الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 240الرجوع إلى "الثقافة"

نماذج بشرية، الأستاذ بتلان، Maitre Pathelin

Share

الأستاذ بتلان بطل مهزلة " Farce " ظهرت بفرنسا في اواخر القرون الوسطى سنة ١٤٦٠ م . ونشرت سنة ١٤٨٠ . وأما مؤلفها فقد تضاربت بشأنه الآراء : فمن قائل إنه " فيون " E.Villon  ؛ ومن قائل إنه جيوم دى لوريس Guillaume de Larris ؛ ومن قائل إنه أنتوان دي لاسال Antoine de Lasale؛ ومن قائل إن بير بلانشيه Pirre Blanchet- ولكنها كلها فروض لا تفيد يقينا ، بحيث يصبح من الخير أن نعترف بأننا لا نعرف ذلك المؤلف .

ولقد لاقت تلك المهزلة نجاحا عظيما عند ظهورها ، فمثلت مرات كثيرة ، وإلى اليوم لا تزال تمثل في الجامعات الفرنسية ، ولا تزال تقرأ رغم صعوبة لغتها القديمة ، التي تختلف اختلافاً محسوساً عن اللغة الفرنسية الحديثة . ولما كانت تدرس بكافة المعاهد الفرنسية ، فإن بطلها قد أصبح في شهرة أكبر الشخصيات الروائية ، فما من فرنسي يجهل الأستاذ بتلان ، بل قل أن يجهله أوربى مثقف .

ولا أدل على نجاح الأستاذ بتلان من أن يصبح اسمه من مفردات اللغة الفرنسية ، فيوصف الرجل بأنه " بتلان " كما يقالC est un Pathelin أي " ماكر " ، ومن الأسم اشتق فعل كما اشتق مصدر ، فيقال Patheliner (بتلن)، كما يقال Pathelinage " بتلنة " بمعنى : " يمكر " و " مكر " .

" الأستاذ بتلان " المحامي أنموذج خالد للمكر الذي يعرف من أين تؤكل الكتف ، والمكر ليس ملكة مستقلة ، وإنما هو وليد لمركب عجيب من قوي النفس . المكر ذكاء ينفذ إلى النفوس فيعرف مواطن الضعف فيها ، وإلى تلك المواضع يتسلل فيختلس الثقة ؛ والمكر إحساس

باطني بالنسب ؛ إحساس يقف بصاحبه عند طاقة الغير يعالجها برفق حتى يقودها إلي ما يريد وكأنه لا يعي ما يفعل ؛ والمكر أخيرا قدرة على تصريف القول ، وشعور دقيق بمفارقات الألفاظ . وهو صفة إذا حرم منها إنسان فقد سلاحا لا يمكن أن يغني عنه سلاح آخر للنجاح في الحياة . صفة لازمة لا لرجال العمل فحسب ، بل ولرجال الفكر , وذلك لما هو واضح من أن الحياة البشرية كلها إنما تنهض على فهمنا لنفوس الغير ، وتذليل تلك النفوس ؛ وإذن فالمكر ليس شراً في ذاته ، وإنما يصبح شرا إذا أفلت من رقابة الضمير ، ومثله مثل الكثير من قوي الحياة والوجود : فالماء العذب قد يغص به شاربه ، لطاقة الحس قد تودى بصاحبها .

ومع هذا فالأستاذ بتلان مثل المكر السئ الذي يحيق بصاحبه ، فهو لا يستخدم دهاءه للوصول إلي حق يرد عنه حمق البشر أو شرهم ، بل يستخدمه في اختلاس مال الغير أو تضييع حقوقهم .

نراء في أول المسرحية وكأن الملل قد اخذ بملكاته فغفت فأتته امرأته " جيمت " Guillemette تستنهضه بصوتها الحاد كالصرير . قالت : " يا صلاة النبي ! لاقشة بالدار سيفنينا القحط . لقد تأكلت ملابسنا ، حتى لم تعد إلا أسمالا ، وما ندري كيف السبيل إلي تعويضها . إيه ! قل لى ماذا أفدنا من علمك ؟ ! " وما أن حركت " جيمت " كبرياء ، الأستاذ ، إذ تحدثت عن علمه ، حتى استيقظ من سنته صائحا بها : " اخرسي ! وذمتي لو أنني أردت أن أستخدم ذكائى لعرفت أين نجد ما نريد من ثياب وقبعات .

