وجهت هذا السؤال مفصلا إلى صديقي الأستاذ الكبير ساطع الحصري بك المستشار الفني لجامعة الدول العربية. ولكن المقال لم يعجب الرقيب فلم يأذن بنشره. ولما اطلع عليه الأستاذ أبو خلدون أجاب عنه بهذا البحث الذي تقرأه. وإني لأرجو بعد أن ينشر أن أعلق عليه بما يتفق مع رغبة الرقيب وواجب الحق وسياسة الرسالة. (الزيات)
صديقي الأستاذ. . .
لقد اطلعت على السؤال الذي وجهتموه إلي، في مقالكم المعنون (هل الشقاق طبع في العرب؟) .
فقد أشرتم في المقال المذكور إلي حوادث الشقاق والتنافس والتخاصم التي توالت في تاريخ العرب؛ واستعرضتم الأحزاب السياسية والفرق الدينية التي ظهرت بينهم؛ ثم ذكرتم رأي ابن خلدون في هذا المضمار. وفي الآخر تساءلتم: (هل كتب الله على العرب أن يعيشوا أبداً بطبيعة البادية ونفسية الغابة وعقلية القبيلة؟)
فوجب على أن ألبي طلبكم، فاكتب إليكم ما اعتقده في هذه القضية الهامة. غير أني رأيت من الضروري أن أقف أولاً أمام (المقدمات) التي صدرتم بها هذا السؤال، قبل أن أحاول الإجابة عنه إجابة مباشرة.
فاسمحوا لي أن أسألكم بدوري: هل تظنون أن الاختلافات التي ذكرتموها كانت من خصائص الأمة العربية وحدها؟
أنا لا أشك في أن جوابكم عن هذا السؤال سيكون بالنفي؛ لأنكم تعرفون جيداً - كما يعرف ذلك كل من يستعرض التاريخ العام - أن تواريخ الأمم الأخرى لم تخل من أمثال تلك الاختلافات.
فيترتب على ذلك إذن أن أنقل البحث إلى كمية هذه الاختلافات وشدتها، فأسألكم: هل تعتقدون أن الاختلافات السياسية والدينية التي حدثت في تاريخ العرب كانت أكثر وأشد وأعنف من التي تجلت في تواريخ الأمم الأخرى؟
أنا أعرف أن الآراء الشائعة الآن لا تدع مجالاً للتفكير ملياً في هذا السؤال؛ لأنها تحمل الأذهان على الرد عليه فوراً بالإيجاب.
وأعترف بأني أنا أيضاً كنت - مدة من الزمن - من المتأثرين بهذه الآراء الشائعة، ومن المسلمين بأن تاريخ العرب يشذ في هذه القضايا عن تواريخ الأمم الأخرى شذوذاً كبيراً. أني بدأت أشك في صحة الآراء الشائعة عندما أخذت أتعمق في دراسة التاريخ العام؛ وازددت شكاً فيها كلما تغلغلت في هذه الدراسة؛ إلى أن أصبحت أعتقد اعتقاداً جازماً بأنها لا تتفق مع الحقائق التاريخية الثابتة أبداً؛ لأنها لا تقوم على مقارنات شاملة، بل تستند إلى استقراء ناقص جداً.
إننا ننفعل، ونتألم، ونغضب. . عندما نقرأ أخبار الاختلافات التي حدثت في تاريخ العرب. . ولا سيما عندما نتتبع نتائج هذه
الرومانية لم تعش سالمة من الاختلافات، بل إنما عاشت بالرغم من الاختلافات، وأما إخلاف الرومان القدماء، فلا ننس أنهم عاشوا متفرقين متخالفين مدة لا تقل عن خمسة عشر قرناً.
وإذا تركنا السلطنات القديمة جانباً، وانتقلنا إلى الدول المعاصرة لنا، وتتبعنا أحوالها الماضية - طوال القرون الوسطى وخلال النصف الأول من القرون الأخيرة - وصلنا إلى نتائج مماثلة لما ذكرناه آنفاً.
ولنأخذ فرنسا مثلا؛ فقد كان من المعلوم أنها أسبق الدول الأوربية إلى الوحدة السياسية الكاملة، والتماسك القومي المتين، ولكنا إذا استعرضنا أحوالها خلال القرون التي ذكرناها آنفاً وجدناها بعيدة عن الوحدة كل البعد، ومسرحاً لشتى أنواع الخلافات والحروب.
