الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 106الرجوع إلى "الثقافة"

نزعتان

Share

لقد تعجب أشد العجب لهذين الصديقين ، يتلازمان حتى لا يكادا يفترقان فى غدو أو رواح ، فإذا هما اجتمعا لنقاش رأيت فيهما نقيضين لا يجتمعان ؛ ولطالما سعيت إلى مجلس هذين الصديقين أستمتع بما يدور بينهما من حوار ، بعمق أحيانا وبضحل أحيانا ، ولكنهما فيه طرفا نقيض على كل حال ؛ ولست أذكر أنى جالستهما مرة دون أن يرد إلى خاطرى هذا التقسيم الذى اقترحه وليم جيمس ، والذى يقسم الناس شطرين ، يطلق على أحدهما " أصحاب العقول الحساسة " ، ويطلق على الآخر " أصحاب العقول الجافة " ؛ ويضع فى الفريق الأول المتفائلين والمتدينين والموحدين والمحافظين والقائلين بحرية الارادة عند الإنسان ؛ كما ينظم فى الفريق الثانى المتشائمين والملحدين والمتشككين والقائلين بالجبر فى إرادة الانسان والذين يعتمدون فى الرأى على التجربة والحواس .

جلس الصديقان ذات مساء يتحدثان حديثا حافلا شاملا ، كأنما أراد كل منهما أن يبسط نفسه بسطا فلا يخفى من مكنونها شيئا :

- سبحانك اللهم ربى ، قد خلقت هذا الوجود فسويت ، فكأنى بهذى الكائنات أنغام من لحن منتسق جميل ، كل شىء فى الكون يجاوب كل شىء ! انظر إلى غريزة الأمومة عند الحيوان تزداد شدة ورسوخا كلما ازداد النسل ضعفا ، وهى تزداد فتورا كلما كان الصغار أقوى على احتمال الحياة بغير حنان الأمومة ؛ وانظر إلى هذه الزهرات التى لا تخصب إلا إذا وجدت ما ينقل اللقاح من ذكرها إلى أنثاها ، قد بدت أروع ما يكون الزهر جمالا

فى أعين النحل ، فينجذب مشوقا إليها ، ينتقل فرحا مرحا من زهرة إلى زهرة ، فينقل معه اللقاح الخصب من الذكر إلى الأنثى وهو لا يدرى ؛ ثم انظر إلى هذا الذى يرويه هيرودوت من أن الحيوان الخطر - كالأفاعى - لا ينسل إلا قليلا وفى عسر شديد ، لأن خطرها وحده كفيل ببقاء هذا النسل القليل ؛ أما الحيوان الذى يقع فريسة لغيره لعجزه عن الدفاع ولأنه يصلح أن يكون طعاما - كالأرانب - قد مكن له من النسل اليسير الكثير ليضمن البقاء بكثرة الأبناء . . . . تلك وأشباهها - عندى - آيات بينات على ما فى الكون من تدبير حكيم .

- وهى عندى أدلة ناهضات على أن الطبيعة قد قست حتى أسرفت ؛ فهى فى ذلك كرجل أراد أن يصيد أرنبا فى مزرعة ، فأقفل المزرعة على ألوف الأرانب وجمع آلاف البنادق ، وأخذ يصب ناره صبا حاميا ليظفر بالأرانب التى يريدها ، أو كرجل أراد لنفسه بيتا يسكنه ، فابتنى مدينة بأسرها ، سكن منها منزلا وخلف باقيها للدمار ؛ إن هذه الطبيعة ياصاحبى تهلك شيئا لتبقى على شىء ؛ إنها تفنى أمة لتبقى على أمة ، وتقتل فردا لتمهد الحياة لفرد ؛ إنها تتلف زرع الزارع لنسقط المطر ، وتفتك بحيوان ليحيا بلحمه حيوان .

- أرسل بصرك يا أخى إلى الأفق وانظر إلى هذا الجمال الفتان ! أنظر إلى الشفق وقد خضب السماء ، وإلى الأشجار السامقة وقد انتثرت فى نظام بديع ، ثم إلى . . - صه ! ماذا أسمع ؟ إن طائرا يصيح فى هذه الأشجار

نفسها صيحة الفزع ، فلعل طيرا جارحا قد فتك به ليطعم .

