرص ، وتقسيم لهم اماكن الصدارة فى كل اندينها ، فقد يكون منهم المصرف لشئون الناس ، وقد يكون منهم الأعيان والأقوياء ، وقد يكون منهم اصحاب الرأى والشورى ، أو أهل الحل والعقد كما يقولون .
على أن هؤلاء جميعا مع كل ما وهبت لهم الأقدار ، وكل ما حبتهم به الحياة لا يستطيعون ان يظنوا فى الحياة شيئا . فهم لا يحسنون إلا أن يجلسوا على الكراسى
وليس هذا الصنف من الناس مقصورا علي بلد دون بلد ، ولا قطر دون قطر . فكل البلاد بحمد الله فى ذلك البلاء سواء وإنما تختلف البلاد بعضها عن بعض فى مقدار ما فى كل منها من هؤلاء ، فبعض البلاد ،يمتاز بكثرة منهم بتربعون فوق الكراسى ، وبعض البلاد يمتاز منهم بقلة صغيرة ولست أدرى مقدار ما بلغته بلادنا العزيزة مصر ىي هذا المضمار . ولكنها ينير شك لا تخلو من وجود عدد من هؤلاء الذين لا يحسنون إلا مجرد الجلوس على الكراسى . والبلاد التى تصاب بكثرة هؤلاء تكون جديرة بالرئاء . فإنهم مثل الأعضاء المصابة بالتعفن لا يقتصر ضررها على نفسها ، بل تهدد الاعضاء الأخرى بالخطر الجسيم
فالناس جميعا يودون لو استطاعوا ان يجلسوا فوق الكراسى الوتيرة ، لأن ذلك اسهل من العمل المضئى ، وهو بلا شك أحب من ثمن القلب ووجع الدماغ
فوجود واحد من هؤلاء الذين يجلسون على الكراسى فى ديوان من الدواوين كفيل بأن يحرض الكثيرين على طلب الجلوس على تلك الكراسى، ووجود واحد منهم فى صدر مجلس من المجالس العامة كفهل بأن يطمع الناس فى صدارة المجالس العامة . وأى شىء أحب إلى نفوس الناس من جاء بحر المغانم ، ولا يكلف المشقة ؟ وأى شيء أكثر إغراء من مظهر رائع لا يسئل فى سبيله جهد قاطع ؟ إن بيت الأمير العباسي " الأمين" وثيقة تاريخية لها دلالة كبرى فى أيامنا هذه فنحن لم تتقدم خطوة واحدة هما كان عليه حال الناس فى أيام هرون الرشيد . فإن الامين قد خلد فى الأدب العربى سخريته اللاذعة من الذين يجلسون على الكراسى ، ولا يتكلفون فى الحياة مشقة . وها نحن أولا فى القرن العشرين ما نزال نرى بين ظهرانينا من يتربعون فوق كراسيهم ، ولا يكلفهم ذلك الجلوس سوى الظهور بالعظمة الجوفاء .
أما يحق لما أن نفزع من أنا لم تتقدم فى مدة هذه القرون الطويلة ؟ أما يجب علينا ان ننتقل فى هذا العصر الديمقراطى إلى الأمام خطوة ؟
إن لكل شئ ثمنا، وثمن العظمة ثقيل لو وجدت فى الحياة سوقها. فهل لنا أن نجمل العظمة عندنا سوقا ؟ اما من سبيل إلى تحديد تسعيرة دقيقة لاثمان الكراسى وواجباتها حتى لا يطمع فيها إلا من يستطيع ان يؤدى عنها، ومن يقدر أن يملأها، ويقوم بحقوقها، ويؤدى واجباتها ؟
يقولون فى المثل الفرنسى : " إن النيل له أعباء " Noblesse obige . وما أحرانا ان نترجم هذا المثل قائلين : إن للكراسى حقوقها على من يستوى عليها .