أنا لا أود أن أطيل الحديث في هذا الموضوع، ولذلك أكتفي بنقل كلمة كتبها مؤرخ فرنسا الشهير(أرنست لافيس) لتلخيص تلك الأحوال، قال المؤرخ:
(لقد مضى عهد من التاريخ كانت فيه فرنسا شبيهة بمقدونيا الحالية منقسمة إلى أجزاء كثيرة، متخالفة، متنابذة، متنافسة، متخاصمة. وقد وجب أن تسيل الدماء مدراراً حتى تلتحم هذه الأقسام المختلفة، فتصل فرنسا إلى وحدتها الحالية. . .).
هذه كانت أحوال فرنسا التي سبقت جميع الدول الأوربية في طريق الاتحاد. وأما إذا أنعمنا النظر في تواريخ الدول الغربية الأخرى، فنجد فيها أيضاً أحوالاً مماثلة لذلك تجلت بمقياس أوسع، وبشدة أعظم، واستمرت مدة أطول.
لابد من أن نتذكر - في هذا الصدد - أن ألمانيا كانت منقسمة إلى أكثر من ثلاثمائة دولة ودويلة حتى أوائل القرن الماضي، وكانت لا تزال منقسمة إلى تسع وثلاثين دولة قبل ثمانين عاماً فقط!
إن اتحاد هذه الدول لم يتم إلا بعد جهود كبيرة وتضحيات عظيمة، وهذه الجهود قد اجتازت مرات عديدة أطوار فشل أليمة
ولهذا كله أستطيع أن أقول بكل تأكيد: إننا كلما توسعنا وتعمقنا في دراسة تاريخ الدول الأوربية ازددنا يقيناً بأن معالم الاختلاف والانقسام فيها لم تكن قط أقل من التي تجلت في تاريخ العرب بوجه عام.
إني أقول هذا بكل تأكيد مع علمي بأني أخالف بذلك آراء الكثرة الساحقة من الكتاب والباحثين.
وقد فكرت ملياً في الأسباب والعوامل التي حملت الرأي العام على التباعد عن طريق الصواب في هذه القضية الهامة، وأعتقد أنني وصلت إلى معرفتها بكل وضوح:
إن مراكز رؤيتنا لتاريخ العرب تختلف - بوجه عام - عن مراكز رؤيتنا لتواريخ الأمم الأخرى.
فنحن ننظر إلى تواريخ الأمم الأخرى عن بعد نظرة إجمالية فندرك خطوطها الأساسية العامة دون أن نتيه في تفاصيلها الفرعية. ولكننا ننظر إلى تاريخ العرب من قرب نظرة تفصيلية فنطلع على كثير من تفاصيله دون أن نحيط علماً بخطوطه الأساسية.
وأستطيع أن أقول: إن موقفنا تجاه التاريخ العام موقف رجل يتفرج على الجبل من السهل البعيد.
وأما موقفنا تجاه تاريخ العرب، فهو موقف رجل يسير في قلب الجبل ويتغلغل في وهاده.
ومن المعلوم أن الجبال تتألف عادة من وهاد ووديان، ومرتفعات ومنخفضات، وهضاب ومنحدرات، فلا تبدو عالية شامخة، إلا لمن ينظر إليها من بعيد، ويدرك شكلها العام دون إن يتيه بين خطوطها الفرعية المعقدة. . .
إن تواريخ الدول الأوربية تبدو لنا جبالاً مرتفعة شامخة، لأننا ننظر إليها بنظر المؤلفين الأوربيين، ومن الخارج ومن البعد، فلنغير موقفنا منها ونظراتنا إليها، وذلك بالتغلغل فيها، نرى عندئذ أنها مؤلفة من وهاد ووديان بالرغم من منظرها الخارجي العام.
وأما تواريخ الدول العربية، فتبدو لنا مجموعة مرتفعات ومنخفضات مشوشة ومعقدة، لأننا ننظر إليها بنظر الإخباريين القدماء، ومن داخلها؛ فلنغير موقفنا منها، ولننظر إليها من بعد - نظرة تسمو على النزعات - فنرى عندئذ أنها أيضاً مرتفعة شامخة بالرغم مما فيها من وهاد ووديان.
يجب علينا أن نضع هذه الحقيقة نصب أعيننا على الدوام، وأن نسعى لتوحيد نظراتنا إلى صحائف التاريخ القومي والتاريخ العام، ولنعدل عن استعمال نظارات مكبرة للعيوب في الأولى، ومصغرة للعيوب في الثانية، كما اعتدنا ذلك إلى الآن.
وعندما نفعل ذلك نفهم حق الفهم أن الأحكام الشائعة بيننا على تاريخ العرب، إنما هي وليدة نظرات خاطئة، ومقارنات قاصرة، ولهذا السبب كانت في حاجة شديدة إلى التصحيح والتقويم بوجه عام.
(البقية في العدد القادم)