- أفهم ما تريد ، ولولا أننا فى صدر الربيع ، حيث الأرض قد لبست زخرفها وازينت فى أعين الناظرين . فانتعش بين أحبائها الأمل والرجاء ، لعذرتك فى هذه النظرة السوداء ؛ إن كل ما حولنا ناطق بنشوة الحياة وجمالها ، وهذه الزهور البائسة وحدها لحقيقة أن تسلكك فى لحن الوجود ، ولكن . . .

- نعم ، كانت هذه الزهور كفيلة بهذا ، لولا أننى رأيت فى طريقى إليك صبيا يبيعها ، وكان الصبى عاريا جائعا لا يرحمه الراحمون ، فقلت لنفسى : أيكون فى الدنيا جمال وبين دفتيها مثل هذا البائس المسكين ؟ !

واتجهت أنظار الصديقين إلى كأنما يستطلعان رأيى ، فقلت : ليس لى معكما رأى ، غير أنى آمنت أن المنطق هراء فى هراء ؛ إن تفكير الانسان متأثر بمزاجه ، إن اعتدل هذا اعتدل معه ذاك ، وإن مال مال ؛ فلا مناص من أن ترى أنماط الناس المختلفة أنماطا مختلفة من التفكير ، ولا سبيل إلى وحدة الرأى إلا إن اتحد المزاج ، وهذا محال ؛ فحسبك أن تعلم عن شخص ما مزاجه لتعلم كيف يفكر ؛ إن الدنيا لتعرض حقائقها أمام أبصارنا ، فينظر كل منا إلى هذه البضاعة المعروضة من ناحية تتفق ونزعته ، والعجيب أن كلا واحد منها ما يؤيد وجهة نظره ، ذلك لأن ميل الانسان يمسك بزمام انتباهه فيوجهه الوجهة التى يريد ، فيرى المتفائل من الظواهر جانبا ، ويرى المتشائم منها جانبا اخر ، ومن مجموعة ما يرى الانسان ينشأ مذهبه .

فقال صاحب العقل الحساس لصاحب العقل الجاف - على حد تعبير وليم جيمس :

- لست أشك فى هذا الذى يقوله فلان ، فلن يصلح

أمرك إلا إن طرحت المنطق الصارم جانبا ، وبدلت من مزاح نفسك لتصبح قادرا على فهم الوجود فهما صحيحا ؛ إنك لن تبلغ حقائق الوجود العليا إلا إن أقبلت عليها إقبالا على غير هذا النحو التحليلى الذى تنهجه ، أما إن أصررت على تشريحه بمبضع العقل الجاف فلن تصل منه إلا إلى قمة باردة لا حرارة فيها ولا حياة ؛ وإن أردت لنفسك الخير فاصطنع فى ذلك أسلوب المتصوفين .

- وما ذاك ؟ - ألا تعمد فى فهم الدنيا إلى عقلك وحواسك ، لأن حقائق الدنيا فوق العقل والحواس ؛ إن التصوف يشترط مزاجا خاصا بغيره لا يمكن الفهم ، ولا يعتد كثيرا أو قليلا بما عند الباحث من علم ومعرفة .

- إن كانت حقائق دنياكم فوق مقدور الحواس والعقل ، فهى عندى ليست جديرة بمشقة البحث والفهم ؛ إننى أدعو كل شىء أمام محكمة العقل ، فإن استطاع أن يبسط نفسه بسطا واضحا فذاك علم صحيح ، وإلا فهو نفاية منبوذة لا أقيم لها وزنا ولا قدرا ؛ إن هؤلاء الذين يفرون من حكم العقل ليحتموا وراء الايمان هم طبقة دنيا من المفكرين ، هم أصحاب عقول عاجزة لا تملك لنفسها دفاعا من هجمات أصحاب العقول المنطقية الراجحة ، إن التقوا بهم فى معترك مكشوف ؛ هم فئة حرموا القدرة العقلية القوية فتراجعوا قائلين إنه حصرم ، وإن حقائق الحياة العليا : الله والنفس وطبيعة الوجود لا يمكن فهمها بالعقل مهما بلغت قدرته .