ويبعون الله سنفلت من الضيق ونرتفع لساعتنا . نعم ! من دقيقة إلى أخري يأتي الله بالفرج ، ولو أنني أخذت في استغلال مهارتي إذن لما رايت لي مثيلا " . وانطلق بتلان إلى السوق يتحسس فرائسه ، وإذا به أمام حانوت السيد جيوم جوكوم Matire Guillaume Joceaume بائع الأقمشة المشهور بالحذر والبخل . والأستاذ بتلان رجل معتز بملكاته ، ولهذا يروقه أن يستغفل السيد جيوم ، فيرضى

في نفسه كبرياء الفنان الذي يهزه التغلب على الصعوبات الحقيقية .

وسبيل بتلان إلى ما يريد هو ما ذكرت من فن المكر . عليه أن يختلس ثقة السيد جيوم . وهو لا يخترع شيئا , وإنما يستخدم الطريقة التي يحذقها حتى اليوم ملايين البشر " آه ! إنني مسرور رؤيتك يا سيد جيوم ! كيف حالك . هيا اعطني يدك . لعلك في صحة طيبة . والتجارة  كيف حالها . . الخ " وأحس الأستاذ بتلان أنه قد أخذ يصل إلي نفس السيد ، فأوغل في غزوه ، وتحدث إليه عن والده : " آه ! لقد كان والدك يا سيد جيوم رجلا طيباً . كان تاجراً ماهراً ، كم من مرة حدثني متنبئاً بما تري اليوم " وسكن السيد جيوم إلى الأستاذ بتلان إذ تحركت نفسه ، وقد رأي رجلا من رفاق أبيه القدماء ، فطلب إليه أن يجلس ، وكان هذا أول نصر أحرزه الأستاذ .

جلس بتلان ووجهه يتهلل سخرية ، وحدق في وجه السيد جيوم ثم قال : " بالله ! إنني ما رأيت قط ابنا يشبه أباه إلي هذا الحد ! العينان والأنف والفم كلها من المرحوم . وعرض الذقن . حقا ! إنك هو بقضه وقضيضه . يا للعجب ! كيف تخلق الطبيعة وجهين متشابهين هذا التشابه التام ! " ؛ ومر بتلان من الحديث عن أبي جيوم إلي الحديث عن عمته لورانس ملاحظا أنه يشبهها أيضا بجسمه ، وعاد من العمة إلي الأب ، الأب الهمام ، الأب الخبير بأسرار التجارة . ولقد كان رحمه الله لا يتردد في أن يقرض ماله من يريد . وأحس بتلان أن أقواله قد أحدثت أثرها ، وذلك لما لاحظه من أن السيد جيوم قد نام حذره ، فأخذ يبتسم ويتلطف ؛ وهنا رأي الأستاذ أن الوقت قد حان ليخطو خطوة جديدة . وبحركة شبه آلية طرح يده على ثوب من القماش ونظر إلي الثوب ، فقطع عليه الإعجاب سلسلة الحديث : " آه ما أجمله قماشاً ! ليناً . رقيقاً . مخمل "  وفي سرعة خاطفة وجه الحديث وجهة أخرى ؛ ولكن السيد جيوم تاجر ، ولقد أيقظت كلمات بتلان العابرة غريزة الكسب في نفسه ، فعاد هو بالحديث

إلي القماش ، وتظاهر الأستاذ بتلان بالسذاجة حتى أوهم الرجل بأنه سينجح في إغرائه بالشراء .

" آه ! حقا . لقد أغريتني . والواقع أنه لم يكن في عزمى أن أشتري قماشاً في هذا العيد ، ولذلك وضعت قبل مغادرة المنزل ثمانين جنيهاً في الخزانة لأدفعها تسوية لمعاشي مدى الحياة . ولكن يظهر أنك ستأخذ منها عشرين أو ثلاثين . ذلك ما يبدو لي ، فاللون قد أعجبني إعجاباً خالصاً حتى ليؤلمني أن نحرم من قماش كهذا " .

