الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 464الرجوع إلى "الثقافة"

نقل رفات هارون الرشيد، إلى بغداد

Share

عرفت هارون الرشيد وأنا صغير أقرأ على مجلس صغار العائلة ، فى ليالى الشتاء الطويلة ، أقاصيص ( ألف ليلة وليلة ) مقابل أجر لا يزيد على القرش الواحد لكل جلسة ، تدفعه جدتى المرحومة من جيبها الخاص .

وكانت معرفتى له ، يومئذ ، لا تزيد على ما تصفه القصة ، ملكا مترفا مغامرا وكنت أتصوره فى مجلسه : شابا جميلا يرفل فى الدمقس وفى الحرير ، وعليه التاج والجوهر ، وحوله الحسان البيض فى غلائلهن الملونة على أرائك من فضة فى مقاصير من الذهب والبلور ، تطل نوافذها على بغداد الجميلة ذات القصور والجوامع والكنائس .

وأحببت الرشيد حبا جما حين وصفه لنا أستاذ التاريخ فى المدرسة الابتدائية ، قال : ( كان شجاعا تقيا يغزو عاما ويحج عاما . وكان عزيزا مستقلا لا يخاف ملكا أودولة أخرى ، وغيورا على رعيته فلا يقبل التالم على أحدها ، ولو كان فى أقصى الثغور البعيدة ) .

وحدثنا الأستاذ من حكاية الرشيد مع خصمه (نقفور) صاحب القسطنطينية ، فانفجرت حناجر زملائى الصغار بالضحك على أثر سماع نص رسالته التى يقول فى مستهلها : ( من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ) وطار بنا الزهو والفخر كأننا نشاوى من خمرة النصر فى تلك المعركة الموفقة .

ثم مرت الأيام بى ، وانقضى عهد الطفولة ، واسم الرشيد يتردد على سمعى ، فى أناشيد المدارس ، ومن أفواه الخطباء على منابر السياسة ، وفى قصائد شعراء العراق أو الذين يغدون عليه فى الأفراح والمآتم القومية وفى المناسبات .

وشغفت بالأدب العربى ، أقتنى كتبه وأقرأها بإمعان ، وإذا باسم الرشيد يتألق فى كل فصل وحيث يتسع الحديث عن فحول الشعراء كأبى نواس وأبى العتاهية والعباس بن الأحنف ومسلم بن الوليد والعتابى ، وعن كبار الرواة وأساتذة اللغة والنحو كأبى عبيدة معمر بن المثنى والكسائى واليزيدى ، وعن نوابغ المغنيين والموسيقيين كابراهيم الموصلى  وإسحاق وزلزل وابن جامع ، وعن غير هؤلاء ، وكلهم من معاصرى الرشيد وضيوف بلاطه وربائب نعمته . من ذلك أعجبت بهذا العاهل العباسى الجليل وأكبرت شخصيته ولمست مكانه فى ساح المجد العربى ، وإن لم أمعن بعد فى قراءة صحيفة تاريخه .

ثم انحرفت بى سبل الحياة إلى دراسة أخرى فنسيت الرشيد وأهملت مجالس علمه وأدبه ولهوه . ولم يخطر ذكره ببالى إلا لماما ، وحين أمر بآراء أبى يوسف القاضي وأقرانه فى مسألة شرعية أو قاعدة حقوقية ، وطال الفراق بينى وبين ( أبى المأمون ) ، وأبعدنى حب إتمام دراستى إلى ( باريس ) حيث لا يعرف الرشيد إلا من أقاصيص ( ألف ليلة وليلة ) واندلعت نار الحرب الأخيرة ، وانقطع الغريب عن أهله ، وخفت من ضياع الفرصة فاتخذت الأدب دراسة ثانوية لإمضاء الوقت . وعلى غير عمد سجلت ( رسالتى ) ، فى الجامعة ، عن ( الأصمعى ) صاحب الرواية واللغة ، وإذا بالموضوع يقودنى إلى بلاط الرشيد من جديد ويضطرنى إلى البقاء فيه خمسة عشر عاما بجانب الأصمعى .

وهناك عرفت حاشية الخليفة واحدا واحدا ، فجالست الداهية السياسى يحيى بن خالد البرمكى ، وتتبعت خطوات ابنيه الفضل وجعفر وعرفت مكانتهما عند الرشيد، وفهمت عقلية حاجبه الفضل بن الربيع ، وعلمت أسباب بغضه للبرامكة . وأعجبت بقواد الدولة وأركانها ، أمثال يزيد بن مزيد  الشيبانى ، وهرثمة بن أعين ، وعبد الملك بن صالح العباسى .  وسمعت الكثير عن الخيزران أم الرشيد قبل موتها، وعن

سبب تأييدها للوزير يحيى بن خالد ، وعن انتقال سيادة القصر بعد الخيزران إلى زبيدة زوج الخليفة وحفيدة المنصور . وحدثنى الرواة عن كرمها وأنفها وكرهها لآل برمك ، واعتزازها بعروبتها . وأحسست ما كان فى البلاط من صراع خفى بين الشعوبية والعربية مما أفض مضجع صاحب التاج ، فخاف على عرشه أن ينقض ، فصانه بوثبة حازمة أودت بآل برمك فى أولة من غير صبح .

وعلمت من كل هذا أن للرشيد شخصية غامضة كتوما ، استغل غموضها بعض المورخين المغرضين ، فاندفعوا بأهوائهم وميولهم إلى السبل منها حتى توصلوا إلى إظهارها للناس ، فى كثير من نواحيها ، على غير حقيقتها . وقادنى الفكر ، على أثر ذلك ، إلى العمل على إنصاف هذا العاهل الجليل والانتصار للحقيقة من شطط الرواة . فبدأت بالعمل ولكننى ركبت فى ذلك مركبا صعبا ، وجشعت نفسى عملا  شاة بعيد المدى استنفد من عمرى خمسة أعوام ، ولم أنل من  جهودى إلا الرجاء بأن أكون قد اقتربت من الحقيقة وأصبت من الهدف ولو جانبا ، .

