أخي محسن! في العدد السادس من مجلة " الفكر " قرات تلك العجالة . . التى كتبتها عن ( الشعر العربي المعاصر ) فاثارت في نفسي نقط استفهام ، اردت ان اوجه بها اليك على صفحات الفكر ، عسى أن تحظى منك بجواب مقنع ، او مقال ايضاحي ، يكشف ما عزب عني ، وقد يكون عزب عن سواي من قراء عجالتك . فافعل مشكورا سلفا ؛ وتقبل اخلص تحيات اخيك . ب . ع .
١ - تثبت عجالتك ان الشعر العربي المعاصر ثورة . . وانها ظهرت بذورها منذ ظهر أول شعر عربي للوجود . ولتأكيد ذلك عددت جمعا من الشعراء الذين وضعوا - في رايك - لبنات في هيكل هذا الشعر الثوري ، فكدت تذكر شعراء العربية كلهم .. لا بل انك ذكرتهم كلهم ، لانك سميت زعماء المدارس الشعرية المختلفة او جلهم .
ولقد هممت ان اكتب اليك هذا السؤال : اذا كانت الثورة مزية وكان كل من سميتهم من الشعراء ثائرين ، فما مزية الثائر المعاصر على الثائر القديم ؟ اني لارى الفضل للمتقدم ، لانه ثار دون أن يرسم له خطة الثورة احد ، فهو الذي فتح باب الثورة على مصر اعين او مصراع ، او هيأ الاسباب لفتحه في الاقل هممت أن اسألك هذا السؤال ، ولكنى عدلت بعض العدول لسببين :
أولهما : انك تقول : ان " الشعر العربي المعاصر ... ثورة على الشعر العربي القديم " نفسه .
وثانيهما : انك قد تجيبني بأن الشاعر القديم خاب في ثورته ، اما الشاعر المعاصر فقد افلح في تلك الثورة وحققها فعلا . ولا اقول انك قد تجيبني بهذا تكهنا او رجما بالغيب ، بل لاني قرأته بين
سطورك وان لم تقله كلماتك ، ففي وسع اى قاريء ان يجد هذا المعنى منبثا هنا وهنالك في عجالتك .
على اني ءاثرت ان اثبت هذا السؤال هنا ولو اني عدلت عنه بعض الشيء ، رجاء ان تجد له جوابا غير ما التسمت له من كلامك ، وبغية ان اصدر عنه الى سؤال جديد :
٢ - ادا كان الشعر العربي الحديث ثورة على الشعر العربي القديم نفسه فلم لا تعتبر ثورته جديدة مستقلة عن الثورات السابقة ؟ اليس قد خالف القديم فيما يريد تحقيقه ، وخالفه في وسائل التحقيق التي جعلته يفلح على ما المعنا اليه - ان كان ما المعنا اليه في الجواب يرضى ! ؟
واذن فما بال الاستاذ محسن يتشبت بالماضي ، ويأبى الا أن يعرفنا بسبقه الى ثورة ؟
لو كنت يا استاذ تؤرخ الادب ، او من انصار الشعر العربي القديم ، او بصدد الحديث عن هذا النوع من الشعر ، لعذرناك ؛ ولكن لا شئ من ذلك ، فانت شاعر "معاصر . . . " بنزعتك وانتاجك ، وانت ابعد ما تكون في عجالتك عن التاريخ الادبي العام ، لانك بصدد الحديث عن ( الشعر العربي المعاصر ) خاصة ، وعنوان عجالتك شهيد .
وذكر ( العجالة ) يفضي بي الى ملاحظة اخرى ، كان اعتبارها يفرض عدم التعرض للشعر القديم وثورته ، هي اعتراف الكاتب ان ما يكتبه ( عجالة ) . فلو كان الكاتب في سعة من الامر لساغ له أن يبحث عن الاصول والمنابت ، وان تكن قد اهملت او اميتت ؛ اما وهو يعلن أن ما يكتبه عجالة . . . فان مقام العجالة يضطره الى صياغة خاصة ، ومن آكد ما تمتاز به تلك الصياغة الاختصار ، بحذف ما لا يقدم في الموضوع ولا يؤخر ، بل وبحذف بعض ما لا بد منه في الموضوع احيانا .
لم يبق - اذن - مبرر لذكر ثورة الشعر القديم وشعرائه ، لهذا الانقطاع المطلق - فيما ارى طبعا - بين الثورة الجديدة والثورة القديمة ، من حيث الطبيعة ومن حيث الملابسات ومقضيات الصباغة .
٣ - ثم اود ان اسأل الاستاذ : لماذا افسد علينا تلك الصورة الرائعة التي تشبه الشعر العربي بدوحة ، لا يملك المتاخرون ممن انتجتهم ان ينتشروا في الفضاء
الرحيب الطلق افنانا باسقة زهراء ، دون أن يستندوا الى اصل ثابت من ذلك الشعر القديم .. العريق فى القدم كما يريد الاستاذ ان يقول .