بذلك تهيأت الصفقة ، ولم يبق إلا الاتفاق على الثمن ودفعه ؛ وهنا تظهر مهارة بتلان ، فهو يأبى إلا أن يدعو السيد جيوم ، بعد أن اتضح ما بينهما من معرفة قديمة ، إلى تناول الغداء معه ، وبخاصة لأن مدام بتلان في ذلك اليوم كانت تشوي إوزه سمينة ، وقد أعدت إلي جوارها النبيذ الجيد المعتق ، وتكون هذه فرصة مواتية يوثق فيها الود مع بتلان ، ثم يأخذ جنيهاته ويعود إلي حانوته مشكورا ، وأغرت الإوزة ، وأغري النبيذ السيد جيوم ، فوافق على أن يحمل القماش وقت الغداء ويأتي إلي منزل بتلان . ولكن الأستاذ لا يريد هذا الحل ، ولابد له من أن يعود إلى زوجته بالقماش ، وإذن فلا بد له من حيلة جديدة يتم ما بدأه ، والأمر سهل ، فهو لا يقبل أن يحمل السيد جيوم ثوب القماش تحت إبطه ، بل سيحمله هو ، وبذلك يوفر علي السيد جيوم - ابن ذلك الأب الكريم الذي تشرف بمعرفته منذ سنين - مشقة حمله . ولكن جيوم يأبى هذا الحل ، ويلح في أن يحمله هو ؛ فينتفض بتلان رافضاً رفضاً باتًا أن يتحمل جيوم كل هذه المشقة من أجله ، ثم يزج باسم المرحوم في الحديث من جديد ، ذاكراً ما كان بينهما من ود وتزاور . ويتورط جيوم ، فلا يرى بدا من التسليم للأستاذ بما يريد ، ويأخذ بتلان القماش ويعود إلي منزله بعد أن تواعدا على المائدة .

إلي هنا نجح الأستاذ بتلان في النصب ، فأخذ القماش دون أن يدفع قرشاً واحداً ، وكان سر نجاحه في علاجه لنفسية جيوم : فقد عرف كيف يحادثه فيما يهمه ، وكيف

يتدرج في ذلك الحديث كلما ازداد الخصم اقبالا واستنامة ، وقد حرص على أن يكون حديثه دائما أبعد ما يكون عما يريد ، وكأنه حديث برئ ؛ فهو لم يذكر القماش إلا عرضاً وكأنها المصادفة البحتة ، ثم وجه الحديث وجهة اخرى ، وعند ما عاد إليه تظاهر بأن الخصم هو الذي يقوده ويغريه وهو يكبت رغبته الخفية ، حتى لكأن الصفقة في مصلحة الخصم وما صاحبنا إلا فريسة ؛ وفي النهاية " يكلفت " السيد جيوم كما يقول العوام في فيض من الأقوال المعسولة التي تورط الرجل . وتلك لا ريب مهارة دقيقة ، فيها مزيج من التملق اللبق ، ومن التظاهر بالسذاجة ، كما فيها فطنة إلى أهواء الخصم واتجاهات نفسه ، ومواضع ضعفه ، واستغلال لكل ذلك على نحو لا يكاد يلحظ .

ولكن جيوم سيلاحق أستاذنا بمنزله ، فكيف السبيل إلي الخلاص منه .

هنا تنكشف نفس بتلان عن قوى جديدة ، أخصها الجرأة ، المرأة الصفيقة ، فهو يتفق مع زوجته على أن يتصنع المرض ، وأن يدعي أنه مريض منذ أسبوع ، لم يغادر خلاله الفراش قط ، وأن يلعبا الدور معا بحيث يوهمان المسكين جيوم أن قصة القماش ، والجنيهات والإوزة والنبيد ، وما إليها ليست إلا هذيان محموم . وفعلا يرقد بتلان في السرير ، وما يكاد جيوم يدق علي الباب حتى تخف إليه " جيمت " على اطراف أصابعها واضعة سبابتها على فمها ليصت جيوم ، ولا يرفع صوته فينزعج المريض . ويكون حوار مضحك بين جيوم وجيمت يطالب فيه الرجل بالقماش أو النقود ، فتدعي جيمت الغفلة وكأنها لا تفهم شيئا مما تسمع ، وهمها الشاغل مرض زوجها وقلقها الشديد على حياته ، وقد يئس الطبيب من شفائه ويطول الجدال ، فيصيح بتلان من فراشه : " جيمت ! جيمت ! قليلا من ماء الورد ، ارفعيني دثريني ، حككى مسطح قدمى " . وتدخل جيمت إلي المريض فيتبعها جيوم ، ويطالب الرجل بدينه ، بينما بتلان يخاطبه كأنه الطبيب المداوي , فيحدثه عن أثر الدواء الأخير وعن أرقه وأحلامه المزعجة .