- قل ما شئت ، وحسبى أن العقل الصرف لم ينتج على مر الزمن إلا فلسفات متضاربة ، ولو ركن هؤلاء الأفذاذ إلى البصيرة لكان شأنهم غير هذا الشأن .

ثم استطرد الصديقان يتجادلان فى شتى نواحى

الفكر ؛ فصاحب العقل الحساس لا يتصور أن يكون الكون مادة تخلو من الروح ، بل الكون عنده نفس كبرى كهذه النفس الانسانية الصغرى ؛ إنه لا يطيق أن يكون الانسان دابة على الأرض لا تربطها بأطراف الوجود أقوى الوشائح ، فذلك فى رأيه يؤدى به إلى عزلة روحية لا يحتملها ؛ وأما صاحب العقل الجاف فلا يريد أن يرى فى الكون إلا ما تدل عليه الحواس : مادة صماء ، وما هذه الحياة الانسانية فى هذا الخضم الزاخر من المادة إلا فقاعة ماضية عابرة ، هي ظاهرة كهذه الظواهر الكثيرة لا أكثر ولا أقل .

وصاحب العقل الحساس يرى فى الإنسان كائنا حر الارادة ، عقله يملى وهو ينفذ ، ولو لم يكن كذلك ما كانت له قيمته بين سائر الكائنات ، وأما ذو العقل الجاف فمن رأيه أن الإنسان لا يملك الاملاء ؛ إن الرغبة فى شىء ما ، تلك الرغبة التى فطرت فى طبائعنا ، هى التى تريد ، والعقل أداة تدبر الطريق الذى يوصل إلى الغاية التى تنشدها الارادة .

يرى العقل الحساس أن الفكرة إذا امتزجت بالعاطفة وأصبحت شعرا ، زاد ذلك من قدرها ، وأما زميله فمذهبه أن العاطفة تقلل من شأنها ، وخير للفكرة أن تصب فى قالب واضح ولفظ مستقيم كالذى تصطنعه العلوم .

للصديقين نزعتان مختلفتان فى كل شىء ، وإلى هاتين النزعتين ينقسم الناس جميعا ، فئة تحس نبض الحياة ، وأخرى لا تبصر حولها غير الموت ؛ فئة يلفت نظرها ما بين الكائنات من أوجه شبه فتوحد الوجود وتوحد خالق الوجود ، وأخرى يلفت نظرها ما بين الكائنات من أوجه خلاف فتحلل الوجود فى المعامل ، فإذا به ذرات كثيرات تكاد تخلو من المعنى ؛ النزعة الأولى هى نزعة الفن والأدب

وما إليهما ، والثانية نزعة العلوم ؛ الأولى تتمثل فى أفلاطون الذى تشابهت فى عينه الموجودات فطواها تحت نماذج من المثل ؛ والثانية يصورها أرسطو الذى حلل كل شىء ونظر إلى الأفراد على أنها حقائق فى ذواتها تستحق البحث والنظر .

النزعة الأولى تسود الفكر الألمانى ، فالوجود على وجه العموم هو الحق والأجزاء لاشىء . ومن ذلك اشتقوا نظريتهم فى الدولة : الدولة هى الحق والأفراد لا شىء ؛ والنزعة الثانية تسود التفكير الانجليزى ، فلا بد فى هذا التفكير من التحليل ، بدأه بيكون وعقبه لوك ، ويمثله الآن برتراند رسل ، فالإجزاء كل شىء والكل ليس إلا مجموعة أجزائه ، ومن هنا استمدوا رأيهم فى الدولة : الأفراد كل شىء والدولة مجموعهم .

وعدت بعد هذا الحوار الجميل معتبرا متدبرا ، فاختلاف الصديقين فى الرأى هو فى صميمه اختلاف بينهما فى المزاج والتكوين ؛ ومن العبث أن يطلب إلى أحدهما أن يفكر على غرار أخيه إلا إذا جاز أن يطلب إلى لابس المنظار الأزرق أن يرى الدنيا كما يراها لابس منظار أحمر ؛ فأخذت على نفسى منذ ذلك الحين أن يكون التسامح عندى أول الأخلاق .

اشترك في نشرتنا البريدية