لقد افسدت علينا يا استاذ هذه الصورة عندما اكدت لنا ان " الشعر العربي المعاصر . . ثورة على الشعر العربى القديم ، في مفهومه ومضمونه . . "
ارايت كيف اصبحت دوحتك الباسقة بما صنعت بها جدباء مواتا ؟ ارايت كيف جذمتها جذما فقضيت عليها بالفناء وان كانت في واقع الامر تحيا ؟
فعلت ذلك عندما اعتبرت ان الشعر المعاصر افنان باسقة تقوم على ساق من الشعر القديم ثم اذا انت تجزم ان الشعر المعاصر قد اعلن الثورة على ساقه تلك وافلح في ثورته فقضى عليها ؟ او ليس القضاء على الساق قضاء على الفروع يا استاذ ؟
تعال معي ننظر اية صورة شوهاء بالغة الخطر اصبحت صورتك الرائعة تلك . انها اصبحت اشبه صورة بذلك العامل الذي اعتلى السلم لبعض عمله ، ثم بدا له وهو في اعلى درجة منه فمد الى اسفل السلم او نصفه بعض ما بيده من آلاته وقطعه قطعا فظيعا ، لم يبق منه رجلا سليمة ولا درجة صحيحة ان عاملنا هذا سيهوي الى الارض حتما ، وسيغدو في عالم الاخبار مثلا للفلتاء وكذا الشعر الحديث الثائر على ما صورته
واذن ، فانت يا استاذ خاطيء في ان الشعر المعاصر ثورة على الشعر القديم نفسه ، وان لم تكن خاطئا في هذا فانت خاطيء في صورتك الشعرية الرائعة التي صورت بها العلاقة بين الشعرين فى اول عجالتك .
على اني لم افهم قوام الثورة على الشعر القديم بالضبط ؟ اهي ثورة على الشكل ام على المضمون ام عليهما ؟
اعلنت لنا في الفصل الاول من عجالتك ان " الشعر العربي المعاصر . . ثورة على الشعر العربى القديم ) في مفهومه ومضمونه ) " فلم تتعرض للشكل والصياغة ومن قبل هذه العجالة خلطت في احدى كتاباتك ( ١ ) بين المضمون والشكل أذقلت : .." الشعر العربي الحديث .. هو- قبل كل شيء- ثورة جامحة على الاوضاع والاشكال والتقاليد " فهل تريد بالاشكال غير اللفظية ؟ وفي نفس الكتابة عنيت بالشكل التعبيرى ايما عناية فقلت متحدثا عن جوهر الشعر العربي الحديث : " اصبح فيه الاسلوب والتعبير عاملين اساسيين..."
ولكنك لم تلبث ان هونت من شان الاشكال التعبيرية بعض التهوين فجاء في فقرة من تلك الكتابة : " اما الشكل فهو اسلوب تعبير فني لا غير . .".
وسلكت في القسم الثاني من عجالتك هذا النهج فلم يستقر للصاغة عندك قرار ولا كان لها في الشعر العربى المعاصر قيمة ثابتة في مقالك .
انك ترد اليها الفضل على الشعر الحديث في المكانة التي بلغها فتقول : " ان امكن الشعر العربي المعاصر ان يتبوأ منزلته ويؤثر تاثيره ، ويحقق واقعه فلانه احسن النفاذ الى القلوب " ونفاذه الى القلوب عندك يعود الى الصياغة طبعا او ليست مقالتك السالفة تقول : " اصبح " الاسلوب والتعبير عاملين اساسيين غايتهما الاولى النفاذ الى قلب القارئ "؟!
ولا تكاد تمضي هكذا في تقييم الصياغة ، حتى تعدل عن هذا التقدير لها وتنزل بها عن المكانة التي وضعتها فيها ، والتي تترجم عن نظرة الشعر المعاصر اليها ، فتقول مرة : " اصبح الشكل اسلوب تعبير فني لا غير "
وتبالغ في ذلك مرة اخرى فتعبر عنه بتحرر الشكل " تحررا من العبودية التقليدية الطاغية " وتعبر عنه بتحرر الشاعر العربي المعاصر ، الذي أصبح فنانا لا اكثر ، " فهو حر مطلق الحرية في حبه واسلوب تعبيره " وتدلل على ما تقول بابيات " عبدالرحمن الشرقاوي " :
هل جئت ابحث هاهنا عن شكل تعبير جديد ؟ ،
الشكل .. ان الشكل تعبير تسيل الروح منه
انا لا ارى التعبير شيئا غير ما عبرت عنه
هذه اللامبالاة . . الصريحة عند الشاعر العربي المعاصر بالاسلوب والصياغة وهذه الاستهانة بالشكل منه لا تدع لك - فيما اظن - مجالا لان تقول بعد "فالاهتمام ان كان عظيما في الشعر العربي المعاصر برنة الكلمة ووقعها الموسيقي ... فذلك الاهتمام اعظم بتلاؤم الشكل والطاقة الشعورية المراد التعبير عنها "
لم يبق يا اخي مجال لهذا القول بالتلاؤم بين الشكل والمضمون عند الشاعر المعاصر بعد ان اثبت له ذلك الاستهتار بالشكل بعنوان ( الحرية . . .! ؟ ) ويا طالما هدرت القيم العليا تحت ستار ( الحرية ) واشباهها . . .
لست احد ياصديقي - مجالا لأن استرسل في تسجيل ما استوحيته من عجالتك من ملاحظات فقد اوحت الي لا ان اكتب بعض الاستجوابات وحسب ، بل ان اكتب بحثا مطولا يتناول ( الشعر الحديث بين الشكل والمضمون ) ولكني لم اجد الى انجاز هذا البحث سبيلا ، ولم اجد -كذلك - متسعا لابداء كامل استجوابي لك حول عجالتك . فاقتبل مني هذه ( العجالة . . .) كما يحب صديقنا ( م . م ) ان يسميها ، وعسى ان تعود الى الموضوع فاعود ، ولا عود العقرب والنعال
واليك سلامي