ويثور جيوم فيزداد صوته ارتفاعا . وهنا تقرر جيمت إخراجه ، وتعنفه أشد تعنيف لإقلاقه المريض ، وتطلب إليه الانسحاب حتى لا يأتي الأطباء فيجدونه ، فيظنون أنه قد أتي من أجلها . وعندئذ لا يري السيد جيوم بداً من التراجع ، وقد أخذت الشكوك تساوره حتى أوشك أن يظن بنفسه الخبل ، أو أنه في حلم يقظة ، فقرر أن يعود إلى حانوته ليقيس ثوب القماش كاملا ، ويتأ كد من أنه قد قطع منه ستة أذرع .

انسحب إذن جيوم ليعود إلي حانوته يختبر بضاعته ، ثم لم يلبث أن عاد . ولكن بتلان لم يكن بالرجل الذي تنفد حيله . عاد جيوم يهدد بإحضار البوليس إن لم يرد إليه القماش أو يعطي جنيهاته ، فاضطربت جيمت ؛ وأما الأستاذ فقد كان أثبت من ذلك قلبا ، فأخذ يهذي بكل اللهجات الفرنسية ، حتى إذا استنفدها هذي باللاتينية وسخر من جيوم في تلك اللغة التي يجهلها بائع القماش .

وينجح الأستاذ في تمثيل الدور نجاحاً ينسي معه جيوم قماشه ، ولا يعود يذكر إلا أنه في حجرة رجل يحتضر ؛ وهنا يأخذه الخوف حتى ليبدو له أن ما حدث ليس إلا ألعوبة من الأعيب الشيطان الذي تنكر في هيئة بتلان ليسلبه قماشه ؛ وإذ وصل إلى هذا الإحساس لم ير خيرا من أن ينسحب في سلام .

بهذه الخاتمة كان من الممكن أن تنتهي القصة : فالسيد جيوم قد استخار الله ، وآمن بأن الشيطان هو الذي أخذ قماشه ، ولقد رسم على جبهته وجانبي صدره صورة الصليب ، ثم هم بالعودة إلي منزله مستعيذاً من الشيطان الرجيم . ولكن القصة فيما يظهر كانت شعبية الأصل ، والشعب يعلم أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله ، وبذلك جرت حكمته المأثورة منذ آلاف السنين . وإذن فلابد للقصة من خاتمة أخري ينال فيها بتلان جزاءه . ومن ثم تصور المؤلف حادثة أخرى من الممكن أن تكون قصة بذاتها ، واتخذ منها خاتمة لقصة بتلان وجزاء لمكره السحيق .