بدأت دراستى لحياة الرشيد عام ١٩٤٢ فى باريس ، وكانت الحرب على أشدها ، وحكومة ( الرايخ ) الألمانية المحتلة لفرنسا تسعى لجلب رد الشعب الفرنسى ، وتعمل لإزالة المداء التاريخى المستحكم بين الشعبين ؛ فكان مما قامت به من وسائل الإغراء أنها نقلت فى شتاء ذلك العام ، رفات ابن نابليون الأول ( فرخ النسر ) من(فينا) عاصمة النمسا إلى باريس ودفنته بإحتفال رسمى رائع بجانب قبر أبيه فى قصر ( الأنفاليد ) وكان أول مرقد لنابليون نفسه فى جزيرة ( سنت هيلانا ) ثم نقل إلى عاصمة ملكه . فاوحى لى  هذا الحادث فكرة نقل رفات الرشيد من مدينة ( طوس ) الإيرانية إلى عاصمة ملكه (بغداد) وتطورت الفكرة عندى إلى رغبة ثم إلى واجب قومى عزمت على أدائه عند أول فرصة سانحة . وكتمت الأمر خوف انتشاره قبل

انتهائى من كتاب ( حياة الرشيد ) (1)  ويحت به أول مرة فى طريق العودة إلى المراق فى مجلس الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة وبحضور الأستاذ عباس محمود العقاد . وذلك فى شهر نوفمبر عام ١٩٤٥ ، فوجدت الفكرة عند هؤلاء الأفاضل تشجيعا وتحبيذا .

وبعد شهر كنت فى العراق فكانت أول مقابلتى لوزير المعارف يومئذ ( إبراهيم بك عاكف الألوسى) فحدثته بالأمر وطلبت منه المساعدة ، فوعد بنقل الخبر إلى صاحب السمو الملكى الوصى على عرش العراق ( الأمير عبد الإله ) . ثم كان الجواب ما معناه : إن صاحب السمو يسره أن يرى قبة جليلة تشيد على قبر هارون الرشيد بجانب القبة المشيدة على ضريح مؤسس الدولة العراقية الحديثة جلالة المرحوم ( فيصل الأول ) ، فى المقبرة الملكية ببغداد .

وكان هذا الجواب مفرحا لى ومشجعا ، فاندفعت أحدث بعض الشخصيات العراقية من القوميين . وكان آخر من اتصلت به في العام نفسه ١٩٤٥ فخامة توفيق بك السويدى ، رئيس وزراء العراق فى ذلك العهد ، فوجدت الفكرة مهيأة عنده ، غير أن الفصل كان شتاء باردا ، وكانت الحكومة الإيرانية فى مشكلة داخلية تتعلق بقضية ( آذربيجان ) ، ومن الصعب المفاوضة معها ( دبلوماسيا ) فى هذا الموضوع . فلننتظر إذا .

وفى أثناء بحثى عن قبر الرشيد وموقعه وجدت بعض معلومات مغلوطة قد تسربت إلى أسماع بعض من يهمهم الأمر ، وهى أن جثمان الإمام ( على الرضا ) قد دفن فى قبر الرشيد نفسه ، فمن الصعب التفريق بين الاثنين . والواقع هو ما يأتى :

توفى الرشيد فى منتصف ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة عام ١٩٣ هجرية فى قرية ( سناباذ )

المجاورة لمدينة ( طوس ) فى موضع يدعي المثقب فى بستان قصر (حميد بن أبى غانم ) ، ( رواية الطبرى الجزء ٧٣٧/٣ ). وفى اليوم الخامس من ذى الحجة عام ٢٠٢ من الهجرة توفى الإمام على الرضا بن موسى الكاظم ، ولى عهد المأمون بن الرشيد ، فصلى عليه المأمون ودفنه ملاصق قبر أبيه الرشيد ( رواية بن خلكان الجزء ١/  ١٢٣) .ويؤيد ابن خلكان عدة مؤرخين . وهنالك قصائد لبعض الشعراء تدل على أن القبرين منفصلان عن بعضهما وهما فى قبة واحدة ، وقد سميت المدينة ( المشهد ) .

وكتب لى سكرتير المفوضية العراقية فى طهران يقول : ( إن القبرين تحت قبة واحدة ، ويقال إنها نفس القبة التى بناها المأمون لم تتغير لمتانة بنائها ، وإن قبر الرشيد يكاد يندرس بجانب الحائط . وقد سمعت من بعض أهل البلد

أن بعض العامة من الجهلاء عند زيارتهم لقبر الإمام على الرضا ، يبصقون على قبر الرشيد ويلعنونه ظانين أنه من خصوم آل البيت أو أنه الشيطان ) .

وفى شهر شباط من عام ١٩٤٦ زار بغداد حضرة ( ظهير الإسلام ) المشرف على أوقاف الإمام على الرضا فتشرفت بمقابلته وأخذت عنه بعض المعلومات وكان متحفظا بإعطائها .

وبعد ، فهذه كلمة أزقها إلى أدباء العرب القوميين وشعرائهم وصحافيهم ، أصحبها برجاء حار أن يكتبوا فى هذا الموضوع ويعينوا على تحقيق هذه الفكرة لما فيها من واجب قومى مقدس وفائدة أدبية للجميع وخدمة لأ كبر عاهل عربى مسلم خدم الدين والحضارة والمجد الذى نفخر به ونعتز.

اشترك في نشرتنا البريدية