وذلك أن جيوم لم يكد يغادر الباب حتي وجد نفسه أمام راعي غنمه توما الحميل " مصغر حمل " ، وكان توما هو الآخر راعياً ما كراً ، كم من مرة ذبح خراف جيوم ثم ادعي أنها قد ماتت بالحمي ؛ ولكن السيد جيوم قد أخذه في المرة الأخيرة متلبساً بجريمته ، وها هو الحميل يأتي إلي الأستاذ بتلان ليوكله في الدفاع عنه أمام القضاء . ونظر الأستاذ فأحس أن القضية صعبة ، ولكن انتصاره على جيوم أغواه بانتصار جديد ، فقبل الوكالة ، وكانت خطة دفاعه بالغة البساطة ؛ فقد اتفق مع الحميل على أن يلعب راعينا دور الأبله ، فيجيب علي كافة الأسئلة التي توجه إليه بجواب واحد هو : " بآ " كحميل حقيقي ، وهذا ما كان . فقد تقدم الخصمان إلي المحكمة ، وكان القاضي لا يخلو من بله ، وتقدم الأستاذ بتلان كمدافع عن الحميل ، ولكن جيوم لم يكد يري الأستاذ حتى جن جنونه ، فقد تركه لتوه مريضاً بمنزله ، وها هو الآن في ساحة القضاء . واحتدم الغيظ في نفس الرجل فنسي دعوي الغنم ، وأخذ يهاجم بتلان مطالباً إياه بالقماش أو الجنيهات ، والقاضي لا يفهم شيئا مما يسمع ؛ فالقضية قضية غنم ، والغنم لا ذكر لها ، والحميل لا يجيب بغير " بآ " ! واستمر السيد جيوم يقفز من الغنم إلي القماش ، ثم يعود إلي الغنم ، حتى ضجر القاضي ، وتهيأت لبتلان الفرصة ليطلب من قاضينا المبجل بإلزام جيوم الصمت ، وإطلاق سراح الراعي ، والحكم على المدعي بالمصاريف ؛ وهذا ما كان . بل لقد بلغ الأمر ببتلان أن نال ثقة القاضي نفسه ، فدعاه حضرته إلي تناول الغداء معه . وهنا يطير عقل جيوم ، فيسرع إلي بيت بتلان ليتأكد من أن الشيطان لم يخدعه ثانياً ، وليستوثق من أن بتلان قد غادر منزله ، وذهب حقيقة إلي المحكمة .

على هذا النحو يكون المكر قد انتصر مرة أخري وبذلك تظل غريزة العدل غير راضية . والشعب حريص على العدل حتى في مهازل المسرح . وها هو الحميل يهم بمغادرة المحكمة ، وهو يتوثب سرورا بعد أن فاه بآخر

" بآ " وها هو بتلان وقد كسب القاضي والقضية ، فأين إذن عقاب المكر الخبيث ؟ !

لقد تلقي بتلان عقابه من الحميل ، وذلك لأنه لم يكد يوقفه بباب المحكمة طالبا إليه أجر الدفاع حتى أجابه حميلنا " بآ " وعبثا حاول الأستاذ أن يقنع الحميل بأنه لم يعد في حاجة إلي " بآ " وأن القضية قد انتهت ، وأنه يود الإنصراف إلى منزله ويطلب أجره ، والحميل لا يجيب على كافة الأسئلة بغير " بآ " حتى انتهي الأمر بأن يئس بتلان نفسه الذي عبث بجيوم وبالقاضي ، ثم ها هو الحميل يعبث به بدوره . وافترق الرجلان ، وقد تعلم بتلان درساً صفق له الشعب أعنف تصفيق ، إذ قد وجد الماكر من يمكر به وقد تلخص مكر الحميل في كلمة واحدة ألقت بأسلحة بتلان كلها إلي الأرض .

هذه هي قصة الأستاذ بتلان الذي أصبح مضرب الأمثال في الدهاء ، وأجزاؤها المختلفة ليست في نسبة واحدة من الصلة بالحياة ؛ فبتلان الذي نلقاه في الحياة فنشقي به ، هو بتلان الذي عرف كيف يحتال فيكسب ثقة السيد جيوم ويأخذ منه القماش . هذا الجزء من القصة لا نبالغ إذا قلنا إنه يتجدد عشرات المرات في اليوم الواحد في بقاع الأرض كافة ، وببلادنا خاصة .

وأما الأحداث التالية ، كتمارض الأستاذ ورطانته بمختلف اللهجات ، وانتهاء الأمر بحيوم إلي الإيمان برجس الشيطان ، وحادثة الحميل و " بآ " فمواقف مسرحية تثير الضحك ، ولكنها لا تكشف عن أسرار الحياة شيئا ، وهي أشبه ما تكون بمهازل مسارحنا . ومن ثم دققنا النظر في حيل بتلان النفسية " لكلفتة " جيوم ، ونحن بعد لا نذيع سراً إذا قلنا إننا محاطون من كل جانب بأنواع من بتلان ؛ وأما جيوم فأكبر الظن أنه موجود هو الآخر ، وكل ما نخشا هو ألا نجد " الحميل " . ورحم الله من قال : " إلي لست بخب ولكن الخب لا يخدعني " .

اشترك في نشرتنا البريدية